مُنى أبوزيد تكتب :من قماش الذاكرة


 

“خير من تصحب من يطلبك لذاتك، لا لشيء يعود منك إليه”.. ابن عطاء الله السكندري

الزمان: مطلع ستينيات القرن الماضي

المكان: موقف البصات بمدينة عطبرة

قفزت عزيزة من البص بالقرب من مركز البوليس، وهي تفكر بما سيؤول إليه حالها في مدينة تزورها لأول مرة، بعد أن ودّعت أهلها في “كادُقلي”، وقطعت تلك المسافات لتعمل مدرِّسة بإحدى مدارس وادي سيدون ريفي عطبرة. قادتها خُطاها إلى مركز البوليس، فطرقت باب مكتب جدي لأمي. سلمت عليه وأخبرته بأنها لا تعرف أين يقع مكتب “ريفي عطبرة” الذي يفترض أن تكمل فيه إجراءات نقلها، فخاطبها جدي قائلاً في بساطة “قومي يا بتي يلا معاي البيت”..!

أقامت الضيفة مع جدتي وخالاتي ثلاثة أيام قبل أن يوصلها جدي إلى محطة بصات سيدون. وكانت عزيزة التي لا تستطيع السفر إلى أهلها في موسم الأمطار وفي غيره أحياناً – بسبب قصر العطلات وطول المسافة إلى كادُقلي – تأتي لقضاء الإجازة في بيت جدي، وكانت جدتي لأمي تناديها بعزيزة بنتي، وكانت خالاتي ينادينها بعزيزة أختنا. خمس سنوات قضتها بينهم حفظت خلالها الكثير من “رطانة” الدناقلة وعرفوا الكثير عن عادات أهلها في الغرب..!

ثم تقدم لخطبتها اثنان من أبناء عمومتها فوقعت في حيرةٍ من أمرها أيُّهما تختار، وحتى تحسم أمرها قدم الاثنان لزيارتها في إجازة عيد الأضحى وأقاما في بيت جدي الذي حرصت عزيزة على طلب مشورته. توافق خيار جدي مع خيارها فتم الزواج، ثم غادرتهم للإقامة مع زوجها في الخرطوم. وفي نهاية العام تسلَّم جدي برقية من عزيزة وزوجها كان نصها كالآتي “رُزقْتُ بتوأمَتيَن”. بفرحة عارمة حمل جدي وجدتي ما استطاعا حمله من هدايا وسافرا إلى الخرطوم لحضور السماية. وبقيت أواصر تلك العلاقة عميقة مُمتدة، رغم تغيُّر الزمان واختلاف المكان..!

المكان: مدينة الرياض بالسعودية

الزمان: النصف الأخير من تسعينيات القرن الماضي

في سفارة السودان بالرياض قرأ والدي، إعلاناً عن وكيل سوداني لجامعة “سانت بطرس بيرغ”، كان مُختصاً بتنسيق إجراءات أبناء المغتربين الراغبين للالتحاق بتلك الجامعة. في ذات الوقت، وفي قنصلية السودان بمدينة جدة اطّلع طبيبٌ مُغتربٌ على ورقة الإعلان المثبتة في بورد الإعلانات. تقدم الوالدان بطلبي التحاق ولديهما بكلية الطب في تلك الجامعة وتم القبول، وتبقى على رحلة السفر الطويلة بضعة أيام. قرأ المغترب المقيم بمدينة جدة اسم شقيقي الأكبر المركب – “محمد المجذوب” – في قائمة الطلبة المقبولين بتك الجامعة، فبحث عن رقم هاتف والدي، وبادره باتّصال هاتفي قائلاً: “قريت اسم الولد فتذكّرت شيوخنا مجاذيب الدامر، وقلت ديل أهلنا ناس الشمالية الطيبين”..!

وهكذا، بمنتهى الروعة والإخلاص والبساطة ولدت علاقة صداقة هاتفية عميقة بين والدي وذلك الطبيب المُغترب الذي طلب من ابنه قطع إجازته في السودان والعودة إلى السعودية. اتفق والدي مع صديقه الهاتفي – الذي كان لا يعلم عنه أكثر من أنه طبيب بيطري من أبناء الشمالية يقيم في مدينة جدة – على إرسال ولده للإقامة في بيتنا حتى موعد السفر. ثم سافر هو وشقيقي على ذات الرحلة وفي مقعدين مُتجاورين، وأقاما معاً في نفس السَّكن هُناك. وفي أثناء سنوات الدراسة كانت هنالك مشكلة في التحويلات البنكية من السعودية إلى روسيا، تمكّن والدي من التحايل على صعوبتها بطريقة لا أذكر اليوم تفاصيلها. فكان صديقه الهاتفي يرسل الأقساط السنوية المستحقة على ولده للجامعة على حساب والدي الذي كان يقوم بتحويلها دفعة واحدة مع أقساط شقيقي. وفي بعض الأحيان كان يحدث العكس فيقوم والدي بتحويل المبالغ المُستحقة ثم يتسلّم المال من صديقه. ولم يحدث قط أن فكّر والدي بالسؤال عن عنوان ذلك الصديق في جدة، ولم يحدث قط أن فكّر ذلك الصديق في السؤال عن عنوان الرجل الذي يأتمنه على أمواله. فقط بعض الذكريات المشتركة بيهما عن “مدينة الدامر” وبركات “الشيخ المجذوب” كانت تكفيهما وتزيد..!

المكان: مدينة الخرطوم

الزمان: بتوقيت نشر هذا المقال

بحثت عن حكاية – جميلة – مُشابهة تخصّني، وتخص جيلي في الأسرة أو العائلة فلم أجد. ولست أدري هل المُشكلة شخصية أم جيلية؟. أم لعلّها طبيعة هذا الزمن، زمن القرن الواحد والعشرين؟!.

مُنى أبوزيد

[email protected]

 



مصدر الخبر موقع الصيحة الآن

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: