الاتحاديون.. وحدة انتخابية في زمن الشتات


الخرطوم: أحمد طه صديق
لم يجد الاتحاديون صعوبة أو عقبات في المعركة الانتخابية التي جرت في عام 1986م في اعقاب نهاية الفترة الانتقالية بعد ثورة السادس من إبريل 1985م التي اطاحت بحكم الرئيس نميري الذي هجم على النظام الديمقراطي في مايو 1969م، وتربع على سدة الحكم لمدة ستة عشر عاماً تخللتها انتخابات رئاسية صورية فاز فيها بنسبة تقارب المائة في المائة في بلد شاسع يرزح في الأمية الأبجدية والسياسية.
الا أن الحزب الاتحادي الديمقراطي إبان حكم نظام الجبهة الإسلامية (1989 ــ 2029م) برزت أنيابه السياسية تجاه النظام، وهدد زعيمه محمد عثمان الميرغني البشير عبر رسالته الشهيرة (سلم تسلم)، لكن بعد سنوات قليلة تخلى الحزب عن المعارضة الثورية ضد النظام، وأخذ في التدرج نحو سياسة أكثر ليناً وتصالحاً سيما في السنوات الأخيرة للنظام، وشارك الحزب في ما سميت حكومة الوحدة الوطنية مع مجموعة من الأحزاب الصغيرة المنشطرة عن أحزابها الأم، بفعل سياسة الاستقطاب البراغماتية غير الشفافة التي أجادها النظام بغرض إضعاف التيارات السياسية وعدم مزاحمته في الحكم الذي بسط سلطته المطلقة عليه من خلال سياسية التمكين السياسي والأمني والاقتصادي.
ولم يعترض الحزب الاتحادي على المشاركة في الانتخابات التي أعلنها الحزب في عام2020م التي أوقفتها عجلات ثورة ديسمبر الجارفة، كما لم يتحفظ الحزب على مشروع قانونها المليء بالثقوب والمفصل على مقاس الحزب الحاكم، في حين أبدت وقتها عدة أحزاب اشتراطات للمشاركة فيها بينما رفض الحزب الشيوعي ابتداءً الاعتراف بها، بل حتى حزب المؤتمر الشعبي المتخاصم مع شقيقه الوطني منذ عام 1999م لم يجد حرجاً في انتقاد قانون الانتخابات، لكن الشعبي يدرك خبايا شقه السابق ويعرف كيف يفكرون وكيف يتعاملون مع القضايا السياسية ومتى يفصحون ومتى يكتمون وإلى أي حد يخبئون ما يريدون تغطيته أو ستره في غياهب محصنة. وهو أمر أكده الأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي بشيء من الاعتزاز عندما قال: (نحن أصحاب المخزن القديم وعلى علم بمكامن الفساد)، لكن فوجئ أصحاب المخزن القديم آنذاك بصدور مسودة قانون الانتخابات بعد حوالى أسبوعين، كما لم يتحصلوا على نسخة منها إلا قبل أيام قليلة من مناقشتها بمجلس الوزراء، ولم يكن أمام المؤتمر الشعبي إلا أن يرفع أمينه العام د. علي الحاج عالياً كارت تسلل على حزب المؤتمر الوطني، محتجاً على محاولة تمريره بعيداً عن أعين الحزب والقوى السياسية الأخرى، وأعلن عن عزم الحزب توزيع مسودة القانون على نطاق واسع للجماهير للوقوف عليها، مشيراً إلى أنهم سيقومون بعملية اصطفاف للقوى السياسية ضدها ومناقشة نهج المؤتمر الوطني الذي يعتمد على سياسة السرية مع شركائه، وأن تناقش مقترحات القانون وما حوته من عيوب على الهواء الطلق. وهدد الحاج بأنهم سيتخلون عن سياسة الصمت، وقال إنهم سيتحدثون عبر الإعلام وفي كل مكان لتحديد أوجه القصور وكشفها، وستكون البداية حول التعديلات الخاصة بقانون الانتخابات، لكن رغم تلك الحمية فإن حزب المؤتمر الشعبي كما هو معروف لم يتخل عن سفينة السلطة ورفض النزول منها حتى الرمق الأخير لنظام البشير.
الاتحادي.. مشاركة انتخابية
وابان حكم المؤتمر الوطني شارك الحزب الاتحادي في الانتخابات التي جرت في عامي 2010م و2015م ولم يحصد أية مكاسب انتخابية، بل حتى زعيمه الكارزمي محمد عثمان الميرغني لم يفز في دائرته التاريخية كسلا رغم استقبال عدة آلاف له من المؤازرين، الا أن ماكينة الغرف الانتخابية السرية للنظام أطاحت به بليل، حتى أنه صرح ساخراً: (الناس الاستقبلوني بالآلاف شالوهم القاش؟) لكنه لم يشر صراحةً الى عمليات التزوير الواسعة التي قام بها النظام وكان الميرغني أبرز ضحايا آلياتها الخبيثة.
مرحلة جديدة للاتحاديين
منذ فترة تحاول عدة تيارات اتحادية التوحد من جديد، وسبق أن تشرنقت إلى حوالى تسعة أقسام صغيرة في فترة النظام البائد، ودعا أخيراً رئيس الحزب الاتحادي الموحد محمد عصمت إلى وحدة القوى الاتحادية، وهو أحد التيارات التي نافحت ضد نظام المؤتمر الوطني، كما أعلن عن خطتهم لدخول الانتخابات القادمة بقائمة موحدة في كل الدوائر.
والمعروف أن أبناء الميرغني لا يعارضون وحدة الاتحاديين، سيما بعد أن فقد الحزب الكثير من ألقه السياسي بعد مشاركته في نظام البشير، وهو أمر يبدو من الصعب مسحه من الذاكرة السياسية، لكن الحزب مازال يراهن على إرثه الطائفي للمنافسة مع قوى الثورة الأخرى في السجال الانتخابي، فإذا كان الحزب الأم يحتاج إلى بعض وحدة أخوانه السابقين، فهم أيضاً رغم شعاراتهم الثورية مثل الاتحادي الموحد، لكنهم في حاجة إلى الجناح الطائفي ليسهل عليهم الفوز في حلبة المنافسة الحامية في الفترة المقبلة التي ربما تكون حافلة ببعض المفاجآت.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: