الانقلاب وما أدراك ما الانقلاب!




الانقلاب وما أدراك ما الانقلاب!

الفاضل عباس محمد علي

إلى حد كبير يشبه واقعنا الظروف التونسية: فقد خرج بلدانا من قبضة المستعمر– الفرنسي هناك والبريطاني هنا- قبل ستين سنة، وظل كلانا يمشي مكباً علي وجهه متعثراً مرتبك الخطى منذئذ، بخلاف دول موفقة وناجحة نالت استقلالها معنا في منتصف القرن المنصرم– مثل الهند وإتدونيسيا وماليزيا وغانا؛ وخضع كلانا لحكم عسكري دكتاتوري دام لعقود عديدة اقتلعته ثورة شعبية– تونس فاتحة الربيع العربي عام 2011، وثورة ديسمبر 2018 بالسودان؛ وفي أثناء الفترة الانتقالية التي مر بها البلدان منذ ثورتيهما، ظل الصراع المستتر مستعراً بين الثوار الجدد من جانب، والدولة الإخوانية العميقة من الجانب الآخر.

ولما فشلت الحكومة التي جاءت نتثيجة للثورة التونسية في تحقيق الاصلاح والاستقرار والرخاء والأمن الذي كان الثوار يحلمون به، بسبب التشاكس والصراع بين القوي السياسية المنفذة للثورة، وبسبب مؤامرات الإخوان المسلمين الذين سارعوا بالتمكن من مفاصل الدولة، لجأت تونس لانقلاب القصر الأبيض السلس بقيادة رئيس الجمهورية نفسه الذي تسنم ذلك الموقع عبر انتخابات شعبية حرة نزيهة، وهو بروفيسير في القانون الدستوري. ولقد وقف الشعب موقف المتفرج، ولم يبد رفضاً واضحاً لتلك العملية الإنقلابية الخارقة للدستور. ولربما نظر انقلابيو البارحة بالعاصمة السودانية لذلك السناريو التونسي، وربما عولوا علي صمت الشارع التونسي كمؤشر لتحول الربيع العربي إلي خريف من الانقلابات العسكرية “المشروعه”، كنوع من الحل الاعتسافي للأزمة السياسية والاقتصادية الخانقة التي رزئت بها هذه البلدان المستغيثة.

ولربما نظروا أيضاً لتاريخ الانقلابات العسكرية السودانية الذي لا يخلو من المفارقات المدهشة، والطريفة في بعض الأحيان؛ فقد حدث أن قام الراحل خالد الكد عندما كان ملازماً بدبورة واحده – قام باتقلاب عام 1968 بصنف واحد من العساكر (أحد عشر جندياً وصف ضابط)، ومن أسباب فشل انقلابه انهم توجهوا لمجلس الوزراء في عنوانه القديم الذي كان قد رحل عنه منذ بضع سنوات. والانقلاب الآخر الغريب من نوعه هو انقلاب الإخوان المسلمين في 30 يونيو 1989 الذي نفذه مائة كادر إخواني متمنطقين بالزي العسكري، (متأسين بالبعث العراقي الذي استلم السلطة من عبد الكريم قاسم بهذه الطريقة)، علي ظهور أربع دبابات صلاح الدين وبضع حاملات جنود للإعتقالات، مع كمية هائلة من التمويه، عندما أوعزوا للجميع أن الانقلاب بقيادة هيئة أركان الجيش، وزجوا بقائد الانقلاب، حسن الترابي رئيس تنظيم الإخوان المسلمين، في سجن كوبر مع أول فوج من معتقلي الحكومة الديمقراطية والحركة السياسية.

ولكن الإنقلابيين السودانيين أخطأوا تماماً في قراءة المشهد:

  • فالتاريخ لا يعيد نفسه بهذه الصورة الأوتوماتيكية الساذجة، مشيك الحافر فوق الحافر؛ وبقدر ما تعلم الإنقلابيون من أحابيل جيلهم الأول الذي دبر ونفذ انقلاب يونيو 1989، فقد خبر الشعب السوداني إخوان الشيطان هؤلاء لنيف وثلاثين عاماً ظاهراً وباطناً وذاق منهم الأمرين، وتعرف علي جميع مكائدهم وبهلوانياتهم ومؤامراتهم وتمويهاتهم، ولا بستطيعون أن ينطلوا عليه مهما بدلوا جلودهم وغيروا خطابهم وتلاعبوا بالألفاظ.
  • وشعب ثورة ديسمبر لا زال يلعق جراحه من مجزرة فض الاعتصام، ومن الفظائع التي ارتكبتها القوات النظامية ومليشياتها بشوارع الخرطوم وغيرها من مدن السودان في فترة الثلاثة أسابيع العصيبة اللاحقة لفض الاعتصام- حتى موكب الثلاثين من يونيو 2019 الترليوني، الذي أربك حسابات العسكر وجعلهم يسعون للتفاوض من قوي الحرية والتغيير بعد أن قلبوا لهم ظهر المجن يوم 3 يونيو، أي علي إثر مقتلة فض الاعتصام. والحالة هذه، فإن أي حركة يقوم بها أي فصيل من الجيش لن تلقي ترحيباً من الشارع الذي ما زال شاخصاً أمام بوابات العدالة مطالباً بالقصاص.
  • أي حركة اانقلابية من لدن الجيش الحالي مشكوك فيها من البداية، فالناس جميعاً يعلمون أن القوات المسلحة والكلية الحربية لم تستقبل في صفوفها أي شخص لا ينتمي لتنظيم الإخوان المسلمين والمؤتمر الوطني من العام 1989، أي أن كل الدفعات الموجودة حالياً من ضباط وصف ضباط ينتمون للحركة الإسلامية، باعتراف البشير شخصياً في الفديو الذي يتم تداوله كثيراً والصادر كجزء من وثائقية أعدتها وبثتها قناة الجزيرة؛ ولقد أكد هذه الحقائق الضباط المفصولون الذين أعدوا كشوفات تفصيلية أثبتت أن 91% من القوات المسلحة الموجودة بالعاصمة المثلثة إخوان مسلمون. وأهلنا يقولون (الفي القدر يجيبه المغراف)، أي، كل إناء بما فيه ينضح. وعليه فإن أي حركة مثل تلك التي حدثت أول أمس مصدرها تنظيم الإخوان المسلمين، وتلك حقيقة يدركها جميع أبناء وبنات الشعب السوداني.

والمشكلة التي تواجه بلادنا هي أن الوضع الراهن ملئ بالمطبات والثقوب والأدران، وأن سفينة الثورة قد فقدت بوصلتها، وقد تسلل إلي قيادتها نفر من المعسكر الآخر المعادي، أي الثورة المضادة، مما غبش الوعي وعتم الرؤية وعمق الشكوك المتبادلة:

  • فلقد اشتد التوتر بين المكون العسكري وصنوه المدني، ودخلا في تبادل الاتهامات والنعوت mudslinging مما أضعف الثقة المتبادلة ووسع الشقة بينهما، والله وحده يعلم نتائج مثل هذه الأجواء المعتمة والمهزوزة.
  • مما لا شك فيه أن السنتين الماضيتين لم تشهدا أي تحسن في معاش الناس عما كان عليه الحال الذي تفجرت الثورة بسببه في ديسمبر 2018، وكل طرف يلقي باللائمة علي الأخر، ولكن من المؤكد هنالك حقائق موضوعية لا تنتطح حولها عنزان:
  • ظل الجيش والشرطة والأمن ضمن مسؤولية المكون العسكري المباشرة، وظلت أحوالها وكوادرها كما هي منذ عهد البشير؛ وتراها تخف للبطش بالمتظاهرين السلميين، وكثيراً ما تطلق عليهم الذخيرة الحية، في نفس الوقت الذي يتقاعسون فيه عن توفير الأمن للمواطنين الذين يتعرضون للسلب والنهب في وضح النهار من عصابات النقرز وغيرها، (ويقول الخبراء الأمنيون أن هذه العصابات تتألف من المجرمين الذي أطلقت سراحهم عضو مجلس السيادة عائشه موسي في زورة لمعتقل كوبر وهي في حالة من الأريحية التخريفيه senile ).
  • ظل المكون المدني يتحجّج في تردده بخصوص استحقاقات العدالة الانتقالية وتكوين المجلس التشريعي ببطء مجلس السيادة في إجازة القرارات التنفيذية التي تحتاج لأختامه، وظلت الجرجرة ديدناً ثابتاً لكل القرارات المنتظرة الخاصة بدفع عمليات تطهير جهاز الدولة والشروع في إجراءات الإصلاح وإعداد الأرض للتنمية، إلخ. وفي هذه الأثناء، جرت المفاوضات المطولة وباهظة الكلفة مع الجهات الحاملة للسلاح، وتكللت بما يسمي بسلام جوبا، وهو يعني فيما يعني تخطياً واختراقاً للوثيقة الدستورية، وانتهي فعلاً بتعديل تلك الوثيقة (التي لا يجوز تعديلها إلا بواسطة برلمان منتخب)، وجاء بموجب ذلك التعديل جيش عرمرم من المتنفذين الجدد بالجهاز السيادي والتنفيذي والولائي علي أساس المحاصصة بين تلك الحركات المسلحة والأحزاب التي انجرت وراءهم من الحرية والتغيير. ومن تلك النقطة بدأت الانتكاسة، إذ أصبحت كل التعيينات بموجب المحاصصات الحزبية والمناطقية، علي كافة المستويات، مثل الوكلاء والمدراء وعمداء الكليات وطلبة الجامعات، إلخ.
  • لا يستطيع رئيس الوزراء أن يرفض شخصاً جاء به حزبه، ولا يستطيع أن يوقفه عن العمل مهما كان أداؤه متواضعاً.

وهكذا، فلقد تعقدت أمور الحكومة الانتقالية بشقيها السيادي والتنفيذي، كأنما هنالك جهة تسعي لإفشال المرحلة الانتقالية لتبرر استيلاء الجيش علي السلطة لحسم التسيب والتلكؤ، وللسير بسفينة الثورة في مجراها الصحيح، كما سيدعي الإنقلابيون المفترضون.

بيد ن أي نوع من الانقلابات العسكرية مرفوض تماما لدي شعب السودان، وليس أمام القوي السياسية التي لا زالت في الساحة، مثل مكونات المجلس المركزي للحرية والتغيير والكتل التي غادرته مثل الحزب الشيوعي وبعض ممثلي التجمع، أن يعقدوا مؤتمراً عاجلا لإنقاذ المرحلة، وأن يدعوا له ممثلي الضباط المفصولين من الجيش والشرطة، وممثلي النقابات الشرعية والمفكرين الوطنيين الثابتين علي مبادئهم ضد الإسلام السياسي، في حضور المكون العسكري، لكي يعيدوا النظر فيما جري خلال العامين المنصرمين، ولكي يصدروا قرارات فورية ثورية حاسمه بتحقيق معطيات العدالة الانتقالية وبفضح ما تم بخصوص التحقيقات الخاصة بمجزرة فض الاعتصام، ولاعادة ضباط الجيش والشرطة المفصولين بواسطة النظام المباد، فوراً… إلخ.

إن الأوضاع في بلادنا في غاية الهشاشة، وهنالك شامتون وأعداء متربصون من الخارج، وما لم نتوصل لمثل القرارات الثورية المذكورة علي جناح السرعة، فقد نصبح ذات يوم لنجد أنفسنا كأبناء الشعب السوري الذي فروا من بلادهم كالحمر المستنفره التي فرت من قسورة، وخاضوا البحار وشقوا الوهاد وتسلقوا الجبال وتشتتوا في الأرض كقوم سبأ بعد أن تهدم سد مأرب.

والسلام.



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: