البرهان: شكل الشراكة لن يتغير.. (فرامل) الشركاء عند احتدام الأزمة.. هل ستعبر بسنوات الانتقال؟


تقرير: هبة محمود
ها هو شهر سبتمبر (الثورة) و (الانقلاب) يعلق عشريته الأخيرة على ترقب الأحداث بين شركاء الانتقال، وتسطير السجال ما بين الاتهام والدفاع، على طلق الهواء والعلن، عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة الثلاثاء الماضي. وفي حين اتجهت كل الأنظار نحو المرحلة المقبلة بين فض الشراكة أو استمرارها، هدأت وعلى نحو مفاجئ حدة (لغة) المدنيين والعسكر على حد سواء، وبدأت تنحو نحو خط التهدئة، بأن سبق رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك عشية الاتهامات التي أطلقها رئيس مجلس السيادة ونائبه في المرخيات، مصرحاً بأن الجيش الذي حمى الثوار أمام القيادة العامة لا يمكن أن ينقلب وان الفلول هم من يرغبون في الردة، ثم لم تلبث أن تلت تصريحات رئيس الوزراء تصريحات للبرهان مساء أمس الأول، مفصحاً عن رغبته في استمرار الفترة الانتقالية بشكل سلس دون الحاجة إلى انتخابات مبكرة، مؤكداً أن شكل الشراكة لن يتغير تهدئة الوضع أو (الفرملة) إن صح التعبير، من قبل قادة الحكم المدني والعسكري، والمضي في امتصاص الغضبة عند احتدام الازمة، هل ستعبر بسنوات الانتقال؟
السياسة لعبة الممكن
وصف ابن خلدون في مقدمته الشهيرة في القرن الرابع عشر الميلادي، حال الدول عندما تنهار قائلاً: (عندما تنهار الدول يكثر المنجمون والمتسولون والمنافقون والمدّعون والكتبة والقوّالون والمغنون النشاز والشعراء النظّامون والمتصعلكون وضاربو المندل وقارعو الطبول والمتفيقهون وقارئو الكفّ والطالع والنازل والمتسيّسون والمدّاحون والهجّاؤون وعابرو السبيل والانتهازيون. وتتكشف الأقنعة ويختلط ما لا يختلط ويضيع التقدير ويسوء التدبير وتختلط المعاني والكلام ويختلط الصدق بالكذب والجهاد بالقتل). ولعل وصف ابن خلدون غير أنه ينطبق على قذارة العمل السياسي، ينطبق ايضاً على حالة الهرج التي عاشتها دول كثيرة عقب ثورات الربيع العربي. وإن كان السودان بعيداً عن حالة الانهيار الموصوفة هذه، الا انه يعيش حالة من الهرج والمرج السياسي عقب سقوط البشير في أبريل ٢٠١٩م في شراكة الساسة والعسكر، بينما تعج الساحة بكثير من وصف ابن خلدون. وبحسب مراقبين فإن الأمر يتطلب الحكمة وضبط النفس خاصة ان الشراكة بين هذين المكونين بدأت بخلافات عميقة ولم يتم التوصل الى صيغة توافقية إلا عقب مخاض عسير وسباق ماراثوني انتهى في قاعة الصداقة في (١٧) اغسطس، وهو تاريخ توقيع الوثيقة الدستورية. وعلى الرغم من ذلك إلا أن حالة الشد والجذب بدت واضحة رغم إصرار الطرفين على الظهور في مظهر توافقي وتناغمي اماطت اللثام عنه محاولة (البكراوي) الانقلابية الفاشلة، والتي جعلت كل طرف يخرج الهواء الساخن من صدره، وسط ترقب سياسي ومجتمعي لمالات المرحلة المقبلة.
الظروف حكمت
وفي هذا السياق يرى خبراء في الشأن السياسي أن ما حدث في الايام الفائتة من حالة الشد والجذب بين الشركاء يمكن وضعه في خانة أن السياسة هي لعبة الممكن والمستحيل، وما تلاه من تبعات يعتبر أحد فنونها. هذا من واقع منظور السياسيين، لكن وفق نظر الشارع العام فللأمر حساباته المختلفة، وهو أن مستقبل الشراكة في خطر، ولعل الانقسام بدأ واضحاً يومها بين مؤيدٍ للمدنيين ومؤيدٍ للعسكريين، غير أن رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك آثر امتصاص الغضبة بمغازلة العسكر عقب الاتهامات التي طالتهم بضلوعهم في الانقلاب والتمهيد له من خلال السيولة الأمنية واندلاع أحداث الشرق، حين ذكر أن الجيش الذي حمى الثوار في القيادة العامة لا يمكن أن ينقلب، رامياً اللوم على الفلول الراغبين في الردة بحسب ما صرح، فبدأ بنظر الكثيرين مؤيداً في السر ومحايداً في العلن، لكن طبيعته في التعامل مع الأوضاع جعلته يسير على هذا النهج وهو ما عده البعض نوعاً من انواع الحكمة، سيما أن حساسية الأوضاع بالبلاد لا تتحمل أي انفجار.
