((همس الحروف) .. صورة نجاح من واقع الإنقلاب الفاشل .. تحليل سياسي)



☘️🌹☘️

✍️ الباقرعبد القيوم علي

ميكافلية الغاية تبرر الوسيلة ، تجعلنا نستفيد من هذا التمرين الجيد الذي دارت أحداثه أمس البارحة في وسط الخرطوم و الذي إنتهى به الأمر حسب ما كان مخططاً له و هو الفشل الزريع الذي قصد به النجاح ، فإِذا انتهى أي أمر إِلى منتهاه وبلغ قمة غايته ، فسينال ذلك إستحسان و إعجابَ كل من يراه بعين الرضى التي توافق بعض أعراض الدنيا ، و لكن النظر بعين العُجب قد تصيب النجاح بالعين و (العين حق) ؛ و‘عين الكمال‘ هنا يقصد بها “شؤم” النهاية ، فهل يعتبر فشل الإنقلاب هو الغاية التي أراد بها من خطط له نجاح فشلهم أم كانت هي الوسيلة التي بموجبها يتم تدبير شيء آخر أكبر من الصورة الذهنية السطحية التي يكون خلفها الحدث الأكثر أهمية .

سطحية الرؤية التي إنعكست من واقع ما حدث يوم أمس جعلت الكثيرين يعيدون قراءة المشهد عدة مرات ، مما إجتر لنا ذلك تلك المحاولة التي ولدت ميته و لم يتطرق لها أحد بعد أن بدأت سيرتها تأخذ حيزها في متاهات النسيان ، و هي محاولة إغتيال ضعيفة التصديق التي إستهدفت موكب السيد دولة رئيس مجلس الوزراء ، و التي قطعاً خطط لها مدبرها لتكون فاشلة فأخذت وسام نجاحها عند حدوث الفشل ولكن تبعتها نجاح إجراءات طلب البند السادس ، و هذا ما يقودنا للبحث في ما اتسع من نطاق شؤم “الصناعة الفاشلة” التي لو قالوا عنها فاشلة لأعطيناها صفة معيارية و هي خارج النطاق المعياري الذي يمنح هذه الصفات للأحداث .

هل كان هذا الإنقلاب فاشلاً أم نجح بامتياز ، فمن أوجه غرابته أو من أميز وجوه نجاحه تلك التمثلية التي يصعب تصديقها ، و هي ذهاب ضابطين أحدهما برتبة قيادية رفيعة ليترجى إدارة البث بتلفزيون السودان لوقف البث الروتيني و تشغيل بث المارشات العسكرية ، و هذا ما يعكس لنا جلياً أدب المشروع الإنقلابي الجديد الذي يقوم على ثقافة الاستئذان و أدب الطلب و جمال روح الطالب التي تقبل الرأي و الرأي الآخر موطنة لمبدأ ديمقراطي مهم يحترم التنوع و إن كان ذلك مخالفاً لرأي صاحب الطلب ، فلقد تم رفض طلبهم من قبل مهندس البث ، وحينها قاموا بشكره على عدم تفهمه لطلبهم و قاموا بتوديعه و من كان معه و رجعوا أدراجهم منتصرين لأنهم أوصلوا رسالة ناجحة بامتياز بأنه إنقلاب مدني صوري يحمل السلمية و الديمقراطية و إحترام وجهات النظر المتباينة .

الحرب الإعلامية التي نشأت بين المحاور الأيدلوجية لمحاولة لصق هذا الإنقلاب إن جاز لي أن أطلق عليه هذا الإسم ، تعتبر في حد ذاتها شهادة براءة لمدبري هذه المحاولة السمجة ، فحزب البعث ليس في حاجة للإنقلاب على السلطة لأنه بكل المعايير يعتبر هو الحزب الأكثر سيطرة على مقاليد الحكم في فترة الإنتقال و يستطيع أن يمرر ما يريد بامتياز و هذا ما يبعد عنه فرضية شبح هذه المحاولة ، أما محاولة نسب هذه المحاولة للإسلاميين كذلك يتعثر مرور هذا الفهم إلى أذهان العقلاء لأنه يشتهر عنهم تجويد التفاصيل وخصوصاً الدقيقة منها ، و يعتبر إنقلاب 89 تمريناً ناجحاً و يقف شاهداً على ذلك ، فمن المؤكد أن حسن صناعة التدبير ستكون أكثر دقة و تطوراُ و أوسع فهماً من هذه المحاولة التي كانت غايتها الفشل عبر أطر النجاح المتوفرة في الساحة و تقود إلى بلوغ هذه الغاية إن أرادوا ذلك .

فأما إذا كان من خططوا لهذا الإنقلاب هم من وردت أسمائهم في الكشف الذي تم الإعلان عنه فأريد أن أوجه لهم سؤال جوهري : ما هو الهدف الذي كانوا ينشدونه ؟ فهل كان ذلك من أجل السيطرة على مقاليد الحكم في البلاد ؟ أم أن الواصل إلى هذا الكرسي يجب أن تتوفر فيه صفة البلادة؟ ، أم كان ذلك فقط من أجل خلق فقاعة بالتدبير مع المدنيين أو العسكريين لمساعدتهم في تمرير أجندة خفية جديدة لا نعلمها كما كانت محاولة إغتيال سعادة دولة رئيس الوزراء؟ ، أم كان ذلك من هوى أنفسهم من أجل وضع أسمائهم في سجل الفاشلين لأن موسوعة جينيس تضم أيضاً في صفحاتها أرقاماً قياسية للباحثين عن الشهرة عن طريق الفشل ، من أربابيب العقول اليائسة الذين كانوا يسعون إلي مناصب الخلافة والإمارة و الوزارة بطرق كانت الأكثر فشلاً في العالم ، و لكن ما ينفي هذا المبحث هو ما يتمتع به اللواء عبد الباقي حسن بكراوي من صفة القيادة و حسن التخطيط و حدة الذكاء العالي و ما يحمله في أتون ذهنه من إستراتيجيات يشهد له بذلك كل من نشأ معه أو زامله أو درّسه في كلية القادة و الأركان أو جالسه و لو لفترة قصيرة ، و لعلم كل من يجلس مع هذا الرجل بإمكانياته ، فهو يعتبر مدرسة من أجل صناعة النجاح لكل ما هو قابل للتخطيط ، لإشتهاره بالتريث وعدم العجلة مع حدة الذكاء ، فكيف يخطط بوضع نهايات عمره بهذا الغباء الذي تمت به إحداثيات هذا الإنقلاب ، و هذا ما يجعلني أن إستبعد هذا المبحث و أذهب إلى البحث في الفرضية التي تذهب بأنه أمر دبر في ليل من أجل شيء أكبر من ما يتوقع البسطاء ، و خصوصاً أن بكراوي ما زال في فترة نقاهة من مرض عضال لا يقوى على دخول الحمام إلا بمساعدة أحد أفراد أسرته ، فكيف يُزج به في هذه المحاولة التي لا تشبهه و لا تضاهي حجم عقله الضخم ، و التي صنعت صناعة من أجل الفشل ، و أقول للذين أصدروا أمر توقيفه أن يراعوا فيه الله لأنه يحتاج إلى عناية طبية عالية ، وإلا سيكون الموت مصيره بلا شك في سبيل قصة ليس لها بداية ولن تكون لها نهاية ، و سيكون دمه في أعناق من خطط لذلك .




مصدر الخبر موقع صحيفة الوطن الإلكترونية

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: