منى أبوزيد تكتب: بعض الثواني تكفي أحياناً ..!


“الكثير من المعارك التي نخوضها تبدأ من الداخل، وتندلع في ذلك العمق الذي بالكاد يمكن أن يطلع عليه أحد ” .. الكاتبة ..!

كعادة معظم أحياء الخرطوم عند كل خريف، كانت المسافة الفاصلة بين باب البيت وأقرب شارع “أسفلت” تزخرُ بالمساحات المنخفضة، المليئة بمياه الأمطار، والتي تبقى على حالها ذاك، بانتظار أن تجف بفعل الطبيعة التي أوجدتها. وعليه فقد كنتُ أتخير موضع قدمي بين المياه واليابسة وأنا أفكر بكم السعرات الحرارية التي سأنجح في تبديدها، جيئةً وذهاباً، من شارع البيت إلى أقرب سوبر ماركت ..!

ولأنني أتفق مع السيد “نيتشة” في أن “كل الأفكار العظيمة تولد أثناء المشي” فقد قررتُ أن أستثمر الدقائق التي يستغرقها المشوار في التفكير بأفضل الحلول لمشكلة كانت تشغل بالي. لكن الأمور الباعثة على الضجر – في مثل هذا المشوار – كثيرة، ولعل أولها – وأولاها -مقاطعات الشحاذين الذين باتوا يملأون الطرقات ويتفنَّنون في ابتكار الحيل لانتزاع بعض الجنيهات منك، إما عن طيب خاطر بعد إقناعك، وإما رغماً عنك طلباً للفرار من حصار الإلحاح ..!

كنتُ غارقةً في التفكير عندما رأيتُ رجلاً ستينياً طويل القامة، قوي البنية، يقف على يسار الجانب الآخر من حفرة مياهٍ راكدة كانت تفصلني عنها بضع خطوات، وكان الوصول إلى ما بعدها من يابسة يتطلب الالتفاف يميناً بمحاذاتها. رأسُ الرجل ظل ثابتاً باتجاهي ولغة جسده كانت توحي بأنه يقف بانتظاري ..!

قلتُ في نفسي “ها قد بدأنا بمواجهة المنغصات”، وأنا أفكر بأولئك الشحاذين أقوياء البنية الذين يرتدون الملابس المُهندمة والأحذية النظيفة، لكنهم لا يتورعون عن استجداء النساء في الشوارع من أجل حفنة جنيهات. ثم عدتُ بذاكرتي إلى ذلك الشحاذ الأنيق الذي كان يقف – قبل سنوات – بجوار أحد المحلات الشهيرة، ويطرق زجاج نافذة السيارة بصرامة وكأنه يطالبني بسداد دين ..!

كنتُ أتحسس محفظتي بنفاذ صبر وأنا أفكر بالتخلص من إلحاح الرجل ببعض الفكة، عندما اقتربتُ من مكان وقوفه، وكما توقعت ألقى عليَّ السلام فرددت بمثله وأنا أتوقع حكايةً ما عن مصاريف السفر لستر جنازة، أو الحاجة إلى ثمن دواء مع التلويج بفاتورة ممزقة إلخ .. لكنه باغتني بسؤالٍ عجيب ..!

أشار الرجل نحو منخفضٍ تَجمَّعتْ به بعض المياه الراكدة وهو يسألني “هل يوجد طريق صالح للمشي في هذا الاتجاه؟. فأجبته بنفاذ صبر “كيف يمكن لطريقٍ جاف أن يكون وسط مياة راكدة”؟. فقال – ببعض الخجل – “معليش يا بنتي النظر شوية ضعيف”. حينها تَمنَّيتُ أن تنشق تلك اليابسة التي كنتُ أقف عليها وأن تنفجر منها بحيرة مياه راكدة، فتبتلعنا جميعاً، أنا ونفاذ صبري وسوء ظني ..!

اعتذرتُ للرجل ووصفتُ له – بخجل وحرارة وإخلاص – الطريق الأفضل، وكدتُ أبكي وأنا أرقبه وهو يتحسس طريق اليابسة بعصاه. أدركتُ حينها أن الرجل شبه أعمى، وأن كل ما يستطيع رؤيته هو مُجسَّمات الأشياء والأشخاص من حوله، فشعرتُ بأسفٍ عميق، وتمنيتُ لو أنني أفردتُ مساحةً لحسن الظن – ولو لبضع ثوانٍ فقط – قبل أن أُصدر حُكماً مُسبقاً على شخصٍ لا أعرفه، فقط لوجود وجه شبهٍ ما بينه وبين شخصٍ آخر أعرفه ..!

معظم المعارك التي تندلع والصراعات التي تنشأ بين الناس يكون السبب في اشتعالها هو سوء الظن المسبق المبني على أحكام مسبقة وافتراضات سابقة لا وجود لها إلا في دواخلنا. عندما نتجرد من الحياد اللازم – في أغلب المواقف – ونرفض أن نُبادر بحسن الظن مع بعض الغرباء، فقط لأننا قد خُذلنا من بعض الأقرباء أو لأننا قد طُعنَّا من بعض الأصدقاء ..!

بينما لكل موقف نختبره ظروفه الموضوعية، ولكل علاقة تنتهي – بخروجنا منها – ملامحها التي لا تشبه ملامح أخرى قد نشرع في الدخول إليها. فالأحكام المُسبقة المُستمدة من خبراتٍ حياتيةٍ سابقة هي آفة التواصل بين بني الإنسان على مر الزمان ..!

هذا ما كان من أمر اختصار المشكلة في جملة سجع. أما الحل فهو يكمن في السهل المُمتنع، المُضَمَّن في العبارة المسجوعة الآتية “بادر بالغفران، وانس ما قد كان، ثم أبدأ من الآن، وستجد التقدير وتحظى بالأمان”. “زابط يا مان”؟!.

صحيفة الصيحة



مصدر الخبر موقع النيلين

أضف تعليق