ووفقاً لمصادر لـ (الإنتباهة) فإن رئيس الوزراء غير راضٍ عما حدث، لكن طبيعة الانتقال حتمت عليه ضرورة (الفرملة) للعبور بالبلاد إلى بر الأمان بدلاً من التصعيد في ظل تعدد الجيوش بالبلاد. وطبقاً للمحلل السياسي خالد البشير لـ (الإنتباهة) فإن ما حدث يعتبر بمثابة (كبسولة) سياسية عند اللزوم دائماً ما يستخدمها السياسيون وقت الأزمة. ويصف خالد الأمر بـ (العادي) وأنه حالة من حالات إظهار القوة لكل من الطرفين.
حالة دفاع
وعلى الرغم من رؤية البعض لما حدث من زاوية إظهار القوة ورد الاعتبار، عقب الاتهامات التي تم تبادلها أخيراً، الا ان البعض الآخر عد تصريحات رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان عبر قناة (الحدث) أمس الأول (انبراشة) لاعتبارات كثيرة، في أولها انه رئيس مجلس السيادة وتصرفاته تحسب عليه، وثانياً أن نبرة غضبه كانت عالية حيث كال الاتهامات في كل الاتجاهات نحو السياسيين. ووفق مراقبين فإن تراجع البرهان لا يعدو عن كونه تراجعاً عقب الضغط الذي مورس عليه من قبل المجتمع الدولي، بجانب الإدانات والشجب الصادرة من منصات عالمية. فقد ندد المجتمع الدولي والغربي بالاتهامات المتبادلة بين الشركاء في أعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة. وفي هذا المنحى يرى المحلل السياسي خالد البشير ان الامر لا يمكن وضعه في قالب الخوف من المجتمع الدولي، لأن البرهان شدد من خلال اللقاء على عدم تحمل القوات المسلحة الأحداث الأمنية وعدها أمناً داخلياً، وهو بذلك يرمي الكرة في ملعب رئيس الوزراء ووزير الداخلية. ويذهب البشير إلى أن الحكمة هي التي جعلت البرهان يتحدث عن ضرورة استمرار الشراكة من واقع الخوف على البلاد وليس خوفاً من المجتمع الدولي، مؤكداً أن النظام السابق ظل لسنوات خارج منظومة المجتمع الدولي دون اكتراث. ويرى في السياق نفسه أن ما أقدم عليه طرفا الشراكة سيجلب عليهما النقد، لكن هي حالة دفاع في المقام الأول أكثر من كونها اي شيء آخر.
رد فعل الشارع
تأثير الاتهامات بين المكونين أشعلت الشارع وجعلته ينقسم، في وقت رأت فيه مكونات تابعة للمدنيين أن الأحداث اعادت اللحمة الوطنية التي اندثرت عقب الثورة بين المكون المدني مرة أخرى، وعجت يومها وسائل التواصل الاجتماعي بصورة للشهيد عبد العظيم وهو يقف في مواجهة العسكر، لتصبح (ترند) يعبر عن الرفض الشديد لتصريحات البرهان وحميدتي التي اطلقاها في المرخيات، وذهبت إلى أبعد من ذلك بأن زادت من شعبية حمدوك، لكن في المقابل انقسمت شريحة اعتبرت أن ما يحدث بسبب ضعف المدنيين وبطئهم في إكمال هياكل السلطة والانشغال بالصراع على المقاعد وإهمال المواطن. وفي ظل كل ذلك اعتبر المحلل السياسي محجوب محمد ان ما حدث من الطرفين سواء كان حمدوك أو البرهان في تهدئة الأوضاع أمر يصب في صالح المرحلة الانتقالية، مؤكداً في حديثه لـ (الإنتباهة) أن تعقيدات المرحلة تحتم ضرورة تحكيم العقل من الجميع في ظل وجود متربصين. ويرى في السياق نفسه أن حمدوك والبرهان يتمتعان بحكمة تحسب لهما وليست عليهما، وقال إن ما حدث هو حالة دفاع أكثر من كونها فضاً أو تراجعاً عن الشراكة، مؤكداً أن كلا الطرفين لا ينفكان عن بعضهما، لأن العسكر يعلمون أن عهد الانقلابات ذهب إلى زوال وان الحكم في كل العالم صار مدنياً، كما تعلم قوى التغيير أن المكون العسكري يشكل لها حماية، ويجب أن تتم الشراكة بشكلها الحالي لحين قيام الانتخابات.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: