سراج الدين مصطفى يكتب : على طريقة الرسم بالكلمات


 

(1)

الفكرةُ أقوى من الرصاص، هذه معلومة صادقة، فالفكرةُ لا تموت، وإن كنتَ تريدُ دليلاً على ذلك، فاسمحوا  لي أن أحكي عن فرقة عقد الجلاد.. فهي نموذج باذخ وحاضر.. وربما منذ عشرات  السنين، وقد قَفَزت الفرقة  إلى ذاكِرَة الناس أجمعين وحتى الآن، وهذا الإعجابُ والمحبة للفرقة  ليس قائمًا على وسامةِ أشكالهم ولا لواسِعِ نفوذهم كأفراد  ولكنه إعجابٌ بجودةِ الفكرة التي قامت عليها، وإن اختلفَ مقياسُ الجودةِ من شخصٍ لآخر.

عقد الجلاد فكرةُ ذات تأسيس عميق وجذور ضاربة في أرض صالحة لزراعة مفاهيم جديدة ومتجددة لذلك لا تموت، وهي أبقى من الأشخص، ولذلك فرسالةُ المرءِ في الحياة ورسالة المؤسسات والهيئات ما هي إلا فكرةٌ، يُخلِصُ المرءُ لها ويتفانى في سبيلِها ويسترخِصُ لقاءَ تحقيقها كلَّ غالٍ ونفيس.

(2)

عقد الجلاد ذهب عنها عرابها ورجل بقامة عثمان النو ولكن رغم ذهابه قبل سنوات بقيت فكرتُه التي تلقفتها آذان السودانيين وسكنت وجدانهم رغم أعاصير الخلافات التي تناوشت الفرقة على امتداد تاريخها

وبعد عثمان النو.. ذهب أيضا شمت محمد نور.. المبدع الخلاق والمجدد.. فهو ابتكر واستحدث أشكالا وعناصر جديدة أدخلها جعلت أغنياته  تتميّز عن موسيقى الآخرين  في شكل الطرح والقالب الأدائي الذي تقدم به ، وهو بذلك قد حقق نوعاً من الريادة بفضل القواعد الجديدة التي أرساها  في طريقة تفكيره لوضع موسيقاه حتى يكون نسيج وحده .. مع الوضع في الاعتبار أن عقد الجلاد حوت ثمة مدارس لحنية سبقته في وضع موسيقى الأغاني.. وهو برغم سطوته وقوة تأثيره وهو البعيد حاليا عن الفرقة ولكن عقد الجلاد كفكرة لم تتأثر بتوقفه حاليا ولن تتأثر بذهابه مستقبلا.. تلك هي الحقيقة كما ينبغي أن تقال بلا مواربة.

(3)

بحسب بعض التعريفات العلمية.. تبدأ كتابة النكتة بالتفكير بشيء مضحك، ثمَّ تنتقل من الفكرة إلى التطبيق، باستخدام الأساليب التالية، حيث تتألف بنية معظم النِّكات من قسمين رئيسيين: أولًا – المقدمة  وهي العالم الذي تخلقه لتهيّء المتلقِّي للنُّكتة، والأساس الذي تُبنى عليه النكتة بأكملها. ولذلك، من المهم أن يتجهَّز المتلقي لفهم الجوانب التي ستطرحها في نكتتك، وتحرِّك تفكيره بالاتجاه الأنسب لها.

(4)

ثانيًا – النهاية المفاجئة  أو النهاية غير المتوقَّعة للنكتة التي تُضحك المتلقي أحدها أو مجموعة منها في نفس الوقت، وعليك تجربة الأساليب المختلفة حتَّى تصل النكتة إلى أفضل شكلٍ لها. وفي الغالب استخدام تقنية واحدة لن يكفي، وإنَّما عليك الدمج فيما بينها.

أفضل نكتة هي التي لا يتوقَّعها القارئ لكن لدى فهمها يرى أنّ النكتة كانت لتخطر بباله لأنّه يرى القصد منها.. وحينما أسقط ذلك علي الكوميديا التي يقدمها ربيع طه عبر برنامج حالة خفية وهو أشبه بالكاميرا الخفية المتعارف عليها.. نجد أنه فشل في أن يكون مضحكا من خلال تصنعه للمواقف المضحكة وأصبحت الفكرة أقرب للعبط وليس الإضحاك وتم تغييب قيمة النكتة وابتذالها بطريقة لا ترقى لاسم عريض كربيع طه.

(5)

من المؤكد ان الاستاذ عبد الكريم الكابلي قد سعى سعياً حثيثا ليصل وضعية الفنان المثقف.. من خلال الاطلاع المكثف والبحث في بطون الكتب .. لأنه يدرك ان الفنان هو حامل مشعل الاستنارة .. وهو قائد ونجم مجتمعي يجب ان يتسلح بالثقافة.. ليقود ويؤثر في الحياة والناس.. حتى يكون محترماً ويستحق كلمة (أستاذ) التي قاتل لأجلها عميد الفن احمد المصطفى.

حينما استصحب نموذج عبد الكريم واسقط تجربته على الاجيال الجديدة من الفنانين سيكون البون شاسعا وواسعا .. والميزان غير معتدل .. لأن المقارنة معدومة تماماً .. حيث معظم او كل فناني اليوم يعانون من انيميا حادة في الثقافة .. كلهم تقريباً عبارة عن مظهر بلا جوهر .. تجدهم يقتنون اغلى البدل وربطات العنق ولكنهم لا يجيدون حتى الحديث.. يفتقدون لأبسط مقومات الفنان الحقيقي المؤهل لأن يقدم تجربة مختلفة.



مصدر الخبر موقع الصيحة الآن

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: