ترسانة تُهدد موكب الانتقال.. الشرق.. جبهة استعصت على الساسة والعسكر.. هل من مُنقذ؟ 


تقرير: أميرة الجعلي – محمد عبد الحميد
بدا من الواضح، أن قضية شرق السودان وصلت إلى محك خطير، وسط حالة التراخي التي تُواجه بها، وفي ظل البطء الشديد من الحكومة وعدم التدخل، حتى الآن. مشادات بين المكونيين المدني والعسكري بشأن الأزمة، واتهامات تطال المكون العسكري بالتماهي مع ناظر الهدندوة تِرك، ورغم كل ذلك تظل المحصلة اختناق الشرق واعتلال المشهد السياسي، وتكهنات هنا وهناك حول سيناريوهات الساعات المقبلة، وفيما لم تبرح القضية مكانها، أعلن مسار الوسط في تصعيد مواز إغلاق طرق قومية، ليضيّق الخناق على المركز فهل تُفلح مساعي الحكومة ويستجيب تِرك؟
مجلس البجا.. الموقف الآن!
اقتربت عملية إغلاق الشرق- إن جازت تسميتها بالعملية- إلى صورة كاملة بحسب مراقبين للوضع من كثب، في ظل حالة من الترقب لما يمكن أن تقدم عليه الحكومة- التي تعجّب البعض من موقفها تجاه الأزمة، من حلول لمعالجة الأوضاع التي تأزمت كثيراً، بسبب إهمال التدخل العاجل لعدم تنفيذ تنسيقية مجلس البجا الأعلى، للإغلاق الجزئي الذي بدأ في التمدد حتى يصل للإغلاق الشامل.
وفي مقابل ذلك، يذهب مقرر المجلس الأعلى للبجا والعموديات المستقلة، عبد الله أوبشار، في كشفه عن ما تم بالأمس القريب، من تمدد حالة الإغلاق لتشمل عدداً آخر من المواقع الحيوية والمرافق الاستراتيجية الأخرى.
فما تم صباح الأمس، وفقاً لتأكيدات أوبشار في حديثه لـ(الانتباهة)، من إغلاق لميناء بشائر لتصدير البترول، جنباً إلى جنب مع إيقاف ميناء سواكن، وقفل الأسواق الحرة، ليتعداها إلى إيقاف إيرادات هيئة الموانئ البحرية، والضرائب ببنك السودان، ما هي إلا خطوات في طريق تصعيد أعلى شامل، وأنهم ماضون في وقف عمل قطارات السكة الحديد ووصولاً للعصيان المدني الشامل. وفي ظل ذلك يظل التساؤل قائماً حول تعاطي المركز مع القضية؟.
فشل المحاولات للجمع بين (تِرك) و(جاويش)
وقد شهدت الخرطوم أمس اجتماعات ماراثونية بين أركان الحكم لحل مشكلة شرق السودان بعد التصعيد الذي قام به تِرك وأدى إلى إغلاق الطريق القومي والميناء الجنوبي وأجزاء كثيرة من الشرق أبرزها مطار بورتسودان وبنك السودان وميناء بشائر.
وكان اجتماع المجلس الأعلى للسلام الذي عقد أمس الأول (السبت) قد شهد خلافات بين المشاركين، وحسب تسريبات في الوسائط فإن وزير شؤون الوزراء خالد عمر طلب التدخل لحسم الإغلاق في الشرق عن طريق القوة، الأمر الذي رفضه رئيس المجلس السيادي الفريق أول البرهان. وأدى ذلك إلى قيام بعض الجهات المحسوبة على الحرية والتغيير  بشن هجوم في الوسائط على البرهان واتهمته أنه وراء تصاعد هذه الاحتجاجات في شرق السودان برئاسة تِرك.
وهذا يشير إلى اختلاف في تقدير الموقف بين المكون العسكري والحاضنة المدنية، إذ يرى البرهان أن هذه أزمة سياسية اقتصادية يجب أن يتصدى لمعالجتها المكون المدني، أما الحرية والتغيير فتريد استخدام الجيش والدعم السريع والشرطة لفك الإغلاق بالقوة.
وبحسب مصادر موثوقة تحدثت لـ(الانتباهة) أن المجلس الأعلى للسلام الذي عقد (الخميس) الماضي دعا الناظر تِرك للمشاركة ولكن الأخير رفض الحضور والمشاركة في الاجتماع، الذي حضره رئيس مسار الشرق خالد جاويش.
وعليه فشلت الاجتماعات الكثيفة حتى وقت متأخر من مساء أمس في وضع خارطة طريق لحل الأزمة. إذ كان يتوقع أن يسافر وفد برئاسة مريم الصادق وزيرة الخارجية، لمقابلة تِرك.
كما فشلت جهود بذلت من قبل بعض الوسطاء لترتيب اجتماع بين تِرك وخالد جاويش، سواءً أكان في الخرطوم أو بورتسودان. وفيما يصف كثيرون تصرف تِرك بالتمرد يرى البعض الآخر غير ذلك، وبحسب القيادي الإنقاذي مبارك الكودة، الذي دعم الثورة وبشر بها، فإنه لا يمكن تسمية الحلو وعبدالواحد نور بالمناضلين وتِرك بالتمرد.
هل يملك وفد الحكومة حلولاً؟
وفيما يظل الدور الحكومي المرتقب في هذا الشأن ضعيفاً، يرى مراقبون أن الحكومة تعيش حالة من الصراع الداخلي، فمجموعة ترغب في أن تحل القضية سلمياً، وأخرى تطالب بالحسم العسكري، لكن لا جديد يذكر طبقاً لمقرر المجلس، أوبشار، الذي لفت إلى أنهم سمعوا بوفد حكومي أخطرهم بمجيئه إلى البحر الأحمر، لكن الوفد لم يصل وتعلل بوجود عطل في الطائرة التي ستقلهم إلى هناك.
أوبشار، يصر على موقفه بأن لا فائدة من مجيء الوفد، وأن الحكومة ليس لديها حلول لتقدمها لتلافي الوضع، لأنها تسلمت مذكرة المجلس الأعلى للبجا من فترة طويلة ولم تتخذ القرارات التي من المفترض أن تتخذها حيال ذلك.
مركزي التغيير: قفل الطرق وتعطيل المرافق مسؤولية المكون العسكري
تظل أصابع الاتهام موجهة للمكون العسكري في عدم تعاطيه مع قضية الشرق بصورة حاسمة، وقد ساقت الحرية والتغيير، الاتهامات تجاه ضلوع الشق العسكري في مسألة قفل الطرق وإيقاف الموانئ، تضامناً مع الناظر تِرك، لأن ذلك الأمر لا يمكن ولا ينبغي أن يكتمل بدون قرارات حكومية.
وهو ما عناه بالضبط، عضو المجلس المركزي للتغيير، معتز صالح في إفادته لـ(الانتباهة) حول الأوضاع المأزومة الجارية في شرق السودان، حيث نبّه إلى أن الشرطة هي من قامت بمنع المواطنين من دخول الميناء وليس الناظر تِرك، ولأن صالح، يعتقد جازماً، أن ذلك المنع لن يتم إلا بقرار حكومي، مع استمرار حركة البصات السفرية وغيرها، مع إيقاف الشاحنات التي تحمل البضائع.
وذهب صالح في اتهامه للحكومة أبعد من ذلك، بوصفها أنها قررت أن تتضامن مع الناظر تِرك، إلا أنه عاد موضحاً أن الأمور على الأرض ليست بالحجم والمستوى المذكور، مع تأكيده باعتبار أن تعطيل المرافق الحيوية وقفل الطرق، مسائل أمنية وهي مسؤولية المكون العسكري.
الدومة: “تِرك” صناعة الدولة العميقة والعسكر يريدون الانقلاب على الثورة
سيناريو متوقع ومعروف بحسب مراقبين، لما يحدث الآن في شرق السودان، من قفل للطرق وتعطيل لحياة الناس، من مجموعة صنعتها الدولة العميقة لتنفيذ أجندتها لصالح المكون العسكري المستفيد من ذلك، للبقاء في رئاسة المجلس السيادي مع اقتراب نهاية فترته رئيساً للمجلس السيادي.
وهذا ما نحا إليه، المحلل السياسي، بروفيسور، صلاح الدومة، في تفنيده لـ(الانتباهة)، مطالب المجلس الأعلى للبجا، التي وصفها بغير العقلانية وتفتقد للمنطق، خصوصاً مع اقتراب تسليم المكون العسكري الراية للمدنيين. لكن تِرك ناظر الهدندوة وفق رؤيته، مخالب للدولة العميقة والفلول، ويساند المكون العسكري في الانقلاب على الثورة وعلى ما تعاهدوا عليه واستبدال البشير بالبرهان.
يقودنا ذلك التحليل للسؤال عن دور المجتمع الدولي في إجهاض الانقلاب على الديمقراطية والثورة في آن، رغم أن الأخبار تحمل يومياً في طياتها التزاماً دولياً صارماً تجاه تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، بممارسة الضغوط لتنفيذه.
لكن المحلل السياسي، الدومة، يرى أنه لا وجود لضغوط حقيقية تمارس على الدولة العميقة، لأنه من المفترض أن تفعّل أمريكا قانون دعم الديمقراطية في السودان، وتعلن عن أسماء من ستوقع عليهم العقوبات، بجانب الضغط على حلفائهم (الإمارات ومصر)، لأنهما توفران الحماية للمجلس العسكري وجهاز الأمن والفلول. هذا السيناريو الذي يسعون إليه، وتابع، لكن أتوقع أن تتدخل أمريكا بصورة أكثر جدية مما كان بالسابق بفرض واقع جديد بتنفيذ التعاهدات الدولية كما هي.
مبادرات الحل.. هل تُفلح المساعي؟
ظهرت في الإعلام العديد من المبادرات المطروحة لحل إشكالية إقليم الشرق، منها حزبا الأمة القومي والاتحادي الديمقراطي، في سعيهما لرأب الصدع بين تلك المكونات والحكومة، ما يطرح معه تساؤل حول إمكانية نجاحها في المسعى، وفي هذا الجانب، يشير الدومة إلى أن كل تلك المبادرات ليست ذات قيمة ولا معنى لها، لوجود أعضاء بمجلس الوزراء يريدون فرض القانون بالقوة والبرهان يمتنع، لكن دعونا ننظر إلى المطالب التعجيزية كحل لجنة التمكين، هل هذا موضوع الشرق؟ ما هو دخلهم بذلك.
ويأمرون البرهان بتكوين مجلس عسكري، (طيب ما تشكلو إنت وترأس الدولة عديل كدا)، كل المطالب معطل فيها المنطق تماماً، وتخدم الهوى والغرض، ولفت إلى أن تِرك تم إعطاؤه الأوامر وبدأ تنفيذها بدون عقل أو وعي، وسيتمادى، وشروطه خالية من أي منطق وعقل، لذلك يجب أن تحسم بالقوة العسكرية، والجهة الوحيدة التي احتكرت لها الدولة فرض القوة القهرية لفرض الدستور والقانون هو السلطة التنفيذية، (الأمن والشرطة والقضاء)، يحسم بذلك.
وأكمل الدومة، لا مقارنة بين فض الاعتصام وفتح طريق بورتسودان، وأي شخص ينحو لذلك صاحب غرض، وأي شخص يرى أن المشكلة سياسية وليست أمنية يتبع للمجلس العسكري وجهاز الأمن، لأن المشكلة السياسية تستخدم فيها العقل وليس القوة القهرية وقفل الطريق والاحتلال، موجهاً حديثه للناظر تِرك: (أنت جزء من الشرق وليس كله)، وتضر مصالح الناس، أنت تطالب بالتنمية وليس حل فلان لأنه جاي باتفاقية دولية.
الحكومة.. الرهان على سياسة كسب الوقت
ويمثل الحراك في الشرق الذي يقوده تِرك رفضاً لاتفاقية جوبا التي كرست لامتيازات خصت بها أقاليم محددة. ورفضت أيضاً لمسار الشرق. بينما يؤكد قادة مسار الشرق خاصةً خالد جاويش وأسامة سعيد أن هذا الاتفاق يقدم إنجازات تاريخية لإنسان شرق السودان إذ تجب المحافظة عليه أو تطويره.
لكن الأخطر في هذه التطورات الآن هو التحالف بين الشمال ونهر النيل وشرق السودان وخلق تكتل سياسي جديد ضد الترتيبات السياسية القائمة على قاعدة اتفاق جوبا الذي منح أقاليم امتيازات وحقوقاً تفوق ما تحصلت عليه بقية الأقاليم مجتمعة.
وعليه فإن هناك ثلاثة سيناريوهات للحل. وهي إما التوصل إلى اتفاق بين الأطراف بعقد مؤتمر جامع يخرج بإجماع يحدد مصير مسار شرق السودان أما بالإلغاء أو التعديل. وإذا تم ذلك فإنه سيكون على مستقبل العمل السياسي لبعض القيادات الراهنة. السيناريو الثاني هو استخدام القوة لفض الاحتجاجات ورفع الإغلاق وسيكون ذلك بمثابة الشرارة لحرب أهلية بعد خلق فتنة اجتماعية سياسية بين مكونات وقبائل الشرق.
أما السيناريو الثالث فيتمثل في تمديد هذا التحالف الجديد بين الشرق والشمال والوسط وسيكون بمقابله كتلة لإحداث التوازن السياسي ضد أطراف اتفاقية جوبا، لكن تراهن الحكومة على سياسة كسب الوقت وإحداث انقسامات عميقة بين مكونات شرق السودان مما يعقد الأزمة.
ويرى بعض المراقبين استنطقتهم (الانتباهة) ضرورة الجلوس مع أهل الشأن والوصول إلى حلول، وأكد أن الحكومة المدنية لا تريد مواجهة الواقع، وأشاروا إلى أن الحديث عن (فلول ونضربهم) خلق عداءً بين الحكومة وأهل الشرق.
الشمال.. تحالف استراتيجي مع الشرق
وفي ذات المنحى قال رئيس المجلس الأعلى لكيانات الشمال أبوالقاسم برطم لـ(الانتباهة) إن المجلس يطالب بالحكم الذاتي، وأوضح أن لديهم تحالف استراتيجي مع شرق السودان (في السراء والضراء)، وأضاف أن قضية شرق السودان والشمال والوسط تضررت من اتفاقية جوبا، وشدد نرفض الاتفاقية جملةً وتفصيلاً وزاد نرفض أي تمييز.
وأردف بالقول في حال لم يتم منح شرق السودان والشمال الحكم الذاتي سينفصل كل إقليم.
وانتقد برطم الحكومة وقال إنها تتعامل مع قضية الشرق (باستهتار)، قائلاً إن حمدوك وأعضاء حكومته وصلوا إلى السلطة عبر التروس، وتساءل : (هل تروس الشرق والشمال تعتبر عمالة).
وشدد بالقول من يحكمون الآن نشطاء لا يعرفون كيف يتعاملون مع قضية خطيرة وحساسة.
وانتقد قيادة مريم الصادق للوفد الزائر لبورتسودان قائلاً :(لماذا لم يكلف رئيس الوزراء نفسه بالذهاب إلى هناك).
تصعيد مواز.. كيان الوسط يعلن الشروع في إغلاق 3 طرق قومية غداً
وقبل أن تبرح قضية الشرق مكانها أعلن كيان الوسط عن إغلاق طرق قومية، وبدخول الكيان كحليف لتنسيقية مجلس البجا في معركته ضد الحكومة الانتقالية ربما يُحدث فرقاً كبيراً بحسب مراقبين، في نفس الوقت الذي أعلن فيه تحالف كيانات الوسط عن تصعيد مواز لتصعيد شرق السودان، مفصحاً عن إغلاق (٣) من الطرق القومية غداً الثلاثاء وصولاً إلى الإضراب الشامل.
وطبقاً لبيان التحالف التصعيدي، فإنه يدعم مطالب الشرق ويشدد على ضرورة إلغاء اتفاقية السلام، في إطار التنسيق بين تحالف كيانات الوسط وتنسيقيات شرق السودان بقيادة المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، فقد عقد تحالف كيانات الوسط اجتماعاً وخرج بقرارات تؤكد على الرفض التام لاتفاقية المسارات الموقعة في جوبا وخاصة مسار الوسط والمطالبة بإلغاء وتعديل بنودها بما يحقق العدالة. وإعلان التحالف دعمه الكامل لتنسيقيات شرق السودان في كافة خطواتهم التصعيدية، والشراكة الحقيقية بين كافة الكيانات الرافضة لاتفاقية جوبا في الشرق والوسط والشمال
يطالب كذلك، التحالف مجلس السيادة بسرعة الرد على مذكرة أهل الوسط التي تم تسليمها لمكتب رئيس مجلس السيادة و يدين بشدة مسلك رئيس مجلس الوزراء في الالتقاء بجسم عنصري وجهوي يسعى لخلق الفتنة وزعزعة الاستقرار بوسط السودان مثل مركزية الكنابي واختياره ضمن مبادرته الوطنية.
ويؤكد التحالف أيضاً على الحق الشرعي لأهل الوسط في الاستفادة من المشاريع القومية بالوسط كمشروع الجزيرة ومصانع السكر والمشاريع الزراعية الأخرى في التوظيف والخدمات الاجتماعية وأن أرض الوسط لقبائلها الحقيقية ولن نسمح بأي تغيير ديموغرافي.
ووفقاً لذلك قرر التحالف مخاطبة الغرفة الفرعية للبصات والحافلات السفرية بإغلاق طرق الخرطوم مدني في النقاط التالية: “بتري، المسعودية، الحصاحيصا، طريق سنار مدني، مدينة الحوش، طريق الخرطوم النيل الأبيض، كوبري كوستي ومنطقة الأعوج”.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: