الانفلات الأمني في السودان.. حوادث معزولة أم مخططات «فلول»




اتسعت مؤخراً دائرة الانفلات الأمني في السودان، خاصة في العاصمة الخرطوم التي انتشرت فيها عصابات الخطف والسرقة والنهب تحت الإكراه، مما عزّز فرضية وجود مخطط من فلول النظام البائد، لإحداث سيولة أمنية وإحراج الحكومة الانتقالية.

التغيير– الخرطوم: علاء الدين موسى

باتت ظاهرة الانفلات الأمني وتنامي نشاط عصابات السلب والنهب، تشكل هاجساً للمواطنين بالعاصمة السودانية الخرطوم وغيرها من الولايات.

وشهدت الخرطوم تفلتات أمنية متشابهة، دون أن تفلح الشرطة أو القوات المشتركة التي كونت مؤخراً في السيطرة على السيولة الأمنية، مما دفع للحديث عن مخطط مقصود لإحداث حالة من البلبلة.

فيما عزا آخرون الأمر لتأثير الأوضاع الاقتصادية وحالة السيولة الأمنية وانتشار السلاح ووجود حركات حاملة للسلاح داخل العاصمة والمدن، مما انعكس على تراجع السيطرة الأمنية، فما أسباب الظاهرة ومن وراءها، وكيف تحسم؟!.

اتهامات وتحركات

يرى مراقبون، أن القوات الأمنية فشلت في محاصرة الجريمة وباتت الخرطوم غير آمنة، فالتفلتات وحوادث القتل والنهب تحدث بشكل متواصل دون حسم نهائي.

وبالمقابل، تقود الشرطة السودانية تحركات واسعة بالعاصمة والولايات لاستعادة الأمن وثقة المواطنين بشأن قدراتها.

وسجلّت الخرطوم عدداً من حوادث النهب والسطو، والسرقات الليلية، آخرها مقتل الطالب مازن الجيلي صاحب «الركشة»، الذي ألقت الشرطة، القبض على أربعة متهمين في بلاغ قتله.

الناطق باسم الشرطة: خطة «التحّدي» لمواجهة المهددات الأمنية تسير نحو تحقيق أهدافها

وأعلنت شرطة ولاية الخرطوم، في وقت سابق، نشر (3) آلاف من عناصرها لتأمين العاصمة، ضمن حملة استباقية لمنع الجريمة، وذكرت أن الخطوة تأتي تنفيذاً لتوجيهات هيئتها القيادية بشأن «حملات التحدي» لتأمين العاصمة.

وأعلنت الشرطة عن عدة حملات من قبل، لكنها لم تفلح في حسم التفلتات بصورة كاملة.

وأكد الناطق باسم الشرطة العميد شرطة إدريس عبد الله، أن الخطة الأمنية «التحّدي» لمواجهة جميع أشكال المهددات الأمنية بالخرطوم، تسير نحو تحقيق أهدافها.

الناطق باسم الشرطة السودانية

وقال لـ«التغيير»، إن الحملة أسفرت عن ضبط العديد من المخالفات من مركبات ودراجات نارية بدون لوحات ومعتادى إجرام ومخدرات وغيرها.

وأضاف أن الخطة بقيادة مباشرة من مدير شرطة الولاية، ومتابعة قيادة الشرطة على مستوى الوزير والمدير العام.

ولفت إلى إنحسار الكثير من مظاهر الإجرام، وأكد استمرار الحملة حتى ينعم المواطن بالأمن والأمان.

إفشال الثورة

واتهمت الحكومة الانتقالية، عناصر من النظام البائد بالوقوف خلف «الأنشطة الإجرامية» بالبلاد، وقال بيان لمجلس الوزراء، إن الاضطرابات الأخيرة تهدف لإعاقة الفترة الانتقالية في إطار مساعيهم لإفشال الثورة والانقضاض عليها.

خبير شرطي: إمكانيات الدولة والظروف الاقتصادية والميزانية لا تفي لاحتياجات الشرطة والأجهزة الأمنية

الإمكانيات وكتائب الظل

ويرى البعض أن وجود الكثير من الفلول في الشرطة والأجهزة الأمنية، هو سبب الاخفاقات والسيولة الأمنية، لأنهم يريدون الانقضاض على الثورة.

لكن الخبير الشرطي الفريق أحمد إمام التهامي، يشير إلى أن إمكانيات الدولة والظروف الاقتصادية والميزانية لا تفي لاحتياجات الشرطة والأجهزة الأمنية بالنسبة للتحديات التي تجابهها يومياً في ظل ظروف يعلمها الجميع، حيث أصبحت الحرية متاحة بشكل أكبر من اللازم حتى وصلت مرحلة التعدي على حريات الآخرين.

الفريق أحمد إمام التهامي

وقال التهامي لـ«التغيير»، إن الشرطة تواجه تحديات أكبر، لأن الظروف التي تعيشها البلاد والهشاشة الموجودة بالمجتمع تسببت في جرائم كثيرة، وتكاد تكون بطريقة يومية.

فيما ذهب العقيد شرطة «م» عوض المفتاح، إلى أنه لم يحدث حتى الآن أي تفكيك لكتائب الظل ومليشيات الدفاع الشعبي، وهذه التكوينات كانت لها في السابق أدوار كبيرة في اصطناع حالات البلبلة والذعر لدى المواطنين.

وقال لـ«التغيير»، إن هنالك نماذج في ذاكرة المواطن «الكلاب الضالة» قبل التسجيل للانتخابات في 2010م وهي خدعة انطلت حتى على أجهزة المباحث، وفي آخر أيام للإنقاذ كان يتم الإعلان عبر ميكروفونات المساجد أن هناك عصابات متفلتة.

وكان المستشار السياسي لرئيس الوزراء ياسر عرمان، قال إن الانفلات الأمني الذي تقوم به عصابات «النيقرز» مقصود، وتديره جهات تقرأ من تاريخ الثورات التي حدثت حولنا في الأعوام الأخيرة، لإحداث بلبلة أمنية واقتصادية حتى يكره الناس الثورة، «لكن الشعب السوداني واعٍ جداً».

ولم ينف أو يؤكد الناطق باسم الشرطة، وجود مخطط مقصود لإحداث حالة من البلبلة، وقال: «نحن فى الشرطة نسمى الأشياء بمسمياتها».

وأضاف: «الشرطة تتعامل مع الخارج عن القانون كمجرم وفعله كجريمة».

الفريق عابدين الطاهر: الإنفلات الأمني الماثل سببه الخراب والدمار الذي ضرب جهاز الشرطة

وجود الدولة العميقة

واستبعد الفريق التهامي، وجود ما يسمى بـ«الدولة العميقة» بالشرطة، وقال: «لا يمكن لأي من كان إيقاف عمل الشرطة وحفظ الأمن».

وأضاف بأن ما يرونه الآن ليس دولة وإنما أشخاص يغلقون الشوارع ويدخلون المحليات ويحتلون القيادة وهم من يتحكمون والقرار بيدهم لذلك الشرطة يدها مغلولة بصورة كبيرة.

وتابع: «في ظل حريات مفتوحة للكل الشرطة تحتاج لدعم قوي جداً، وبدون تقوية العمل الذي يجب أن تقوم به الشرطة لا يمكن تحقيق السلام أو حتى قيام الانتخابات».

الإصلاح وإزالة التمكين

لكن الفريق شرطة عابدين الطاهر، مضى إلى أن الإنفلات الأمني الماثل سببه الخراب والدمار الذي ضرب جهاز الشرطة.

وقال لـ«التغيير»، إن العمل لم يتم بالصورة المتعارف عليها، ولم تعد مكاتب السجلات ترصد تحركات المعتادين، وتوقفت دورة الفيش وأصبحت البيانات والتقارير اليومية «يومية الحوادث»، والأسبوعية والشهرية والسنوية لا تطابق واقع الأمر.

ونادى الطاهر بإزالة التمكين الذي أضر بالعمل الجنائي، حيث أوكل الأمر لغير أهله، وطالب بإعادة الضباط المفصولين المشهود لهم بالكفاءة والمعرفة والخبرة في المجالات الجنائية.

الفريق عابدين الطاهر

وقال إن تعديل المشهد يحتاج لقرارات شجاعة من رئيس الوزراء، وأكد أن استتباب الأمن والطمأنينة في المجتمع من أهم الضرورات للتنمية والانطلاق نحو الانتاج لبناء الوطن الواعد.

فيما عزا العقيد المفتاح، بروز التفلتات الأخيرة لمناخ الحريات الإعلامية وتعدد الوسائط الذي أسهم في إظهار الأنشطه الإجرامية.

وقال إن الجريمة هي بنت المجتمع تتمدد مع تمدد الحضر والريف وقصر الظل الأمني وضعف التشريعات وعدم الحماية القانونية لرجل الشرطة، مع تهميش دور الشرطة وشيطنتها بواسطة النظام المُباد.

واضاف المفتاح: «إننا لا نرى إلا قمة جبل الثلج فيما يتعلق بالسيولة الأمنية لسبب واحد وهو وضع أمن المواطن من ضمن أجندة السياسيين والعسكريين الرسميين ومن يسمون بحركات الكفاح المسلح للمزايدة على هذا الحق من ضمن ما يبتغون من مكاسب على اعتبار أنهم هم الفاعلين الحقيقيين في قضية الأمن».

خبراء: يجب إبعاد السياسيين عن الشرطة وتركها للقيام بواجباتها وفق القانون واللوائح

إبعاد السياسيين

واتفق التهامي مع المفتاح، بشأن ضرورة إبعاد السياسيين عن الشرطة، وتركها للقيام بواجباتها وفق القانون ولوائحها.

وتساءل التهامي، عمّا إذا كانت قوات الكفاح المسلح التي دخلت الخرطوم تم لها فحص خارج العاصمة وتمت مراجعه للقوات بالأسماء وبالنمر وتسليحها وتحركاتها، وقال: «لذلك الشرطة لا يمكن أن تقوم بدورها على أكمل وجه».

تأخر الأمن الداخلي

وأشار المفتاح إلى أن تأخر قيام جهاز الأمن الداخلي والتباكي على حل هيئة العمليات بجهاز الأمن خلق حالة من الفراغ الأمني الكبير.

وقال: «عدم ثقة الشعب في عناصر جهاز الأمن والعقيدة المترسخة أن هذا الجهاز جهاز قمعي مؤدلج، وهذه حقيقة، مع تأخير قيام الأمن الداخلي يشكلان مصيبة حقيقية فيما يتعلق بأمن المواطن».

وأضاف بأن إيقاف تصاديق السلاح الناري لأكثر من عام خلق الكثير من حالات اقتناء السلاح بدون ترخيص، وهذا مهدد آخر حتى في حالات الدفاع عن النفس، والحركات المسلحة ووجودها داخل العاصمة، وشروط الخدمة والتعيين في الشرطة وضعف المرتبات.

الحصانة الموضوعية

فيما طالب التهامي، بمنح الشرطة حصانتها الموضوعية وتركها تقوم بعملها وفق القانون.

وقال: «لدينا أفراد كانوا يقومون بواجبهم والآن محكوم عليهم بالإعدام».

وأضاف: «لا يعقل أن يواجه رجال الشرطة الذين يعملون في مكافحة المخدرات وكذلك التهريب، المجرمين بغير القوة، وحينما يطلقون النار على رجال الشرطة وتتبادل معهم الشرطة ذلك يحكم عليهم ويدخلون السجون وهذا لا يعقل أن يحصل في بلد بها قانون وعدالة».

وتابع: «لايوجد شخص سوي يقبل الشرطة تقوم بعملها من غير حصانة، الحصانة لا نبحث عنها لحماية الشرطة ولكن لتقوم الشرطة بواجباتها التي كفلها لها القانون ولوائح الشرطة».

خبير أمني: عوامل عديدة تضافرت فنتج عنها ما يشبه الإنفلات الأمني بالعاصمة والمدن

عوامل عديدة

وبحسب الخبير الأمني طارق عمر، أن هنالك عدة عوامل تضافرت فنتج عنها ما يشبه الإنفلات الأمني بالعاصمة والمدن.

وقال لـ«التغيير»: «على رأس ذلك الفقر الناتج عن الفشل الاقتصادي والعطالة، وضعف إمكانيات الأجهزة الأمنية وظروفها المعيشية وطريقة عملها التقليدية التي اعتاد عليها المجرمون، وسهولة تهريب السلاح والمخدرات إلى المدن، وضعف العقوبات القانونية، والهجرة غير المقننة، وتأخر إنفاذ الترتيبات الأمنية».

وتميل كثير من الآراء إلى أن حالة السيولة الأمنية مقصودة لإحداث بلبلة والانقضاض على الثورة، لأن هنالك جهات لديها مصلحة في ذلك، وأن إعادة الأمور لنصابها ليست مستحيلة، لكنها تتطلب إصلاح الأجهزة الأمنية وفرض سيطرة الدولة.



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: