حول رفض تعليم أبناء الهامش باللغة العربية




رشا عوض

نظراً للأجواء المشحونة بالكراهية كنتاج للمظالم والحروب الأهلية الطويلة، غابت الموضوعية عن نقاش كثير من القضايا وسادت أفكار تعسفية قوامها الغضب والانفعال، مثال على ذلك موقف البعض من اللغة العربية والاحتجاج على استخدامها كلغة رسمية وكلغة تدريس في المدارس!.

وطبعاً من يريد أن ينال صك غفران الهامش، والبراءة من العنصرية يجب أن ينخرط في المعركة ضد اللغة العربية، وهي معركة مجانية ميدانها الأسافير وأركان النقاش، ولا علاقة لها بمصالح المهمشين، فمع كامل الاحترام لكل اللغات المحلية في جهات السودان الأربع، ليس من مصلحة المهمشين حصرهم في لغاتهم المحلية لأن هذا ببساطة سيزيدهم تهميشاً!.

رغم أن اللغة العربية هي لغتي الأم، فإنني لا أجد حرجاً في الاعتراف بأن   للغة الإنجليزية ميزة تفضيلية جبارة مقارنة باللغة العربية والأسباب لا علاقة لها بتفوق عرقي يمتاز به الناطقون بالإنجليزية من الإنجليز والأمريكان وغيرهم، بل هناك أسبابٌ موضوعية متعلقة بمستوى انتشار هذه اللغة في عالم اليوم وحجم العلوم والمعارف التي تتدفق بها وهيمنتها على عالم الإعلام والاقتصاد والأعمال والمؤسسات الدولية النافذة إلخ..

واستناداً إلى ذات المعايير يجب ألّا نجد حرجاً في الاعتراف بأن للغة العربية ميزة على اللغات المحلية في السودان، ليس بسبب تفوق عرقي للناطقين بها من مستعربي السودان، بل لأسباب موضوعية، فاللغة العربية يتحدثها (420) مليون نسمة على الأقل، ولا أساس للمقارنة بينها وبين تلك اللغات المحلية في نقل العلوم والمعارف والآداب، وحجم ما يترجم منها وإليها، وعدد الوسائط الإعلامية العالمية التي تنطق بها… إلخ.

من ناحية براغماتية عندما تحصر إنساناً في لغة لا يزيد عدد المتحدثين بها عن مائة ألف نسمة أو مليون أو مليوني نسمة على الأكثر، ولا توجد وسيلة إعلام واحدة في العالم ناطقة بها، ولا يوجد كتاب واحد أو صحيفة واحدة تصدر بها، فإنك تكون ضاعفت من تهميشه! وحكمت عليه بأن يتحرك من الهامش إلى هامش الهامش!!.

حتى من ناحية “المفاصلة السياسية” على أساس “هامش ضد الجلابة” لا بد أن يفهم أهل الهامش ما يقوله ويكتبه الجلابة! هذا سلاح مهم في معركتهم!!.

كل ذلك لا ينفي الأخطاء التربوية والتعليمية الفادحة التي ارتكبتها مدارس السودان في حق الأطفال غير الناطقين باللغة العربية، فلا بد من الحرص على استخدام اللغات المحلية في السنوات الأولى من التعليم حتى لا يشعر الطفل بالغربة ويكره المدرسة، فمسألة ضرب الطفل وتعنيفه لأنه تحدث بلغته الأم جريمة تربوية، العنصرية هي سبب رئيس في ذلك، ولكن هناك سبب آخر لا يقل أهمية وهو تخلف النظام التعليمي والتربوي في السودان كجزء من التخلف التنموي في الدولة ككل!.

شخصياً، درست السنوات الأربع الأولى من المرحلة الإبتدائية في السودان وذاكرتي حافلة بالضرب والعنف اللفظي والعقاب البدني الذي تعرضت له في تلك المدارس المتخلفة، رغم أنني من الناطقين بالعربية كلغة أم، بل وكنت أحب دروس اللغة العربية واتفوق فيها!.

قضايا التعليم والثقافة واللغة يجب أن يكون التداول حولها في منصات أكاديمية وتربوية هادئة على خلفية رؤية وطنية شاملة للتربية والتعليم والنهضة الثقافية، البعد السياسي حتماً سيكون حاضراً في مثل هذه المواضيع، ولكن يجب ألّا يكون حضوره  على طريقة “الثور في مستودع الخزف”!.

الفوران السياسوي وخطاب الشعبوية والكراهية لا يصلح لتقديم بدائل ذات قيمة في قضايا معقدة كإدارة التنوع اللغوي في البلاد، مثل هذا الخطاب يصلح فقط للتهريج وإثارة الكراهية العمياء، هو خطاب يقف عند حدود الاحتجاج ولا يتخطاها!.

هذا الخطاب يعبئ ضد أن تكون اللغة العربية لغة رسمية في السودان ولغة تدريس في المدارس لأن في البلاد أكثر من مائة لغة أخرى، ولكنه لا يطرح تصوره لكيفية أن تكون لدولة واحدة مائة لغة رسمية وأن يطبع المنهج الدراسي فيها بمائة لغة! وأن تكتب اللافتات في المطارات والشوارع والأسواق بمائة لغة.

يحتاج السودان للاهتمام باللغات المحلية لخدمة أهداف التوعية في المجتمعات المحلية، فهناك معلومات في الصحة العامة وصحة البيئة والتعايش السلمي والإرشاد الزراعي وصحة الحيوان… إلخ يجب أن تكون متاحة لكل المواطنين على حد سواء، ولا بد من الأخذ بعين الاعتبار وجود مواطنين لا يفهمون العربية مطلقاً ولا يعرفون سوى لغتهم المحلية، هؤلاء يجب تخصيص إذاعات ناطقة بلغاتهم (بعد النجاح في تحقيق مستوى من التنمية يمكنهم من اقتناء راديو)، كما يحتاج لمشروع ثقافي تعددي يحتفي بما تحويه اللغات المختلفة من مخزون الحكمة والتجربة والجمال لإثراء الوجدان الوطني المشترك، ولكن هذا مشروع يتم على المدى البعيد ومن شروط نجاحه توفر حد معين من التنمية الاقتصادية والبشرية في الاقاليم المهمشة يمهد الطريق لبروز مثقفين قادرين على أداء واجبهم تجاه النهوض بمجتمعاتهم وتدوين لغاتها وثقافاتها والاستفادة من الخبرة الإنسانية العالمية المتاحة في هذا المجال والاتصال بالمؤسسات الدولية المتخصصة في ذلك كاليونسكو مثلاً.

في غياب هذا المستوى من التنمية ومع سيادة الأمية والفقر والتهميش سيكون من العبث إطلاق دعوات مقاطعة التعليم باللغة العربية لأنها لغة المركز المهيمن! فهذا سيؤدي إلى تضييق فرص المهمشين في المعرفة والإطلاع والعمل داخل السودان مثلما يؤدي الجهل باللغة الإنجليزية إلى تقليل فرص الانفتاح على العالم معرفياً وتضييق خيارات فرص العمل الجيدة!.

ولذلك فإن النظام التعليمي في السودان حالياً ضعيف وقاصر جداً في مجال اللغات خصوصاً بعد تعريب التعليم العالي، فتخريج طالب من الجامعة لا يعرف سوى اللغة العربية حتماً سيحد من فرصه في الترقي الأكاديمي والمهني والانفتاح على العالم.

إن تصوير مقاطعة اللغة العربية كموقف تحرري لا يختلف عن تصوير تعلم اللغة الإنجليزية أو الفرنسية كموقف ضد الاستعمار! فالموقف التحرري الحقيقي لصالح مهمشي السودان  هو النضال من أجل توفير فرص التعليم وبناء المدارس في الهامش ابتداءً، والاجتهاد في الحصول على ما هو متاح من تعليم باللغة العربية بالتزامن مع النضال المثابر من أجل إصلاح النظام التعليمي إصلاحات جذرية تشمل تأهيل المعلم والبيئة المدرسية وتطوير المناهج، ويجب أن تستهدف هذه الإصلاحات وضع خطة عملية صحيحة تربوياً بواسطة خبراء لحل مشكلة حاجز اللغة العربية بين الطلاب والطالبات غير الناطقين بها كي لا يكون ذلك سبباً للتسرب من المدارس أو ضعف التحصيل، واستخدام اللغات المحلية كوسيط للتفاهم بين الطلاب ومعلميهم الذين يجب أن يكون جزء من تأهيلهم الإلمام باللغة السائدة في المنطقة التي يعملون بها مع التركيز على تأهيل معلمين من نفس المنطقة ويعرفون لغاتها المحلية، مع بث ثقافة احترام الآخر المختلف لغوياً داخل المدرسة وفي المجتمع الكبير ضمن السياسات التربوية، وتشجيع التلاميذ على تعلم اللغات المحلية وكل ذلك لن يتحقق إلا في ظل استقرار سياسي ووجود خطط مدروسة للتنمية البشرية على رأسها العناية بالتعليم.

وأي نظام تعليمي ناجح وفق معطيات الواقع السوداني لا بد أن يحافظ على اللغة العربية كإحدى ممسكات الوحدة الوطنية باعتبارها القاسم المشترك اللغوي الأكبر بين السودانيين، وباعتبار دورها التاريخي في الفكر والثقافة والفنون والآداب السودانية وتجذرها في الوجدان الشعبي على مدى قرون، وفي ذات الوقت ابتدار مشروع جاد لرعاية وتطوير التنوع اللغوي في البلاد والاستفادة منه في تعميق الوصال الوجداني الوطني وفي سبيل التوعية والتنوير في المجتمعات المحلية، ومن أجل الانفتاح المنتج على العالم وتعزيز فرص التنمية يتحتم على النظام التعليمي تقوية اللغة الإنجليزية وتمكين أبناء الشعب السوداني من إجادتها بالاعتماد على مؤسسات التعليم “الإلزامي المجاني” دون الحاجة لإنفاق عشرات الآلاف من الدولارات على المدارس الخاصة، وهذا بالطبع يحتاج لمشروع وطني يجعل النهوض بالتعليم هدفاً إستراتيجياً.

آفة السودان الآن هي غياب المشروع الوطني الذي محوره النهضة الشاملة بالوطن الواحد على أساس الإدارة الرشيدة للتنوع، ولذلك عند مناقشة أي قضية تغيب النظرة الكلية للسودان كوطن واحد وتسود “الأفكار المتعسفة” في “المركز” الذي يزعم أن كل شيء على ما يرام في الدولة السودانية ولا حاجة لأي تغيير، وفي المقابل تسود في الهامش “أفكار تعسفية موازية” ذات طابع احتجاجي على مظالم حقيقية، ولكنها خاوية من أي مضامين سياسية أو تنموية قابلة للتطبيق العملي، والأخطر من ذلك أنها لا تضع في اعتبارها المصالح الحيوية للمهمشين الذين تتحدث باسمهم، والخاسر الأكبر في هذا المناخ المتوتر هو “الوحدة الوطنية على أسس ديمقراطية وتنموية جديدة” لصالح كل السودانيين.



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: