منى أبوزيد تكتب : هناك فرق – كآبة سِياسيّة..!


“يجب أن يفشل التاريخ، يجب أن يفلس التاريخ، وعلينا أن نعلن هذا لكي يشعر الشباب بأنهم على طريق البداية. فإعلان الإفلاس هو أول خطوة في الطريق الصحيح”.. مالك بن نبي..!

العالم الثالث ليس تصنيفاً – فكرياً، سياسياً، اقتصادياً، اجتماعياً – نتضجَّر أحياناً من دلالاته الاستعلائية فحسب، بل هو أيضاً فرز دقيق لمقدرات الشعوب على حراسة منجزاتها الثورية واختيار البديل الديمقراطي الأمثل. والتاريخ يقول إنّ الأبلسة والإقصاء كانا ضمن مآلات العَسف الثوري والعُنف الأوتوقراطي الذي أعقب ثورات الربيع العربي..!
من آفات السياسة السودانية أن معظم ممارسيها يعتبرون الحديث في حد ذاته إنجازاً، يتحدّثون عن الديمقراطية ثم يُطالبون غيرهم بتحقيقها. ومعاركهم القائمة على تراشق التصريحات تشهد على أنهم أبعد ما يكونون عن العقلية التداولية. الحكومة الانتقالية، بعضها في قيلولة متقطعة، وبعضها الآخر يناشدون آخراً “ما” لدعم مواقفهم، وكأنهم حفنة ناشطين..!
بينما الأجدى والأولى أن يخرجوا جميعاً من قوقعة أفكارهم، وأن يتصرّفوا مع مختلف فئات هذا الشعب كبشر، وليس كأيقونات يسهل تحريكها، ويصعب – إن لم يكن يستحيل – الاقتراب من أسباب غضبها وتسكين أوجاعها..!

الحديث عن الإصلاح السياسي في هذا السودان – “شراكة كان أم إشراكاً” – قديم متجدد، فلماذا تعَثَّر حيناً ثم تعقد أحياناً؟. لأن إرادة التغيير – أياً كان شعارها – شرطها القدرة على التشخيص، بالمراجعة النقدية والمُحاسبة العقلانية لأخطاء المؤسسة أولاً. فالرهان “بعد خسارة القضايا على يد حملتها ودعاتها” يجب أن يكون على الشجاعة في نفض العدة، والنجاح في إصلاح المنهج، وتطوير المفاهيم، عوضاً عن إهدار المزيد والمزيد من الفرص..!
لا مجال للتفكير في مشاكل هذا السودان بعقلية أحادية، لا بد من العمل بعقلية الشراكة ولغة التوسط ومنهج التعدد. لا بد أن يضع الساسة الحاكمون في حسبانهم أن ثائر الأمس الذي قدَّمهم لتمثيل ثورته، وأجلسهم على كراسي حكمه، هو ذاته مواطن اليوم الذي كان ولا يزال يُطالب بالأمن والخبز والكرامة..!
لا بد من إعادة النظر في أمر الشعارات الممجوجة التي خذلت – أول ما خذلت – دعاتها أنفسهم، وانطفأ بريقها ولم تعد تعني شيئاً في عهد المواطن الجديد الذي بات يضن بثقته على أي حكومة تنشغل بتدوير الاتهامات، والتنصل من المسؤوليات، وتبرير العجز، وإدمان الشكوى..!
عندما انتصرت هذه الثورة كانت الأحزاب السياسية في السودان لا تزال تبحث عن معنى متفق عليه للممارسة الديمقراطية داخل أسوارها وعلى طاولات نقاشها، وهي – كما ترى – حال برتبة “مصيبة” لا يمكن تفكيك أسبابها أو تفنيد أطرافها بعيداً عن أزمة النخب السياسية القديمة المتجددة، والغياب المستمر لدور المثقف العضوي، المهموم بالمناهج والمباديء، قبل الخلاصات والمكاسب..!
كثيرة هي الحكم السياسية المأخوذة من أفواه المُستبدِّين، وقديماً قال لينين “إن المثقفين هم أقرب الناس إلى الخيانة لأنهم أقدر الناس على تبريرها”. وعلى ضوء هذه العبارة يمكن تحديد مزالق وعلل وإشكالات ومهالك الممارسة السياسية في هذا البلد. بدءاً بغياب الرؤية الفكرية المتماسكة لمفهوم الممارسة الديمقراطية عند المؤسسين والرواد ومن ثم ورثتهم غير المجددين، مروراً بالتركيز المُخل على المواقف والأدوار على حساب المنهجية والأفكار، وليس انتهاءً باجترار عيوب النشأة واضطرابات التشكيل..!
العبرة السياسية المستقاة من تواريخ الشعوب تقول إن الدول متعددة الأعراق – السودان مثالاً – تحتاج لضمان تماسكها أن يزاوج نظام حكمها بين الديمقراطية والفيدرالية – أن يزاوج بينهما، لا أن يزج بهما! – تلك المزاوجة هي الخيار الأمثل لتفادي إشكالات التنافر العرقي والتناحُر القبلي والإقصاء المركزي والتهميش المناطقي. فهل – يا تُرى – من مُذَّكٍر..؟!

[email protected]



مصدر الخبر موقع الصيحة الآن

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: