صحيفة المجهر السياسي السودانية – مها الرديسي تكتب : شذرات من الثقافة


ظل الإحساس بفقدان العدالة الإجتماعية الذي يكتنف حياة الانسان المعاصر نتيجة الحروب و الصراعات حول السلطة و تلك الموازنات المختلة في إدارة و توزيع الثروة عوامل أساسية و منطقية لظهور تيار قديم و متجدد ، يتبنى اسلوب السخرية و التهكم لكسر (تابوهات ) خاضعة للرقابة من قبل صانعي القرار …

تعتبر السخرية السياسية أو الإجتماعية الهادفة و اللاذعة و التي تحمل المفارقة المؤلمة بين ما هو واقع و بين ما هو متوقع الأكثر تداولا كنوع من التعبير عن الرفض والسخط و الإزدراء و للفت الإنتباه للقضايا المهمة في حياة الناس ..

….. السخرية هي مرحلة من مراحل العجز و التبلد و الإستكانة إذا ما أصبحت هي الوسيلة و الأداة الوحيدة للتغيير ….
اليوم أصبح نشر العبارات الساخرة و الصادمة و المستفزة سلاحا فتاكا بأيدي جهات لديها السلطة والمصلحة في إلهاء و شغل و توجيه بوصلة الرأي العام …

لابد و أن تحمل الكلمة أو العبارة أو القصيدة الساخرة و التي تكتب بهدف الإصلاح فكرة حية و مضامين قوية و موضوعية تخضع للعقل أولا و ليس للشعور لأنها تستهدف تعديل وتغيير الأوضاع الفاسدة و المتردية …
تصنف السخرية التي تنبع من الشعور بالضعف لأنها تنتج لنا النكتة و الفكاهة اللحظية بغرض الضحك و التسلية فقط و تنسى و تنتهي بعد وقت قصير و لا تخدم الفكرة بعمق ..أما تلك السخرية النابعة من العقل و الحكمة و المخطط لها جيدا … إحتمالية أن تتم بها معالجات مهمة وارد بصورة كبيرة .. و ربما تصبح جزء من التراث الثقافي للمجتمع المعين ..
السؤال :لماذا السخرية الهادفة النابعة من العقل هي الأكثر عمرا و فاعلية .. الإجابة … لمراعاتها لجوانب غاية في الحساسية و الأهمية بالنسبة للمجتمعات الإنسانية ، تتمثل في إحترام الأخلاق و القيم و المباديء و العادات و التقاليد و الأعراف و الضوابط و التي في مجملها تستمد من الأديان مع مراعاة تطور المراحل السياسية و الإجتماعية التي تطلق فيها السخرية .. لذلك يعتبر إرسال عبارات التهكم و السخرية بحكمة و كياسة نوع من التحفيز الإبداعي و التجريدي لدى الإنسان و ملكة خاصة لإدانة السلوك المقصود و المستهدف و كشف العيوب ..
و الملاحظ لغويا أن لفظة سخرية تحمل في دلالاتها ذلك الإخفاء و التذليل و تنتهج أسلوب عدم الإبانة و التوضيح بطريقة مباشرة … تقول مثلا سخرت الشيء اي ذللته و سخرت فلان تسخيرا اي كلفته عملا بلا أجرة أو مقابل و كل مقهور في هذه الحياة و لا يملك لنفسه ما يخلصه من القهر هو مسخر ..

هناك محاولة رائعة للعالم الفريدإدلر ترجع السخرية للشعور بالإنفعال نتيجة الغضب والإشمئزاز من الواقع و يعقبها شعور بالرضا عند تفريغ هذه الشحنة من الغضب ..

و يعتقد البعض أن الهجاء الشعري عند العرب يعد أحد أساليب السخرية .. إلا ان الهجاء يعتمد على الأسلوب المباشر للنقد والهجوم على الخصم و يفتقد أسلوب المواربة و التغطية و اللعب بالألفاظ و الدلالات العميقة و المحركة ..

لم تاتي شهرة الكاريكاتير الساخر و القوي للتعبير عن الظلم من فراغ ، فهو فن له أدواته الخاصة و كمثال .. اشتهرت شخصية (حنظلة ) على مستوى العالم للكاريكاريست و الأديب الشهيد ناجي العلي فكانت سلاحا فعالا لمناقشة القضية الفلسطينية و كشف مايدور بين القوى المتصارعة ..
و قد يلجأ كثير من الناس لطريقة المحاكاة بالوجة بأشكال مضحكة مبالغ فيها للسخرية من بعضهم البعض و ذلك بإطلاق الألقاب و بتقليد نبرات الصوت و السخرية بالمدح بما يشبه الذم .. و هناك باب كبير للسخرية و هو باب التعريض و هو ، محاولة إظهار الأشياء الكبيرة بصورة متقزمة أو العكس إظهار الأمور الصغيرة بصورة متضخمة تخدم الغرض من وجهة نظر الساخر …

السخرية هي شحنة إنفعالية من الغضب .. يحدث تفريغ كبير لها و راحة نفسية بعد إطلاقها في عالم الواقع أو في الأسافير ..
لابد أن يأتي ذكر للسخرية الذميمة التي تهدف لقتل الشخصية و زرع الفتن و المشاحنات بين الناس .. و هي المنهي عنها في كتاب الله الكريم

قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم و لا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن و لا تلمزوا أنفسكم و لا تنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان و من لم يتب فأولئك هم الظالمون ) الحجرات الآية (11)

و هناك فلاسفة كبار كافلاطون و ارسطو و شعراء معاصرون و كتاب كثر لمعوا في مضمار الأدب و القصة و الشعر و المسرح العالمي بالسخرية اللاذعة و البناءه و عملوا على مساعدة الناس وحثهم على التفكير و الإبداع .. فشكلوا رئة ثانية لتلك المجتمعات .

مها الرديسي
#صدى الصمت



مصدر الخبر موقع صحيفة المجهر

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: