منى أبو زيد تكتب:إحلال وإبدال..!


“من اللغة تبدأ ثورة التجديد، فاللغة هي الوسيلة التي لا وسيلة سواها لنشأة المعرفة الإنسانية وتكوينها وتطويرها”.. زكي نجيب محمود..!
من طرائف مواكب الثورة التي تطوّرت إلى نوادر اعتصام القيادة، أغنية “ح نعرس كنداكة” التي كان يرددها الشباب، فترد الشابات “ح نعرس شفَّاتي”. وهي – كما ترى – مصطلحات مستحدثة لمفاهيم جديدة أنتجت إحلالاً وإبدالاً في الصورة النمطية للشريك المنتظر، فصار الانتماء إلى الثورة، والفاعلية في صناعة حِراكها، هو المعادل الموضوعي لأيقنة “الشريك الحُلُم” في وجدان الثائرين..!
أما القطار فقد كان التاريخ يدَّخِر له دوراً يتجاوز شخصنة الأشواق العاطفية – المسكوبة على نوافذه حزناً من فراق الحبيب – إلى رحابة اللواعج الوطنية الجامعة. بعد أن اضطلع قطار الشوق العطبراوي التليد، بدور أكبر من الوقوف قبلةً لأسئلة المحبين – “متين ترحل تَودِّينَا، نزور بلداً حُنَان أهَلا” – بانطلاقه ذات ثورة جنوباً باتجاه العاصمة، وهو يكاد ينوء بحمل جموع الثوار، المسافرين إلى أحبابهم في الثورة..!

بينما كان الأصل في ثقافة الزمن الجميل، أن ينتمي العريس إلى نفس التضاريس والمُناخات، وأن تحبذ الفتاة الهوية المحليَّة كصفة جاذبة في عريسها المنتظر – “أنا ما دايرة السفر، لكن بس نفذ القدر” – حيث كان استقرار وتوازن الطبقية الاقتصادية الحميدة يجنِّب الفتاة السودانية متاعب تفكر بعريس من خارج طبقتها الاجتماعية..!
لكن اتساع وتحَوُّر مسارب الرزق جعل الحبيب يرفع من سقف طموحاته المادية ومن لونها وطعمها أيضاً، فيحمل حقيبته ميمماً وجهه شطر تضاريس محلية أخرى، من أجل وضع مادي واجتماعي أفضل. فيغادر إقليمه الحاني على متن القطار بالطبع..!

فامتزجت مناجاة الحبيب في أغاني البنات بمداعاة القطار – “القطر الشالك إنت.. يتكسر حتة حتة”.. “القطر الشال معاوية.. يتكسر زاوية زاوية” – ثم تطورت النظرة إلى فضاءات الرزق وأساليب كسب العيش، واتسع هامش التجريب مع تقلص مساحات الطبقة المتوسطة المكتفية، القانعة. وأصبح السفر إلى خارج الحدود، فالاغتراب عن الوطن، هو خيار الشاب الساعي إلى تحقيق أكبر قدر من الدخل، في أسرع وقت، وبأقل قدر من المعاناة..!
حينها امتَشقَتْ فكرة الاغتراب كحل سحري لجميع المشاكل الاقتصادية، وتفاقمت أشواق البنات نحو العريس المغترب، وتمزّقت الصورة النمطية لفارس الأحلام المحلي الذي لا تتعدى حدود سفراته، وصولاته، وجولاته في طلب الرزق، حدود التسفار الهادئ على متن قطار. ثم حدث الإحلال والإبدال التدريجي، داخل إطار العريس المنتظر..!

فأصبح فارس الأحلام المثالي مغترباً تظهر علامات عِزِّه المتنامي التي لا تخطئها العين. كل هذه التحولات الوافدة، المُبهرة، حوَّلت بوصلة أشواق البنات التي ما عادت تتجه نحو العريس المحلي، الذي “حجز القطر للقومة”، بل نحو المغترب، الذي “جَاب السمح، وسوَّا السمح”، فغنت له الخالة والجارة، ثم “ساق عروسه بالطيارة”..!
بارتفاع معدلات كاريزما الاغتراب في المجتمع السوداني، تسلّلت إلى أغاني البنات مفردات جديدة بفعل الثقافات الجديدة الوافدة “بالطيَّارة”، ودب اليأس في قلوب العرسان المحليين. ولكن “ربك كريم”..!

إذ ما أن هبَّت رياح الثورة، وحررت العقول، واجتاحت الأفئدة، حتى تحرَّرت الفكرة القديمة من سجنها المادي، النفعي، الانكفائي. فحلَّت “الكنداكة” مكان الجميلة “ذات العقل المُوشَّى بالسذاجة”، وحلَّ “الشفَّاتي” حارس الفكرة، وبطل المعركة، مكان المُغترب العريس “التَّمام”، الذي سقط بسقوط النظام. فسبحان من له الدوام..!

منى أبو زيد

صحيفة السوداني



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: