مالك محمد يكتب: صاحب الورقة


مالك محمد طه

يحكي الروس على ايام العهد الشيوعي ان الرئيس نيكيتا خروتشوف خطب في جمهرة من الشيوعيين منددا بسلفه الرئيس ستالين ومنتقدا بشدة عهده البائد،
فأرسل أحد الحضور ورقة إلى خروتشوف كتب فيها(لماذا لم تنتقد ستالين وهو على قيد الحياة؟).
قرأ خرتشوف الورقة ثم رفعها أمام الحضور وسأل: من كتب هذه الورقة؟ فلم يحبه أحد وعم المكان صمت رهيب، ولم يمتلك صاحبها الجرأة ليعرف نفسه، وأصبحت الورقة وما تحمله من سؤال كفعل مبني للمجهول.
عندها رمي خرتشوف الورقة وقال: حسنا، يا صاحب الورقة الذي منعني من الحديث ايام ستالين، هو الذي منعك من الحديث الان.

صاحب الورقة على أيامنا هذه هم اؤلئك الذين يستميتون في الدفاع عن فشل الحكومة الانتقالية، ويذودون عنها بسلاح قديم يتمظهر في سؤال عقيم يشهرونه أمام كل ناصح ناقد (اين كنتم عندما فعل مثل ذلك النظام البائد ؟).

لا تحدثوا صاحب الورقة ان(المؤسس) وقد مضى عامان وهو في الموقع الاول بالدولة لم يقص شريط الافتتاح لأي منشأة أو مرفق من تخطيطه وتنفيذه، ولم
يضع حجر الأساس لأي مشروع خلال العامين في طول البلاد وعرضها، اللهم إلا اكليلا من الزهور وضعه على قبر جون قرنق(أخوه المؤسس) لجنوب السودان.

لا تحدثوا صاحب الورقة عن انهيار التعليم في كل مراحله، واستحال الدراسة الجامعية إلى معجزة لا يستطيع تحقيقها الا أصحاب الأموال والأسر الغنية، وهي شاقة وعسيرة على الأسر في المراحل الابتدائية، وبفضل هذا العسر-ان كان للعسر فضل- يتصدر السودان القائمة في كثرة الأطفال خارج المدارس.

لا تحدثوا صاحب الورقة عن البيئة التعليمية الطاردة التي جعلت أساتذة الجامعات يدخلون في إضراب عن العمل، ولو تم رفعه اليوم، فإن معلمي التعليم العام في طريقهم للإضراب مع اقتراب بدء العام الدراسي، بسبب الاوضاع الاقتصادية البائسة.

لاتحدثوا صاحب الورقة عن تآكل الدولة من الأطراف، وانتشار التتريس والاغلاق للمنشآت الحيوية في الولايات المغبونة (الطرق القومية، حقول النفط، محطات التوليد) فماذا بقي لحكومة حمدوك لتحرسه سوى مطار الخرطوم؟.

لاتحدثوا صاحب الورقة ان السودان والفاتيكان وبعض النظم الملكية هي فقط الدول الوحيدة في العالم التي لا يقوم بناؤها على السلطات الثلاث التنفيذية والقضائية والتشريعية. لقد اكتفت الحكومة باثنتين : تنفيذية كسيحة وقضائية منقوصة، وهي تردد مع الدراويش(هذا يكفيني إلى يوم تكفيني).

لا تحدثوا صاحب الورقة ان في السودان لجنة إدارية تتفوق على هيئة تشخيص مصلحة النظام في إيران،هذه اللجنة هي وحدها التي تعلم(المصلح من المفسد) فتحدد الشركات التي تصلح لاستيراد المدخلات الزراعية، و تسمح او لا تسمح للجمارك بإدخال البضائع، وهي التي تفصل القضاة ووكلاء النيابة والسفراء. ولها الحق في تجميد الأرصدة المالية والإطلاع على(عورات) الحسابات المصرفية، .وفي عالم الأعمال فإن الحسابات(عورة) لا يطلع عليها الناس.
وهذه اللجنة احكامها فورية نافذة، واستئنافها معطل، .يزعم اصحابها انهم مثل الآلة التي لم تخترع بعد (تصحح نفسها بنفسها)، يتعاور أعمال اللجنة ثلاثة،
إذا أخطأ الصحفي صححه المحامي، وإذا أخطأ المحامي صوبه رجل الأعمال، واذا أخفق رجل الأعمال استدرك عليه الصحفي، فهم ثالوث منزه .

لانحدثوه ان الخارج أحكم قبضته على السودان بأكثر من حصاره(للنظام البائد)، لقد تناوب علينا البنك الدولي وصندوق النقد، هذا يقرر في شأن المنهج الدراسي، وذاك يراقب ويحدد للحكومة السلع التي يجب تحريرها ونسبة التحرير ومواقيته.

ثم فرض هذا الخارج على الحكومة ان تستضيف العملاء وتطرد الأحرار والشرفاء، والزمها بدفع تعويضات لجريمة لم ترتكبها.

لاتحدثوه ان ضباط الارتباط في السفارات الأجنبية بالخرطوم امتلأت حقائبهم بالمصادر والمعلومات، وأن السفراء يجوسون خلال الديار بين الصيد السهل لأداء مهمة التجنيد وكسب الولاء.

لا تحدثوا صاحب الورقة ان تقارير الأداء المالي للحكومة الانتقالية محجوبة ومدسوسة لا يعرفها احد، وأن حركة المال العام غامضة وأن ميزانية الدولة يتم تعديلها في الظلام أكثر من مرة في العام بواسطة حفنة من المسؤولين.

يا صاحب الورقة لو سلموا لك بفساد العهد البائد، فأين صلاح العهد السائد؟

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: