نيكولا ميكوفيتش يكتب السودان يحاول ليّ ذراع روسيا.. العواقب قد تكون وخيمة


تخلي روسيا عن خططها لفتح القاعدة البحرية في السودان سيُفسر على أنه هزيمة جيوسياسية أخرى لها.

يُصنف السودان من ضمن الدول الأفريقية الفقيرة، ومع ذلك يحاول منازلة روسيا. فقد حاولت روسيا إقامة قاعدة بحرية في شمال شرق أفريقيا، وتحديدا في منتصف الشاطئ الجنوبي للبحر الأحمر. ولكن تبيّن أن الخرطوم مفاوض شديد المراس بعكس ما اعتقدت روسيا، ولو أن تلك الشدة جاءت متأخرة عن موعدها، فلا يستطيع السودان مجاراة روسيا، ولا رغبة لروسيا في التنازل أو المساومة.

وأعلنت موسكو عن خطط لإنشاء ميناء في السودان في أواخر عام 2020، مما يمنح روسيا أول موطئ قدم عسكري لها في أفريقيا منذ سقوط الاتحاد السوفييتي. وتوصل البلدان إلى اتفاق يمنح البحرية الروسية عقد إيجار لمدة 25 عاما في بورتسودان، وستستقبل المنشأة ما يصل إلى أربع سفن تابعة للبحرية و300 عسكري، مقابل تزويد الخرطوم بأسلحة ومعدات عسكرية.

ولكن الحكومة السودانية غيرت رأيها بشأن الاتفاق. ووفق مصادر إعلام روسية، فإن الخرطوم تريد إعادة التفاوض حول الصفقة، حيث تسمح لروسيا ببناء القاعدة البحرية، والتي توصف رسميّا بأنها “مرفق دعم تقني مادي”، بشرط تقديم مساعدة اقتصادية للسودان. والأهم من ذلك أنها ستسمح للبحرية الروسية بالبقاء لمدة خمس سنوات فقط، مع إمكانية تمديد مدة الإيجار لما مجموعه 25 عاما حسب الاتفاق المبدئي. وبالنسبة إلى روسيا، سيشكل ذلك ضخ استثمارات ضخمة من جانبها من دون توفر ضمان الحيازة.

ويقترح السودان تعديل الاتفاق المبرم قبل المصادقة عليه رسميا من قبل البرلمان، ولم ترد روسيا رسميا بعد على ذلك المقترح. إلا أن الكرملين أشار من خلال مراكز الفكر والمحلّلين لديه، إلى عدم توفر الرغبة في المضي قدما في ذلك الاتفاق.

بيد أن تخلي روسيا عن خططها لفتح القاعدة البحرية بسبب هذا الطلب الجديد، سيُفسر على أنه هزيمة جيوسياسية أخرى لموسكو.

ومن جانب آخر، إذا وافقت روسيا على الشروط الجديدة، فليس هناك ما يضمن عدم تقديم الخرطوم لمطالب جديدة، كما أنه سيشكل سابقة جديدة لشركاء روسيا الآخرين حول العالم.

وفي وقت سابق من العام الجاري، أعلن رئيس أركان القوات المسلحة السودانية مراجعة الاتفاقية التي وقعتها بلاده مع روسيا. وبعد فترة وجيزة زار وزير الدفاع السوداني موسكو لبحث مصير القاعدة. وفي يوليو ألمحت وزيرة الخارجية السودانية مريم المهدي علانية إلى أن مستقبل القاعدة سيعتمد إلى حد كبير على “حل إيجابي لعدد من القضايا، وإن الخرطوم تعول على تفهم موسكو ودعمها”.

في غضون ذلك، ورد أن الولايات المتحدة عرضت حزمة مساعدات بالملايين من الدولارات للسودان مقابل إلغاء تلك الصفقة مع موسكو.

الخرطوم مفاوض شديد المراس بعكس ما اعتقدت روسيا، ولو أن تلك الشدة جاءت متأخرة عن موعدها، فلا يستطيع السودان مجاراة روسيا ولا رغبة لروسيا في التنازل أو المساومة

ومن الواضح أن السودان بحاجة إلى مساعدات مالية، إذ أن الحكومة السودانية تأمل في جذب الاستثمار الأجنبي بعد أن رفعت واشنطن اسم السودان من قائمتها للدول الداعمة للإرهاب، لكن تلك الآمال لم تترجم بعد إلى واقع.

وعليه، فإن كل ما يقوم به السودان يُعد بمثابة محاولات حثيثة لتحقيق أفضل المكاسب المتاحة له.

لدى روسيا ثلاثة خيارات: الأول هو توفير المساعدة الاقتصادية التي يريد السودان الآن تضمينها في الصفقة، والثاني الرفض وإلغاء الاتفاق، والثالث ممارسة الضغوط على الحكومة السودانية وإجبارها بصورة غير مباشرة على القبول بحل وسط، وقد تكون الورقة الرابحة لروسيا لممارسة الضغوط هي جمهورية إثيوبيا المجاورة للسودان.

وخلال زيارة مريم المهدي إلى موسكو، أعربت عن أملها في أن تتمكن روسيا من إقناع إثيوبيا بتقديم تنازلات في ما يتعلق بمستقبل سد النهضة الإثيوبي الكبير، وهو مشروع للطاقة الكهرومائية قيد الإنشاء على النيل الأزرق، وهناك توترات بين السودان وإثيوبيا والتي قد تتحول إلى مواجهة واسعة النطاق، وسبب تلك التوترات هو حقوق المياه في سد النهضة، واستخدام المزارعين الإثيوبيين لمنطقة حدودية خصبة يطالب بها السودان، بالإضافة إلى نزاع حدودي منذ عقود بين البلدين.

وسابقا، خلال القمة الروسية – الأفريقية لعام 2019 في سوتشي، أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى “قدرة روسيا” على المساعدة في تسوية النزاع متى دعت الحاجة إلى ذلك.

وبالتالي، فإن أحد الخيارات هو أن حل النزاع سيكون ذا قيمة أكبر بالنسبة إلى السودانيين من أي مساعدة اقتصادية قد يتمكنون من انتزاعها من فم الدب الروسي.

لكن تستطيع موسكو اللعب على الحبلين، ففي الرابع من سبتمبر اكتشف السودان وصادر 72 صندوقا من الأسلحة الروسية التي كانت على متن طائرة الخطوط الجوية الإثيوبية التي حطت في مطار الخرطوم، ووصفت السلطات المحلية الأسلحة بأنها معدة للاستخدام في “جرائم ضد الدولة، وإعاقة التحول الديمقراطي ومنع الانتقال إلى الدولة المدنية”.

ويبدو أن الشحنة كانت في الأصل من روسيا إلى إثيوبيا في عام 2019، وتشير التكهنات إلى كون الأسلحة كانت على متن رحلة تجارية، وبالتالي كان يمكن اكتشافها بسهولة، وعليه قد تكون رسالة إلى السودان ليتحلى بالجدية بشأن التزامه الأصلي.

ومن المقرر أن يجتمع مسؤولون من وزارتي خارجية روسيا والسودان في الحادي والعشرين من سبتمبر. فلنر ما سيحدث.

* سينديكيشن بيرو
جريدة العرب اللندنية



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: