زين العابدين صالح عبد الرحمن يكتب:حمدوك و حميدتي و لعبة السياسية


عندما كنت أدرس في السنة الثانية في جامعة بغداد،استمعت للدكتور مختار التهامي هو مصري الجنسية درس في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان استاذا للرأي و العلاقات العامة،كان الحديث في مكتبه خارج دائرة الدرس، عن الصحافي الناجح، قال أن أغلبية التصريحات الصحفية لصناع القرار هي تصريحات علاقات عامة، لا تحمل المضامين الحقيقية للموضوع، و التصريحات و اللقاءات الصحفية تتأثر بعوامل عديدة في نظام الحكم إذا كان ديمقراطيا أو شموليا، و من الذي يتحكم فيه البرلمان ولا رأس الدولة أو الحزب القائد، كلها عوامل لها أثرها. و قال الصحافي الناجح هو الذي يستطيع خلق علاقات مميزة مع صناع القرار، و اللقاء معهم في الغرف المغلقة، في العتمة تستطيع أن تتحصل على75% من الحقائق تحت غطاء ليس للنشر، فقط معلومات يجب الاحتفتظ بها. عندما يصل الصحافي الجلوس في الغرف المغلقة يستطيع أن يعرف أن تسير الدولة. و قال أحظروا من تلك القيادات التي ليس لها برامج معلنة يمكن محاسبتهم عليها، هؤلاء دائما يبحثون عن شماعات أو كبش فداء يدارون به إخفاقاتهم.

جئت من بغداد و أتذكر هذه النصيحة، في عام 1982م و منظمة التحرير الفلسطينية محاصرة في لبنان، جاء الفريق أبو غزالة في مهمة رسمية حاملا رسالة من الرئيس أنور السادة للرئيس نميري، و كان الأخير جالسا في منزله في القيادة العامة بسبب تعرضه لألام ” عرق النساء” و ذهبت مبعوثا من الإذاعة السودانية. و جاء أبوغزالة وسلم نميري الرسالة في اجتماع منفرد حضره فقط الدكتور بهاء الدين محمد أدريس. و عقب اللقاء خرج أبوغزالة مسرعا للمطار و رفض الإدلاء بأي معلومات، و انفض السامر لكن ذهبت المطار مع الفني لعلا نجد خبرا يميز الإذاعة عن مؤسسات الإعلام الأخرى. بعد وداع إبو غزالة؛ سألت الدكتور بهاء الدين فقال أن الزيارة متعلقة بالحرب في لبنان بين منظمة التحرير المحاصرة و إسرائيل و تحدث أنهم أقنعوا القيادة التونسية لكي تستقبل القيادات. و فجأ خرج من قاعة كبار الزوار سألته عن السبب الرئيس. أنما كان قد قاله هو سببا عاما يمكن نشره. قال الدكتور هاك المفيد و لكن ليس للنشر. هذه الجملة أدركت أن الإجابة سوف تحمل في طياتها 75% من الحقيقة. قال سأل أبو غزالة الرئيس كم العدد الذين يمكن أن يستقبله السودان من الأسر الفلسطينية، و قال أن منظمة التحرير استجابت لدعوة مغادرة لبنان. و أصبح يطاردني بأنه ليس للنشر.

كل هذه المقدمة الطويلة: لأسئلة مهمة، تتعلق بزيارة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك لقوات الدعم السريع: هل مقصد الزيارة بالفعل كما جاء في كلمتي رئيس الوزراء و قائد قوات الدعم السريع؟ أم هي ترتيبات لإرسال قوات لشرق السودان الذي في حالة من الاحتجاج و يطالب بإسقاط الحكومة؟ أم هي بالفعل زيارة ودية يؤكد فيها رئيس الوزراء دعمه لقوات الدعم السريع بعد ردة فعل رئيسها على كلمة حمدوك في المهرجان السياسي الذي كان قد عقد في قاعة الصداقة بالخرطوم، يوم 8 سبتمبر 2021م.؟و الإنفلات الأمني هل هو عمل منظم لقوى سياسية كما تتناقله بعض الوسائط أم هو غياب لدور هذه المؤسسات العسكرية العديدة المنتشرة في العاصمة؟ كل هذه الأسئلة في ذهن المواطن يريد الإجابة عليها.

قال حمدوك في كلمته أمام قيادة و ضباط و جنود الدعم السريع “إن إصلاح القطاع الأمني والعسكري هو قضية مفتاحية لكل قضايا الانتقال وبدونها لا يمكن حل بقية القضايا، بما فيها بناء الدولة المدنية وقيام الجيش الوطني الموحدوأضاف قائلا “أعظم جيوش العالم هي التي تنحاز لخيارات شعبها، والشعب السوداني في ثورته اختار طريق الديمقراطية والدولة المدنية، لذا صار واجبكم الأسمى هو الحفاظ على الدستور ودعم التحول المدني الديمقراطي”. أن حمدوك قد قدم رؤيته التي تتمثل في ثلاثة نقاط أساسية الحفاظ على الأمن – جيش واحد – التحول الديمقراطي. و هذه القضايا لا تتعلق بالدعم السريع وحده بل تتعلق بالقوات المسلحة و الشرطة و جهاز المخابرات، لماذا لم يحدث الحوار داخل القيادة العامة و تجمع كل هذه القوى. إلا إذا رأي حمدوك هناك حق مطلوب أن يقدمه لقوات الدعم السريع. باعتبار أن العسكريون جميعا مسؤولون مسؤولية كاملة عن هذه القضايا التي طرح رئيس الزراء.

و في محطة أخرى يقول حمدوك عن مبادرته “الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال ـ الطريق إلى الأمام”، يتأثر بها المدني والعسكري بما في ذلك تشكيل المجلس التشريعي واستقرار الوضع الاقتصادي وتحقيق العدالة وتعزيز السيادة الوطنية.” هنا السؤال مطروح لحمدوك من هو المسؤول عن قيام هذه السلطات ” السلطة العدلية مؤسسة القضاء و مؤسسة النيابة العامة و محكمتي الاستئناف و الدستورية. إلي جانب المجلس التشريعي” إذا كان الجانبان المدني و العسكري في السلطة الانتقالية مقتنعين بعملية التحول الديمقراطي، لماذا يهملان قيام المؤسستين العدلية و التشريعية، و أنهما يمثلان حجر الزاوية في العملية الديمقراطية، إلي جانب مراقبة اعمال السلطة التنفيذية. متى ينقلنا حمدوك من دائرة الخطابات و المبادرات إلي أفعال على الأرض، و العمل الحسيس لقيام هذه المؤسسات بعيدا عن دائرة المحاصصة الحزبية، أن التماطل في قيام هذه المؤسسات تشعر السلطة بفشلها و لا تريد من يحاسبها.

و في ذات اللقاء قال قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو نائب رئيس مجلس السيادة في كلمة الترحيب بالزيارة ” قوات الدعم السريع سوف تعمل من أجل حفظ أمن واستقرار البلاد والحرص على تحقيق الانتقال المتمثل في تحقيق السلام وبناء دولة المواطنة وصولا إلى الانتخابات.” و يضيف حميدتي قائلا ” بالفعل هناك هشاشة في الأوضاع الأمنية، إضافة إلى تنامي خطاب الكراهية والعنصرية والقبلية، موضحا أن هذه الأوضاع “تتطلب منا جميعاً دون تركيز على تقسيم عسكريين ومدنيين، العمل للقيام بعملية إصلاح شاملة وعميقة”. هنا يحاول حميدتي أن يذكر حمدوك أن الفشل إذا كان أمني أو تنامي خطاب الكراهية هو مسؤولية مشتركة يجب أن لا تتحمله جهة واحدة. و معروف سياسيا أن التصدي لخطاب الكراهية هو مسؤولية الحاضنة السياسية التي نسيت دورها السياسي وجلست القرفصاء تنتظر تقسيم الوظائف عليها. القوى السياسية خاصة التي أقامت مهرجانها السياسي تفتقد للقواعد الشعبية حتى حزب الأمة خائف من مسألة التغيرات التي حدثت في المجتمع، و التغييرات الاجتماعية الديموغرافية. فكل الأحزاب إمتنعت عن الثقافة السياسية السابقة قيام ” ليالي سياسية” في الهواء الطلق و الالتقاء مباشرة مع الجماهير. و هذا يعود لأنها مدركة سوف تواجه بنقد لاذع لا تستطيع تحمله، و فضلت الغرف المغلقة، و انتظار أعلان مقاعد المجلس التشريعي.

و في جانب أخردعا نائب رئيس مجلس السيادة إلى “التركيز على الأولويات التي تتمثل في تحسين الخدمات والاهتمام بمعاش الناس وإرساء السلام وفرض هيبة الدولة وايجاد مخرج لحالة الاحتقان السياسي، وقال إن مبادرة رئيس الوزراء تُمثل مخرجا لهذه الأوضاع مع استصحاب الآراء والمبادرات الأخرى” هنا يكون حميدتي قد نقل الكورة إلي ملعب حمدوك و يذكره، إذا أنت تبحث عن جيش موحد، أيضا الناس تبحث عن معائشها و خدماتها، و فشل السلطة التنفذية في تحقيق ذلك. ثم ينتقل للمبادرة، و يقول تمثل مخرجا لكن لم يوضح ما هية المخرج. و عرفيا أن الذي يقدم مبادرة يكون عنده تصور لتنفيذها، و لا يخضعها للمساومات السياسية، خاصة لقوى سياسية، رئيس الوزراء أكد بنفسه بأنها قوى منقسمة لا تستطيع أن تقدم شيئا. كما أن حمدوك قد واجه نقدا شديدا في الحكومة الأولي من الدائرة الحوله التي تسمى ” شلة المزرعة” و الآن أيضا أصبح محاصرا من فئة جديدة تعتقد لوحدها يجب أن تقوم بهندسة النظام السياسي، و الغريب هؤلاء يعانون من مشاكل داخلية في تنظيماتهم، و بعض منهم يبحث عن هويات جديدة، فالذي يواجه أزمة تحاصره لا يستطيع أن يكون قادرا على حل الأزمات الأخرى. و نرجع للقول ما هو وراء الأكم، هل كل ما قيل هو الحقيقة أم نصفها؟ إذا حاولت نخبة الفترة الانتقالية الركون للمناورات، أن طريق المناورات يعقد الأزمة أكثر. نسأل الله

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: