في حالة نجاحه.. الانقلاب.. سيناريوهات محتملة


قراءة: أحمد طه صديق
ربما كان العهد المايوي برئاسة جعفر نميري من أكثر الحقب السياسية في السودان وربما في المنطقة كلها التي شهدت العديد من الانقلابات ومحاولات انقلابية فاشلة بعضها لم يتم إعلانه مثل محاولة ضابط صف حاول الانقلاب على النظام وقبض عليه وهو يحمل كفنه.
غير أن الفريق إبراهيم عبود الذي تسلم السلطة بعملية انقلاب أو تسلم السلطة من رئيس الوزراء عبد الله خليل في نوفمبر 1958م يمثل أول حكم عسكري يطيح بحكومة ديمقراطية مدنية.
غير ان كلاً من عبود والنميري أطاحت بهما ثورة شعبية عارمة واعقبتهما فترة انتقالية محدودة، ومن ثم قيام انتخابات تعددية أسفرت عن تكوين حكومة مدنية.
لتأتي الجبهة الاسلامية وتطيح بالحكومة المدنية عبر انقلاب عسكري في الثلاثين من يونيو 1989م، لتطيح بها ثورة ديسمبر الشعبية وتكوين الحكومة المدنية الحالية برئاسة د. عبد الله حمدوك التي واجهت سيلاً من التحديات والمطبات والمتاريس المفتعلة من قوى النظام السابق، تمثلت في الحرب الاقتصادية وصناعة الأزمات الخدمية وحياكة التفلتات الأمنية في العاصمة والولايات بشكل لم يسبق له مثيل. ويرى الكثير من المراقبين أن تنفيذ حوادث النهب والترويع والقتل أحياناً في وضح النهار وبشكل سافر دون مواربة القصد منه إثبات أن البلاد وصلت الى حالة متأخرة من الفوضى والسيولة الأمنية، علاوة على صناعة الشائعات وتوجيه الحملات الاعلامية المكثفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي او عبر بعض الأقلام الصحفية، وذلك بغرض تكريس عقل جمعي مناهض للحكومة المدنية، وكل ذلك ربما تتم صناعته عبر غرفة سرية لعناصر النظام المخلوع تمهيداً لعودتهم أما عن طريق الانتخابات القادمة او عبر انقلاب عسكري.
ويبدو أن شبق السلطة لعناصر نظام الجبهة الإسلامية جعلهم يستبعدون مؤقتاً الانتظار حتى الانتخابات القادمة في ظل حملة متزايدة تطيح بكوادرهم من مفاصل الدولة بواسطة لجنة إزالة التمكين، ولهذا فإن عمليات زعزعة الأمن الاجتماعي تزايدت بشكل مكثف حتى اهتزت صورة العاصمة الآمنة التي تميزت بها عبر الحقب المختلفة.
تحريض انقلابي
وبلغ التصعيد ذروته ضد الحكومة المدنية، عندما اعلن رئيس المجلس الأعلى للبجا والعموديات المستقلة الناظر سيد ترك قفل الطرق الرئيسة لولاية شرق السودان شملت قفل طريق العقبة المعبر الرئيس للواردات والصادرات السودانية عبر مينائي بورتسودان وسواكن، واغلاق كل بوابات الميناء الجنوبي واحتجاز العديد من الشاحنات، كما شمل الإغلاق منطقتين بكسلا وثلاث مناطق في ولاية القضارف بحسب مصادر (الإنتباهة)، ولم يكتف الناظر ترك بمطلبه الأساس بإلغاء مسار الشرق الذي أقرته اتفاقية جوبا للسلام، بل طالب بحل الحكومة المدنية، وحرض البرهان وحميدتي على استلام زمام الأمور في الدولة وتسييرها عبر مجلس عسكري جديد بقيادتهما بحسب ما تحمله معاني كلماته، وفي إطار مسعى العسكرة قال الأمين السياسي لمجلس النظارات إنهم يرفضون الجلوس مع المدنيين للتفاوض ولكنهم لا يمانعون في الجلوس مع الفريق الكباشي.
ويبدي العديد من المراقبين بل حتى العامة دهشتهم من التصعيد ضد الحكومة المدنية، في حين أنها لم تصنع مسار الشرق كما هو معلوم، بل أداره ورعاه بعض قادة المكون العسكري الذي يدعونه الآن لاستلام السلطة.
وقد أسفرت كل الخطوات التصعيدية الممنهجة عن محاولة انقلابية فاشلة الثلاثاء الماضي تقف خلفها جحافل عناصر نظام الجهة الاسلامية بحسب الحكومة والعديد من المصادر.
وقد وجدت المحاولة سخطاً كبيراً من الشارع بحسب الميديا الالكترونية والاستطلاعات التي قام بها عدد من القنوات التلفزيونية، كما لاقت استهجاناً ورفضاً من الكتل السياسية المختلفة فضلاً عن المجتمع الدولي، وكذلك من لجان المقاومة التي لم تبدأ التحرك باعتبار أن الانقلاب تم إعلان احباطه قبل أن يتمكن من بسط يده على مفاصل الحكم.
الا أنه رغم الرفض من التيارات السياسية وادانتهم المحاولة الانقلابية الفاشلة، لكن ربما لا يعبر ذلك عن المواقف الحقيقية لبعضهم في حال نجاح الانقلاب، سيما إذا لم يكن يتبع تماماً للنظام السابق.
فهناك كتل عديدة خارج منظومة الحرية والتغيير حانقة على النظام المدني، بالاضافة إلى تيارات أخرى تضررت مصالحها في ظل الحكومة الديمقراطية الحالية، وتريد أن تستعيد مراكز القوى التي كانت تتمتع بها في السابق.
سيناريو الانقلاب
لكن ماذا إذا نجح الانقلاب الفاشل أو تمكن مغامرون آخرون من الوصول إلى سدة الحكم؟ وما هي التداعيات المتوقعة والخطوات الأولية التي سيتبعها الانقلابيون؟
على الصعيد المحلي من المتوقع أن يوقف الانقلابيون العمل بالوثيقة الدستورية وتعليق كل الصحف عدا صحيفة القوات المسلحة، وتعليق القنوات الفضائية الخاصة والإذاعات المحلية على الأقل مؤقتاً، واعتقال عناصر من قيادات الحكومة على رأسها رئيس الوزراء ومن الحرية والتغيير والاحزاب السياسية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي وعدد من رموز المقاومة في الاحياء السكنية وتعليق شبكة النت.
وستبدأ قيادات من تجمع المهنيين والمقاومة بمحاولات تنسيق، لكنهما سيواجهان صعوبات متعددة في ظل الرقابة الأمنية وصعوبة التلاقي المباشر واستحالة التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد تعطيل شبكة النت، الا ان لجان المقاومة ستعاود العمل بنفس التكتيكات الناجحة التي لجأت إليها بعد عملية فض الاعتصام وقطع شبكة النت.
كما سيعلنون بعد يوم او يومين حل لجنة إزالة التمكين وإلغاء كل قراراتها، والإعلان عن تكوين مفوضية للفساد في وقت لاحق.
كذلك لن تمضي أيام قليلة حتى يبدأون في إطلاق سراح بعض رموز النظام البائد، بينما سيبقون القيادات البارزة إلى مرحلة أخرى.
ومن المتوقع بدء المقاومة القوية بعد اليوم الثالث أو ربما الرابع، بعد تنظيم صفوف المقاومة الشعبية وتناسي خلافاتها الايديولوجية والسياسية، وستنطلق المواكب النهارية والمسائية وتتريس الشوارع الرئيسة وفي شوارع الأحياء السكنية المختلفة.
ردود الفعل السياسية
على الصعيد الدولي سيواجه الانقلاب رفضاً قوياً من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، وستهدد جميعها بتعليق الدعم للسودان وفرض عقوبات على قادة الانقلاب، كما من المتوقع أن تطلب من الدول العربية الثرية عدم دعم الانقلاب الجديد لاحكام الحصار عليه.
بينما ستدلي الدول العربية والإفريقية ببيانات متحفظة حول الانقلاب تبدي فيها حرصها على استقرار السودان والحفاظ على وحدته واستقراره.
غير ان الاتحاد الإفريقي سيعلن رفضه للانقلاب وعدم الاعتراف به، لكنه لن يذهب أكثر من تلك الخطوة الاجرائية.
أما داخلياً فيسعلن قادة من الاحزاب المشاركة في الحكومة أو حتى غير المشاركة مثل الحزب الشيوعي من الذين لم يتم اعتقالهم رفضهم للانقلاب عبر بعض القنوات العربية، في حين ان الحركات المسلحة المنضوية تحت لواء الجبهة الثورية ربما ستكتفي بالصمت في تلك المرحلة إلى حين توفيق اوضاعها عبر ترتيبات امنية، وربما تسكين سياسي في حالة قبول بعضها المشاركة في الحكم.
استعادة الحكم المدني
وبالرغم من الصعوبة العملية لاستعادة الحكم المدني في حالة نجاح الانقلاب لصعوبة وجود عناصر تتعاطف مع الحكم المدني داخل المنظومة العسكرية في ظل الظروف الحالية التي واجهت الحكومة المدنية والتقاطعات بين المكونين والخطاب السياسي لبعض الكتل السياسية الذي ربما احدث أحياناً جفوة بين المدني والعسكري، لكن مع ذلك لن يكون الأمر مستحيلاً في حال حدوث تصعيد شعبي كبير ومتواصل مع استمرار الدعم الدولي القوي للانتفاضة الشعبية، ووجود عناصر شابة مستنيرة في القوات المسلحة تؤمن بمهام القوات المسلحة الحقيقية في حماية الوطن والبعد عن المعتركات السياسية وحماية التحول الديمقراطي.
وإذا ما عاد الحكم المدني من جديد سيتم الاتفاق على إعادة الحكومة المدنية من جديد بنفس تشكيلتها، تجنباً لحدوث فراغ سلطوي وتهديدات أمنية جديدة، رغم بعض الاعتراضات سيما من الحزب الشيوعي وبعض لجان المقاومة.
لكن الحكومة ستواجه تعقيدات متعددة من قبل الحركات المسلحة في حال تمت اعادة النظر في اتفاقية جوبا أو رفض مكاسب حصلت عليها من قبل الانقلابيين، كما ستواجه مشكلات من شرق السودان بقيادة الناظر ترك وإعادة سيناريو قفل الشرق والدعوة للانفصال هذه المرة صراحة.
لكن ربما تكون هناك حلول أكثر جديةً وربما براغماتية إذا دعت الضرورة.
تعديل الوثيقة الدستورية
وستكون أولى مهام الحكومة المدنية بعد عودتها من الانقلاب في حالة حدوثه، تعديل الوثيقة الدستورية وإعطاء الحكومة حق الاشراف الكامل على الاجهزة الأمنية، مما يمكنها من احداث تحولات كبيرة في هيكلتها وتصحيح مسارها بالاتفاق مع المكون العسكري الجديد الذي ستكون صلاحياته منحصرة في مجلس السيادة فقط والمشاركة مع المكون المدني الذي ربما تحدث فيه تغييرات محتملة، وقد تؤول القيادة للعسكريين في مجلس السيادة لمدة محدودة مناصفة بينه وبين المدنيين حتى نهاية الفترة الانتقالية.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: