في نقد النقد: عادل عبد العاطي والفكرة الجمهورية «2»




بقلم: سعد عبدالله أبونورة

الإتهامات المضللة بالإسلاموعروبية وغيرها

في الإتهامات المضللة التي ساقها عادل عبد العاطي للفكرة الجمهورية بأنها تنتمي لأيدولوجيا الإسلاموعربية ، يوجد احتمالان أما أن عادل عبد العاطي لم يقرأ الأدب المكتوب للفكرة الجمهورية بالقدر الكافي ، أو أنه قرأه إلا أنه اتجه لتضليل القارئ .. كلا الاحتمالين يجرد عادل عبد العاطي من صفة الموضوعية كناقد . إن أي قارئ جيد لفكر الأستاذ محمود محمد طه ، يعلم بأن محور هذا الفكر هو (الانسان) من حيث هو إنسان ، وهو فكر يتجاوز مرحلة (البشرية) ، بشرية عالم اليوم المتصارعة حول مفاهيم الدين والعرق والهوية والعنصر ، إلى مرحلة (الانسانية) التي لا يتفاضل فيها الناس بالعنصر والعرق والدين ، وإنما بموهبتي (القلب السليم والعقل الصافي) واللتين هما حظ كل إنسان من حيث هو إنسان وهي الفطرة التي فطر الله الناس عليها جميعاً من حيث هم ناس ، قبل أن تقوم ثقافات المجتمع البشري المختلفة بتشكيل وعيهم (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) .. فالفكرة الجمهورية وبشكل صارم ضد أي مفاهيم قومية أوعنصرية ، سواء كانت من جانب اليهود أو العرب أو غيرهم .. ويكفي استشهاداً في هذا الأمر وصف الأستاذ محمود في كتابه (مشكلة الشرق الأوسط) للعرب بأنهم ((يحاربون بالعنصرية العربية ، العنصرية الاسرائلية “الصهيونية” .. يهود يحاربون يهوداً!)) ويضيف الأستاذ محمود قائلاً في نفس الكتاب ((أمام عودة الإسلام عقبات كثيرة، نذكر منها إثنتين: دعوة القومية العربية، والدعوات السلفية الى الإسلام: فأما القومية العربية فقد أسلفنا طرفا من الحديث عنها، وقلنا أنها دعوة عنصرية في وقت خلّفت البشرية فيه الدعوات العنصريات وراءها، وأخذت تستقبل عهد الصراع الفكـري، والمذهبي. ويزعم أنصار هذه الدعوة أنها ليست عنصرية بحجة أنها دعوة لا تستعلي بعنصريتها على أحد، ولا هي تدعو لاضطهاد العنصريات الأخريات. وأمرهم في هذا جد يسير، فكونها لا تذهب في شطط العنصرية الى هذا الحد البشع لا ينفي عنها كونها عنصرية.. وقد ينفي عنها كونها عنصرية متطرفة.. ونحن لا نريد الدعوات العنصريات وان كانت موزونة، ومعتدلة وذلك لأنها لا تقوم على مذهبية)) كتاب مشكلة الشرق لأوسط ـ الفصل السابع .

يشكل هذا النص قطيعة جذرية مع أي فكر عروبي أو اسلاموعروبي أو سلفي. فعند الأستاذ محمود لا يوجد أصلاً شئ يسمى القومية العربية ، فهو ينقد هذا المفهوم بقوله (( والحق ان ليس للعرب فلسفة الا فلسفة تقوم على أديم الاسلام، فاذا زعم دعاة القومية العربية لها انها وحدة الثقافة ووحدة التاريخ ووحدة اللغة فقد وجب ان يذكروا ان العرب لم يكونوا شيئا مذكورا قبل الاسلام، فهم لم يكن لهم ثقافة، ولم يدخلوا التاريخ قبل ان يكونوا مسلمين، و كانت لغتهم لهجات قبلية متفرقة لم تتوحد الا بعد ان جاء القرآن بلغة قريش فوحدها – فالاسلام هو الذي أعطى العرب الثقافة، وهو الذي أعطاهم اللغة، وهو الذي جعل لهم تاريخا يذكر، اذا ذكرت تواريخ الامم)) ـ كتاب مشكلة الشرق الأوسط ـ الفصل الثالث ..

وهنالك نص في غاية الجلاء والسطوع في موقف الجمهوريين من القومية العربية والتزامهم بأفريقية السودان ذكره الأستاذ محمود في محاضرة باسم (الدستور الإسلامي المزيف) ألقاها الأستاذ محمود في دار الحزب الجمهوري – امدرمان في شهر مارس 1969م قال فيها : (العنصرية غلط.. الوقت دا وقت المذاهب.. الإقليمية أقرب للمذهبية من العنصرية.. السودان بلد افريقي.. بل الحقيقة عمله كبلد أفريقي أعظم من عمله كبلد عربي.. نحن كبلد أفريقي مع أفريقيا يمكن أن نكون نقطة الوصل بين القارة المظلمة والعالم المشرق المتحضر.. نحن عندنا خصائص حقيقية يمكنا أن تخلينا نلعب دور كبير جدا في النقطة دي.. قولنا انه السودان بلد عربي أو جزء من الأمة العربية سير خطأ.. ودا ما هسع بيقال مثلا في مصر او في سوريا أو في العراق في النهضات الأخيرة القايمة على القومية العربية.. نحن بنعتقد انه القومية العربية دعوة خاطئة في وقت خاطئ.. العنصرية انهزمت زمان.. كان يمكن زمان أن تربط بيها الناس.. لكن وقت العالم هسع بقى على كتلتين التنازع بيناتهم مذهبي.. ثم نحن أصحاب مذهبية ان نترك مذهبيتنا وننشغل بعنصرية في وقت العنصرية خلفناها.. البشر خلفوها كلها!! يبقى انصراف مضر بالعرب..السودان إذن بلد أفريقي.. يلعب دوره في التكتل الأفريقي بالصورة دي ويخدم غرضه) .

لماذا تعامت نظرة عادل عبد العاطي النقدية عن هذه النصوص في كتابات الأستاذ محمود وأقواله المسجلة ؟ وماذا نفعل بقوله : (إن قراءة بسيطة لوثاثق النشاط السياسي الجمهوريين في كل مراحلهم ، توضح أنهم حزب عروبي بحت، عن أي حزب عروبي اخر، بل قد تكون عروبيتهم اقوى من باقي تلك الأحزاب) . ولماذا اتجه لتضليل القراء عن حقائق موجودة ومسطرة في كتب الأستاذ محمود ومحاضراته المسجلة .

يتخذ عادل عبد العاطي من حقيقة أن الأستاذ محمود والجمهوريين قد كتبوا الكثير عن مشكلة الشرق الأوسط كخلفية لإتهامهم بالاهتمام بالإنتماء لعالم العرب وعدم اهتمامهم بالقارة الأفريقية . هل يعلم عادل عبد العاطي بأن الأستاذ محمود هو أول من دعا لخروج السودان من جامعة الدول العربية .هل يمكن لعادل عبد العاطي أن يغير رأيه هذا إذا عرف ما غاب عنه أن أول سجن تعرض له الأستاذ محمود أثناء حكم المستعمر الانجليزي كان بسبب دفاعه عن قضية جنوب السودان . في مقال كتبه د. عبد الله الفكي البشير ونشره عبد الله عثمان في منبر سودانيز أونلاين بتاريخ 13 اغسطس 2021م ورد فيه : (لم يكن موقف الحزب الجمهوري من عضوية السودان في جامعة الدول العربية موقفاً طارئاً أو لحظياً، وإنما كان رأياً مؤسساً ينطلق من رؤية ثاقبة، كانت مستصحبة لمكونات السودان وتاريخه، وهي تخاطب مستقبله. فقد ظل موقف الحزب الجمهوري برئاسة محمود محمد طه، منذ أربعينات القرن الماضي، رافضاً لعضوية السودان في جامعة الدول العربية. ففي الوقت الذي كانت فيه الأحزاب السودانية تنادي بضرورة الانتماء لجامعة الدول العربية، بل بعضها يرى بأن تمثيل السودان في الجامعة العربية يعني اعترافاً ضمنياً باستقلاله، أصدر الحزب الجمهوري في يوم 6 ديسمبر 1946 بياناً، بعنوان: “حزب الأمة والجامعة العربية”، جاء فيه: “ترى بعض الأحزاب والجماعات السودانية، أن من الاعترافات الضمنية بالسودان كدولة هو تمثيله في جامعة الدول العربية”، رفض الحزب الجمهوري هذه الرؤية وأوضح بأنها رؤية تعقد وضع السودان بما ينطوي عليه من تداخل في تركيبته، فأوضح الحزب، قائلاً: “إننا شعب مركب من عنصرين مختلفين، وهما في نفس الوقت متداخلان”. ثم بيَّن البيان بأن انتماء السودان لجامعة الدول العربية يثير في النفوس فكرة الاختلاف، ويعمق التفرقة، كما أن الانتماء للجامعة ليس هو بالوسيلة المثلى لتحقيق الوحدة، وإنما “الوسيلة المثلى لتمكين أواصر وحدة هذين العنصرين، هي أن نبتعد عما من شأنه أن يثير في النفوس فكرة الاختلاف هذه”. ثم بيَّن البيان أن مصلحة السودان الوطنية تقتضي مراعاة مكونات الشعب السوداني، فهو ليس بالشعب العربي، برغم روابطه مع العرب، وإنما هو خليط من عناصر مختلفة، قائلاً: “نعم هناك أواصر تاريخية تربطنا بالعرب، ولكن إذا قارنا بين المصلحة الوطنية التي ربما نجنيها من اتصالنا بالجامعة العربية،… وبين الضرر الذي ربما يحدث لوجدنا كفة الخسارة هي الراجحة”.

ذهب البيان محذراً من مآلات المستقبل، خاصة في ظل سياسات التفرقة التي اتبعتها الإدارة الاستعمارية تجاه جنوب السودان، ومن خلال إنشائها للمجلس الاستشاري لشمال السودان، يقول البيان: “الشيء الملموس هو أن الحكم الحاضر، قد مهد لأن يجعل لجنوب هذا القطر مزاجاً وطابعاً مبايناً لمزاج وطابع الشمال، بتطبيق أسلوب تعليمي ذي لون معلوم، وبوضع العراقيل في سبيل الاتصال المباشر بين الشطرين، وبإنشاء مجلس استشاري يمثل الشمال ولا يمثل الجنوب!! كل ذلك بغية التفرقة!! فكيف إذن، نتصل بالجامعة العربية في مثل هذه الظروف”. ثم أشار البيان إلى ضرورة التفكير بدافع المصلحة الوطنية الشاملة، ومستقبل السودان، عند تكييف علاقاته بما يقتضيه الموقف والظروف، والحرص على وحدة السودان.

أوضح أمين محمد صديق (1911- 1980)، سكرتير الحزب الجمهوري، في مذكراته قصة هذا البيان “حزب الأمة والجامعة العربية”، فكتب، قائلاً: “بينما كان المصريون يوجهون حزب الأشقاء، ويسوقونه لوحدة وادي النيل خوفاً وطمعاً، كان الإنجليز يحتضنون حزب الأمة ويوجهون سياسته وفقاً لأغراضهم ويجعلون منه ترياقاً ضد الحركة التي تساند مصر والحركات الوطنية كلها.. فلما قويت الحركة الموالية لمصر، أوعزوا إلى حزب الأمة أن يتقدم بطلب إلى الجامعة العربية لقبول السودان كعضو مستمع بالجامعة أسوة بالجزائر.. وكان في ظاهر هذا الطلب، إذا تم، اعتراف ضمني من دول الجامعة بحق السودان في أن يكون دولة لها كيانها.. وقد وضح للحزب الجمهوري الخطر الكامن وراء هذا الطلب، والذي ربما يتخذه الإنجليز ذريعة فيوجهون الجنوبيين للمطالبة بالانضمام للوحدة الأفريقية، فأصدرنا المنشور التالي [حزب الأمة والجامعة العربية]”. (مذكرات أمين محمد صديق، ص 42- 43).

ها هو عادل عبد العاطي يتهم الجمهوريين بالكذب في موضوع أن الأستاذ محمود هو أول سجين سياسي ، وأنهم قد ذكروا ذلك في كتابهم (معالم في طريق الفكرة الجمهورية) والذي تم نشره في سبعينات القرن الماضي !!! يقول عادل عبد العاطي في ذلك (يردد الجمهوريون فرية أخرى مفادها أن زعيمهم محمود محمد طه هو أول سجين سياسي في تاريخ الحركة الوطنية) .. (الشاهد أن هذه المقولة هي مقولة كاذبة تماما ، فالحركة الوطنية السودانية ممتدة منذ قدم التاريخ، وقد كان بها الكثير من السجناء قبل محمود .

وحين لا يقدم الجمهوريون تعريفهم للحركة الوطنية السودانية ، فأننا نتمسك بالتعريف العلمي الذي يراها تمتد في صيغتها الحديثة منذ تاريخ ١٨٩٨، اي بداية الاحتلال الإنجليزي المصري للسودان وبدايات المقاومة الوطنية السودانية ضده . وهكذا ارخ المؤرخون هذه الحركة على الأقل).هذا رجل واثق من نفسه ومستيقن من ما لديه من وثائق وكتابات عن تاريخ السودان المعاصر بأن الجمهوريين قد اختلقوا هذه الكذبة !!! ماذا سيكون موقف عادل عبد العاطي لو اثبتنا له أن عبارة (الأستاذ محمود هو أول سجين سياسي) ليس مصدرها الجمهوريين ، وإنما مصدرها الصحف السودانية في الأربعينات. الصحف السودانية هي أول من أطلق تعبير أن الأستاذ محمود محمد طه أول سجين سياسي في البلاد من وكان ذلك في 18 يونيو 1946 . يُمثل قيام مؤتمر الخريجين عام 1938 عند الكثير من المؤرخين انطلاق الحركة الوطنية الحديثة (للمزيد أنظر كتاب د.عبد الله الفكي البشير، “صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ”، دار رؤية للنشر، 2013، ص 383- 388).

عندما أشتد نشاط الحزب الجمهوري عبر المناشير، والخطب في الأماكن العامة ضد المستعمر. تم اعتقال الأستاذ محمود فى يونيو من عام 1946م، وتم تقديمه الى المحاكمة، حيث خُيّر بين السجن لمدة عام ، أو إمضاء تعهد بعدم ممارسة العمل السياسي فاختار السجن دون تردد. وما أن دخل الأستاذ محمود السجن إلا وغطت الصحف المحلية في الخرطوم خبر محاكمة الأستاذ محمود ورفضه توقيع التعهد وتفضيله للسجن.

كما نشرت صحيفة الرأي العام في عددها رقم (378) بتاريخ 27 يونيو 1946م هذا الخبر والذي ينسف الإتهام المضلل لعادل عبد العاطي بأن الجمهوريين قد اختلقوا كذبة (الأستاذ محمود أ,ل سجين سياسي) :

( صدر أمس البلاغ الرسمي عن معاقبة رئيس الحزب الجمهوري بالزنزانة والأكل الناشف لأنه رفض العمل كما رفض الوقوف لضابط السجن … فما بال حكومة السودان تعامل أول سجين سياسي في البلاد معاملة مجرم خطير من قطاع الطرق فتعاقبه بالزنزانة والأكل الناشف) . كان الأستاذ محمود بذلك أول سجين سياسي بعد ثورة 1924م. (للمزيد أنظر عبد الله الفكي البشير، كتاب صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، دار رؤية للنشر، 2013، ص 383- 388) .

عندما ينكر عادل عبد العاطي حتى الأرشيف القومي السوداني (جريدة الرأي العام مثالاً في النص الوارد أعلاه) والذي وصف الأستاذ محمود بأنه (أول سجين سياسي) ، لا يمكن إلا أن نقول إن ذلك يشكل تحاملاً وخروجاً عن الحقائق الموضوعية .

لقد خلا سجل الحركة الوطنية منذ قيام مؤتمر الخريجين عام 1938 من التضحية والمواجهة للاستعمار في سبيل قضية جنوب السودان، ولم يكن هناك سوى الأستاذ محمود محمد طه فهو السجين الوحيد في العهد الاستعماري في سبيل مسألة جنوب السودان. كانت الإدارة الاستعمارية قد اتخذت تجاه جنوب السودان سلسلة من السياسات المتعسفة، والقرارات بإنشاء المؤسسات الدستورية والإدارية، التي كانت تنطوي على تعميق الفوارق بينه وبين الشمال، وتحمل في داخلها بذور الانفصال، بل منها ما يكاد يُعلن عن الانفصال. فإنشاء المجلس الاستشاري لشمال السودان، في منتصف الأربعينات من القرن الماضي، لم يكن سوى اعلان سافر عن الفصل المبكر لجنوب السودان، إلا أنه لم يجد المناهضة بالمستوى المطلوب، يقول الأستاذ محمود محمد طه: إن الإنجليز نواياهم مبيتة لفصل الجنوب، ولذلك أنشأوا المجلس الإستشارى لشمال السودان، فنواياهم كلها كانت من أجل فصل الجنوب. فوراً قرر الحزب الجمهوري برئاسة الأستاذ محمود محمد طه مواجهة الإدارة الاستعمارية في سبيل مسألة جنوب السودان. يصف الأستاذ محمود محمد طه المواجهة، فيقول: “وبقت مواجهتنا للإستعمار البريطانى عنيفة جداً إلى حدود أسطورية”. تمثلت المواجهة في اصدار المناشير والبيانات ومخاطبة الناس في الشوراع والمقاهي وفي الأسواق وفي التجمعات وأمام أبواب السينما، ويوضح الأستاذ محمود محمد طه الغرض من كل ذلك، قائلاً: “كنا بنستفز الناس بالجنوب”. استمر الحزب الجمهوري في تصعيد المواجهة والمناهضة للمجلس الاستشاري لشمال السودان، في سبيل”مشكلة الجنوب” التي أراد الانجليز فيها عزل جنوب السودان عن شماله فأخذنا في اصدار المنشورات وقد سبب أحدهما سجني في سنة 1946″. حكي الأستاذ محمود محمد طه قصة المنشور الذي أصدره من أجل قضية جنوب السودان، ومناهضة المجلس الاستشاري، والذي أقتيد بموجبه للسجن، قائلاً: (فى مسألة الجنوب خرج سفر شديد اللهجة، وردت فى مقدمته عبارة مثل: “هذا نذير من النذر الأولى، ستليه أخر، تتنزى بالدم وتتطاير بالشرر” فكانت اللهجة عنيفة جدا، ومشى فى الاتجاه هذا.. المناشير كانت تحمل الروح هذه..

ترجمت الحكومة الاستعمارية واحد من المناشير وقدمته لقاضى جنايات الخرطوم، طلبنى أولاً، فقال: هذا المنشور يهدد الأمن فهل هو صادر من الحزب الجمهورى، وهل أنت مسئول عنه؟ أجبت بالإيجاب، قال لى: طيب، راح نشوف.. بعدين خرجت منه بعد يومين طُلبت للمرة الثانية فكان الحكم أنى أنا أمضي تعهد شخصي بعدم الكلام فى السياسة أو أسجن سنة.. فأنا رفضت مسألة التعهد الشخصى . فاقتدت للسجن بهذا السبب.. المنشور كان بيهاجم المجلس الإستشارى لشمال السودان وبهاجم القانون اللى صنعه المجلس) . (للمزيد أنظرد. عبد الله الفكي البشير، كتاب : محمود محمد طه وقضايا التهميش في السودان، دار باركود للنشر، 2021، ص 207- 216).

إن سجن الأستاذ محمود الأول في سبيل قضية الجنوب ودعوته المبكرة لعدم الإنتماء لجامعة الدول العربية منذ الأربعينات لهما أكبر دليل على اهتمام الجمهوريين بقضايا القارة الأفريقية ومن خلال إنتمائهم للسودان نفسه كبلد أفريقي .

 

يتواصل نقد النقد في الحلقات القادمة



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: