الغالي شقيفات يكتب : إلى الرفيق جمعة هري في عليائه


رحل عن دنيانا الفانية المهندس جمعة هري بوش يعقوب، الأمين السياسي لحركة جيش تحرير السودان قيادة مناوي وهو ليس على الله بعزيز، وفي مثل هذه الحالات نكتفي أن تخرج مشاعر حزننا وأسانا عبر دموع صامتة مع استرجاع شريط الذكريات القريبة والبعيدة، ويزداد الألم أن جمعة رحل وهو بعيدٌ عن أسرته الصغيرة التي غاب عنها منذ توقيع اتفاق السلام، وترك حتى أعماله التجارية وشركاته في أمريكا من أجل القضية التي آمن بها ودفع فيها الغالي والنفيس, الوقت والمال والجهد وفقدان الأقربين, رحل جمعة وترك سِجلاً حافلاً بالعطاء والنضال والمواقف الجسورة, نعم فقدت حركة مناوي أباً كبيراً وداعماً وناصحاً ومرشداً ومفكراً، إلا أن الفقد ليس لهم وحدهم بل لكافة أهل دارفور وللجالية، بل وللجاليات السودانية في مختلف الولايات الأمريكية، فقد كان جمعة أبرز المُحرِّكين للفعل السياسي والاجتماعي في شرق الولايات المتحدة سواء كان منظمات أو حركات كفاح مسلح أو روابط اجتماعية أو خدمية، فهو كان له السبق في كل نفرة أو عمل خير، دائماً تجد جمعة في مقدمة الصفوف وأول الداعمين، ونستمد منه الشجاعة في الدعم الاجتماعي فكان القدوة في أي عمل إنساني.

جاءنا يحمل كشف دعم طالبات دارفور الذين شُرِّدوا من الداخليات بسبب عجز الجهات المسؤولة عن تسديد فاتورة الإيجارات لعدة مواقع، فكان هو المتصدر، ثم أزمة الطالب بقاري فكان هو الأول، حتى نفرة مزبد القريبة، جمعة بكل شجاعة أعلن تبرعه لدعم المنطقة بعشرة آلاف دولار حوالي خمسة مليارات وهو من قرية جيقي نواحي مزبد بمحلية امبرو في ولاية شمال دارفور وهو أمر غير مُستغرب في مواقف الفقيد الذي عاشرناه وعشنا معه، فهو يضحي بوقته الغالي من أجل العمل العام، وله إسهاماته ومواقفه الواضحة في ثورة ديسمبر، وكالعادة في الكثير من الفعاليات يقوم جمعة بتوفير الدعم اللوجستي لافتات, وسائل حركة, بوسترات, وجبات وبعد انتقاله من نيويورك لمنزله الجديد في فلادلفيا كان أكثر حضوراً في المحافل الاجتماعية، وعندما اعتزمت الجالية شراء دار تم فرض ألف دولار للأسرة و750 دولاراً للعزابة والدار التي كان يومها قيمتها 300 ألف دولار واليوم قيمتها مليون دولار قدم فيها جمعة المعلومات الدقيقة للجالية، حالة المبنى وعمره ومستقبله وتكاليفه، وهو من أكبر ثلاثة متبرعين من أبناء دارفور لمشروع دار الجالية الذي يقف الآن شامخاً للأجيال القادمة، وغداً يفتخر به أبناء أشرف وأيمن وصفاء ويقول الأحفاد كان أجدادنا هنا.

وكل أسرة جمعة هري بأمريكا دفعت فاتورة النضال في دارفور، وقد شاهدت الأستاذة أديبة حرم المرحوم تتقدم الصفوف وترفع اللافتات في المسيرات والمظاهرات في كل من واشنطن ونيويورك وفلادلفيا وأمام مباني الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي على نهر هدسون في الصقيع والمطر وبرد أمريكا القارس، وآخر مشاركة لنا مع الفقيد في المسيرة الكبرى التي أسقطت النظام البائد من وشنطن، وقبل التحرُّك من فلادلفيا سألني عربيتك جاهزة من كل شيء، قلت نعم حافظ الشارع كويس، قلت نتبادل السواقة مع الزعيم أبو سكين العميد حالياً في الحركة الشعبية قطاع الشمال، فأجابني خلاص أبو سكين معلم مافي عوجة نتوكل، وأبو سكين حافظ الشارع من بنسلفانيا إلى واشنطن “مخرج مخرج”، له أكثر من 17 سنة بطلع مظاهرات ويشارك في المؤتمر، كنا مطمئنين الزول معلم كبير، وكان معنا في الرحلة الدكتور علي دينار وحافظ شقيفات وشخصي والعميد جار النبي أبو سكين والدسوقي نصر زوج أختي عليها رحمة الله وهو من الركابية نواحي شمال كردفان، إلا أنه ظل مدافعاً عن قضية دارفور، والمرحوم يقول له نحن نعتبرك مننا، ولذلك تدفع الدية ذاتو معانا، وكان النقاش والهم تغيير النظام والتحول الديمقراطي وقضية دارفور حاضرة.

رحل جمعة ولم يتحقّق حلمه, عودة النازحين واللاجئين إلى قراهم التي هجروها, رحل ولم يشهد التنمية التي خطّط لها وعمل من أجلها, طرق تربط دارفور بكل دول الجوار, حكومة إقليم قوية تنزع حقوق أهل دارفور, فقد كان الفقيد رجلاً مصادماً ولا يهادن ولا يجامل، وقد نعاه خصومه قبل أصدقائه, فنبأ وفاة جمعة كان أشدّ إيلاماً على الجالية قبل حركة تحرير السودان. وعلى حركته تحقيق حلمه وتكملة المشوار، فالرجل ترك كل متاع الدنيا في أمريكا لأجل إرساء قيم السلام والاستقرار والحياة الكريمة لشعبنا، وقد أدار ملف يوناميد الذي كلفه به حاكم إقليم دارفور وقد شاهدناه أيضاً مهموماً بملف إسكان منسوبي السلام وكان يسهر من أجل راحتههم.

ألا رحم الله الفقيد جمعة هري بوش بقدر ما قدّم لوطنه ومجتمعه، وخالص التعازي لأسرته الصغيرة بولاية بنسلفانيا ولأسرته بالفاشر وامبرو ولرابطة أبناء دارفور بنيويورك ولرفاقه في حركة تحرير السودان مناوي.

(إنا لله وإنا إليه راجعون)

 



مصدر الخبر موقع الصيحة الآن

أضف تعليق