د. علي سليمان يكتب: أزمة الشرق تجاهل تاريخي وإدارة غير متوازنة واستقطاب حاد بين مكوناته


د. علي سليمان- والي القضارف السابق

في ختام ملتقى الولاة في ١٩ مارس ٢٠٢١م وفي مداخلتي تحدثت مع رئيس الوزراء د. حمدوك حول المنهج والطريقة التي يدار بها ملف الشرق وانها ستسهم في تعقيده اكثر من حله وأننا بحاجة إلى رؤية متكاملة للتعامل مع قضية الشرق التي ظلت ملفا أمنيا في العهد البائد ولم تحظي بدراسة مطلوبات تحقيق الاستقرار فيه وان التدخلات الحاليه ليست بحجم أهمية الشرق وأهله وأرضه للدولة السودانية وأيضا عرجت على تأثيرات الأوضاع في كسلا والبحر الأحمر وانعكاساتها على ولاية القضارف ومحاولة البعض للإستثمار في الوضع وسحب القضارف لصراع اخر يهدف لقسمة الإقليم على أسس اثنية لا تخدم القيم الوحدوية العليا للدولة ولا التعايش السلمي المطلوب.

وكان تعقيب د. حمدوك ان ملف الشرق بالفعل لا يسير بطريقة جيدة وان السبب تعدد المنصات والايادي الممسكة بالملف وهذا تشخيص جيد ولكن لم يحدث تقدم نحو إعادة تنظيم إدارة الملف من قبل رئاسة مجلس الوزراء ولاحقا تمت الزيارة الي هيا ولم تظهر نتائج مختلفة عما هو سائد.

التداعيات الأخيرة أدخلت الوضع في الإقليم في حالة شد وجذب واستقطاب حاد بين رافضي ومؤيدي المسار واعلان الناظر ترك بإغلاق الطرق والمعابر والميناء ورفع مطالب من بينها إلغاء المسار وحل الحكومة واعادة تشكيل المجلس العسكري.

إن تفاقم الوضع في الشرق ينذر بشر عظيم للدولة والشعب السوداني بتحول الإقليم الي ساحة نزاع اهلي قد ينزلق الي توترات كبيرة تصعب السيطرة عليها لاحقا.

لكل ما سبق فما يحدث في الشرق يحتاج ارادة كبيرة ونظرة أشمل وابعد مدى وتبصرا كاملا بالمآلات المحتملة ونقولها كلمة للوطن تداعيات الشرق خطيرة على الدولة ولا يمكن حصر تأثيراته فهي تمتد الي كافة انحاء السودان في غضون ايام.

واول الجهود المطلوبة هي وقف التمزق في النسيج الإجتماعي ووقف التدهور في العلاقات الاجتماعية بين مكونات الشرق فليس هناك مصلحة تعود من وراء ذلك وسياسات التفتيت بغرض السيطرة لم تنجح في التعامل مع حركات دارفور وسيكون تأثيرها كارثيا في الشرق لأنها ستنزل تقطيعا وتمزيقا لأواصر وعلاقات ازليه وستهدم الدولة.

إن غياب المشروع السياسي الوطني ادي الي وصول النظام البائد للسلطة في ٣٠ يونيو وتدشين نظام بمحمول غير وطني أسهم في تقسيم السودان الي دولتين فاشلتين ولم يتحقق السلام ولا الوحدة التي بشروا بها بعد انفصال الجنوب.
ما يجري حاليا من دعوات لاقامة ما اطلق عليه دولة النهر والبحر يصب في مزيد من التقسيم والتشرذم للدولة ولا تستند هذه الدعوات لأي مقومات أو دراسات حول فرص وعناصر نشوء هذه الدولة وقوتها ومصادر استقرارها وانسجام مكوناتها مما يوحي بأنها دعوات رغبوية من أشخاص لم يجدوا أنفسهم متصالحين مع التحولات التي احدثتها ثورة ديسمبر في بنية السلطة المركزية والولائية ولم يستوعب وعيهم حتى الآن أحقية كل السودانيين في حكم البلد وهو التراضي الوطني الذي يحقق الانتقال الآمن لهذه البلاد التي أنهكها الصراع فالنخبة السودانية التي ادمنت الفشل كما أسماها د. منصور خالد يبدو انها ما زالت تصر على الفشل وجر الدولة السودانية الي مزيد من التقزم والضعف والاضمحلال.

إن ما يحدث حاليا من اصطفافات جهوية تهدف الي تمزيق السودان هي الدليل الواضح على عجز النخبة والقوي التاريخية عن تقديم وصفة وطنية تصلح ما دمره المشروع الخبيث للنظام المباد وعدم قدرتها على تجاوز ما رسخه من نعرات طوال ٣٠ عاما من الحكم. والسبب ان الحكومة الانتقالية لم تصمم برامجا مؤثره لاعادة تنظيم القيم والتوجهات وإزالة ما تم من شحن وكراهية هنا وهناك ولم يشمل برنامج الانتقال دراسة تأثيرات كل ذلك على الفترة الانتقالية والحراك السياسي الذي يتخللها والذي ينشط فيه الحزب المباد بفعالية كبيرة.

إن المظالم التاريخية لاقليم شرق السودان واسبقيته في المطالبة بحقوقه من المركز متمثلا في قيام مؤتمر البجا في ١٩٥٨ توضح تطاول سنين التجاهل لهذا الإقليم الحيوي الهام ورغم ذلك ظل هذا الشرق مثالا للتعايش وحاضنة آمنه لكل السودانيين للحياة والإنتاج والتمازج مع قبائله وهي أيضا الميزات التي لم تجد من يحتفي بها او يوثق لها وظلت النظرة الشعبية والرسمية لا تختلف كثيرا عن بعضها وظلت سياسة البن مقابل التعليم وغيرها من السياسات التنميطية هي السائدة.

د. سليمان علي

١٩ سبتمبر/ ٢٠٢١م.

صحيفة السوداني



مصدر الخبر موقع النيلين

أضف تعليق