صلاح الدين عووضة يكتب.. تعيس الحظ!!


هكذا يقولون..

تعيس الحظ… وسعيد الحظ..

ويشبِّهون من يبلغ حظه قمة السوء بالذي يجد عظمة في فشفاش..

واسأل أنا: وهل هنالك حظٌ أصلاً؟… سيئاً كان أم جيداً؟..

إجابتي – منطقياً – لا..

ولكن رحلة الإنسان في سكة عمره تعلمه الكثير..

أو تضعضع قناعاته في الكثير… الكثير مما لا يؤمن به..

والمغني يقول (لو سعيد الحظ يكون دايماً معايا)..

ولكن لا أدري ماذا سيقول إن قُدر له الاقتران بمن يتمناها معه دوماً هذه..

هل سيكون – بعد نحو عامٍ فقط – سعيداً أم تعيساً؟..

هل سيحطم النظرة – والنظرية – الشعبية عن نفسيات الرجل بعد الزواج؟..

والتي جسدتها مقولة راجت على نطاق واسع؟..

وهي إن رأيت رجلاً يضحك مع امرأة في عربته فاعلم أنها ليست زوجته..

فهي نظرة – ونظرية – عن عديد تجارب… قطعاً..

حتى وإن غُلفتا بثوب الدعابة..

وبعض زائري بلادنا قديماً – من الرحالة – كانت تعجبهم مقولةٌ لنا شعبية..

وهي: اللي يعيش كتير… يشوف كتير..

وقالوا إنهم فعلاً عاشوا بما يكفي لرؤية الكثير من الغرائب في وطننا..

سواء غرائب طباع…. أو طبيعة..

ومن غرائب الطبع هذه أكلنا فشفاش الذبيحة؛ أكله نيئاً مع كبدها… وكرشها..

وهو ما يُعرف عندنا بالمرارة..

ولا أدري ماذا كانوا سيقولون إن رأوا بعض آكلي الفشفاش يُفاجأون بعظمة..

والفشفاش – لغير السودانيين – هو رئة الذبيحة..

وأقول لغير السودانيين لأن نفراً منهم قالوا إن حظهم رمى بهم إلى طريقنا..

أو إلى طريق كتاباتنا؛ ورقية… أو أسفيرية..

ولكنهم لم يفصحوا إن كان سعيداً حظهم هذا أم تعيسا..

وحتى إن كان سعيداً فهو قطعاً – هذه الأيام – تبدل إلى تعيسٍ جداً..

وما ذاك إلا لأننا أنفسنا صرنا تعساء..

وكل تعيس ينضح إناؤه بما فيه من تعاسة..

كما ينضح كتاب البؤساء – لفكتور هوجو – بفيوضٍ من البؤس..

ولكن تعاسةً لتعاسة تفرق..

ويفرق – اقتباساً من الأغنية – (طعم الحلو لو يبقى مر)..

أو – جرياً على اعتقاد الناس؛ سوء حظٍ إلى سوء حظٍ يفرق..

فكاتب هذه السطور – مثلاً – مر بتجربة بؤس مريرة..

فقد صادف من غمره فيوضاً من بؤس أحد مسببات بؤسه في هذه الدنيا..

وهي الحديث عن الأراضي… والبيوت… والأطيان..

وعندما يتناقش أهله في مثل هذه القضايا يجلس بينهم كثور الله في برسيمه..

المهم؛ صادف شيخاً يقف على جانب الطريق..

فأقله معه في سيارته إشفاقاً عليه من الوقوف… والحر… وعوامل السن..

وليته لم يفعل؛ فمن أشفق عليه لم يشفق عليه لحظة..

وإنما طفق يثرثر في قضايا الأراضي مع شروح تاريخية – وآنية – مملة..

من قبيل المتر في كذا… في عام كذا… كان بكذا..

ولم يكف إلا حين وصل لوجهته… قبل أن يكف قلب مُقلِّه عن الخفقان..

واُصبت بملاريا – لأول مرة – في ذاك اليوم..

وفي ذاكرة كل منكم – قطعاً – ذكريات حظوظٍ تعيسة..

أو كما تسمونها أنتم هكذا… بينما كنت أنكر – أنا – شيئاً اسمه الحظ..

الحظ بنوعيه؛ سعيدٌ… وتعيس..

وأقول كنت لأنني – الآن – أكاد أفعل… أكاد أُؤمن… أكاد أجزم..

فقد عانينا – أنا وغيري – بؤساً طوال سني الإنقاذ..

عدا القلة المتنعمة من أهلها بالطبع… فهؤلاء الإنقاذ في نظرهم حظٌ سعيد..

وظللنا نترقب بلوغ الضوء الذي في نهاية النفق..

وبلغناه بعد ثلاثين عاماً؛ وقلنا الآن – والآن فقط – سنسعد… ونفرح..

أو؛ سنعبر… وننتصر..

فإذا بنا نشقى أكثر؛ ويُقال لنا: ترقبوا الضوء الذي في نهاية النفق..

يعني خرجنا من نفق… لنلج آخر..

فآمنت الآن – والآن فقط – أن هناك شيئاً اسمه سوء الحظ..

وبالمناسبة؛ أنا لا آكل المرارة أصلاً..

ولكني لن اندهش إن أكلتها – يوماً – فوجدت عظمة في الفشفاش..

إن كان فشفاشي أنا نفسي بات عظمياً..

وتعيس حظ!!.

صحيفة الصيحة



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: