زين العبدين صالح يكتب: السودان و البحث عن التفكير العقلاني


زين العابدين صالح عبد الرحمن
العملية الانقلابية الآخيرة، التي تم احباطها قد أحدثت بالفعل انقلابا على الحالة السياسية الساكنة، حيث بينت أن هناك خلافا مستترا بين المكونين ” القوى المدنية و العسكرية” حيث أتخذ كل منبرا يتهم الأخر بالفشل و عدم تحقيق أهداف الفترة الانتقالية. هذه الحالة من المشادة تبين أن حوار الصراحة بين المكونين غير موجود، كما يحاول كل جانب أن يقدم من منصته خطاب استقطاب، فالدعوة ليست مختصرة على أهل الحكم بل تعدت ذلك للجمهور، و حتى النخب المثقفة المرجو منها رجاحة العقل داخلت دائرة الاستقطاب. ففقدت العديد من العقول حكمتها لكي تطفي جذوة النار قبل اشتعالها. و من جانب أخر أن الاتهامات المتبادلة، و دعوة كل جانب بصراحة القول أنه الجانب القيم على العملية السياسية و قيادة البلاد لآنجاز الفترة الانتقالية بسلام، تؤكد عمق الهوة بين الجانبين، و كأن الجانبان كانا منتظرين أي مناسبة لكي يخرج كل جانب براكين القول المحملة في صدره.
أن العملية السياسية مهما تجاوز حدة القول فيها، الإ أنها قد فتحت بابا للصراحة و المكاشفة و الشفافية، و سمحت لكل أن يخرج ما في صدره و يقدمه كتابا مفتوحا أمام الناس، أن التفكير بصوت عالي و تعدد المأخذ و الاتهامات و الخطاب النقدي يجب أن يؤخذ من جانبه الايجابي، الذي يفضي لحوار ليس بين فئة محدودة، و لكن أن يطال كل المجتمع، و تبيت دعوة الرجوع لمنصة التأسيس مطلوبة من قبل الجميع. ولا سيما إذا استطاع البعض أن يفكك تلك الخطابات بهدف معرفة المشترك فيها و أيضا أماكن الخلاف، بعيدا عن المزايدات السياسية، و بعيدا عن عمليات التخوين التي لا تجلب غير المواجهة. أن الخطابات رغم أنها أخذت طابع الحدة لكن الذي يبحث عن نصف الكوب المملوء سوف يجد هناك مشتركات يمكن البناء عليها لكي تعتبر مخرجا للأزمة، و الأشياء المختلف عليها تخضع لمزيد من الحوار، لكن في ظل التحولات الاجتماعية و السياسية من نظام شمولي إلي نظام ديمقراطي يجب أن يكون الحوار واسعا، تشارك فيه كل التيارات الفكرية حتى يتم الضمان لاستقرار الحكم الديمقراطي مستقبلا.
هناك أقول صدرت من بعض السياسيين تمثل علامة مضيئة في مسيرة العمل السياسي، و تهدف بالفعل أن تحتوي المشكل و تحاول من خلاله إيجاد حل لكل أزمات البلاد، و بالتالي يكون الخطاب تقدم خطوة في اتجاه قضايا الوطن. حيث يقول الأمين العام في حزب الأمة القومي السوداني الواثق البرير، “ظللنا في حزب الأمة نتحدث لفترات طويلة عن مخاطر ومهددات الفترة الانتقالية، وقد تضمن مشروع العقد الاجتماعي كل الحلول الممكنة، فالآن نحن بحاجة إلى معالجة العقبات الواضحة والماثلة أمامنا، وهذا يتطلب توحيد القوى السياسية في جسم واحد عريض يمكن البلاد من العبور بهذه الفترة الانتقالية.” مع احترامنا للسيد الواثق البرير أن القوى السياسية كانت في جسم واحد ثم خرج منه البعض بسبب الخلافات، و أيضا بسبب قلة تتحكم على هذا الجسم و تريد أن تديره بالصورة التي تخدم مصالحها الضيقة، و حتى عملية العقد الاجتماعي لا يصاغ من قبل السلطة بل هو اتفاق سياسي يجب التوافق عليه، و هذا يتطلب حوارا موسعا سياسيا و اجتماعيا. باعتبار أن الديمقراطية يتتطلب أوسع قاعدة اجتماعية. إلا أن هناك قوى لا تملك هذه القاعدة الاجتماعية و تتحكم في المشهد السياسي، هؤلاء لا يخدمون فكرة التحول الديمقراطي في البلاد، و الغريب أن موقف حزب الأمة فيعه ضبابية من العملية، مرة مع مجموعة المجلس المركزي و مرة أخرى مع مجموعة اللجنة الفنية. و يضيق أضاف البرير قائلا “في الحقيقة نحن محتاجون لوحدة الصف وليس التشظي، وفتح حوار جاد وشفاف مع المكون العسكري، وألا يكون حواراً دبلوماسياً، يناقش المطلوب خلال هذه الفترة بكل وضوح وشفافية، وإذا حدث ذلك فمن المؤكد سيكون العبور إلى الأمام حليفنا. كما لا بد من مخاطبة قضايا المواطن الحقيقية بخاصة المعيشية في ظل قساوة الحياة اليومية، وهذا لن يتأتى إلا بتحسين الأداء التنفيذي لأجهزة الدولة، فضلاً عن أهمية التناغم بين شركاء العملية الانتقالية من عسكريين ومدنيي” أن حراك حزب الأمة مطلوب في هذا الظرف الخطير الذي يمر به السودان، باعتباره الحزب ذو القاعدة الاجتماعية العريضة، و يسمع له الكل، و يجب عليه أن يسعى لتوسيع دائرة المشاركة، و خاصة للقوى التي كانت قد شاركت في الثورة و لم توقع علي إعلان الحرية و التغيير. و يجب أن تكون هناك مشاركة واسعة في المجلس التشريعي حتى يؤدي إلي تضييق دائرة الاحتجاجات في المجتمع. و معروف أن هناك قوى سياسية ليس لها أي قاعدة اجتماعية لكنها تمارس ” السلوك الريديكالي ” لكي تمنع الآخرين من المشاركة. و إذا تم حصر الحوار بين المجموعة الضيقة التي تتمثل في السلطة التنفيذية و العسكريين لن تحل المشكل بسبب الثقة المفقودة بينهما، لذلك البلاد تحتاج لمشاركة أوسع حتى تضيق دائرة المحتجين، و تسرع بإكمال الفترة الانتقالية و تحقيق أهدافها، لكي تنتقل البلاد للمرحلة المقبلة التي يقول فيها الشعب رأيه و يختار ممثليه في انتخابات حرة.
و في ذات الموضوع قال يحي الحسين رئيس كتلة حزب البعث السوداني لـ(الصيحة)”إن الفترة الانتقالية لا تحتمل المناورات والتكتيك، وأضاف أن القوى الثورية لا زالت تمد حبل الصبر لإعادة الهيكلة وتنفيذ برنامج الثورة، وأكد أن الحل هو عمل ثورة داخل الثورة، وأضاف “بمعنى نعمل انقلاب داخل الثورة وإعادة ترتيب المشهد”، وقال إنّ ثورة ديسمبر لا تشبه الثورات السابقة، لأنها مستندة على ركيزة قوية وهي الشارع الذي أجمع على عدم عودة النظام البائد.” أن عملية البناء و الثورة لا يلتقيان، و أن البلاد يجب أن تكون قد تجاوزت مرحلة الثورة بعد توقيع الوثيقة الدستورية، و أصبحت محكومة بشرعية دستورية و يجب عدم الخروج عنها. لكن الهشاشة التحالفية بين المدنيين و بين العسكر، و أيضا الخلافات بين المدنيين أنفسهم و حالات التصعيد المستمر تجعل عملية الاستقرار السياسي مواجهة بالعديد من التحديات، التي تربك المشهد السياسي كله، و هناك قيادات و قوى سياسية لا تريد أجلا محددا للفترة الانتقالية بل أن تمدده باستمرار، و هذه محاولات غير مقبولة، لذلك الخروج من الثورية و احترام الوثيقة الدستورية مسألة مهمة جدا. و أن كان رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان في اللقاء الذي أجرته معه “قناة الحدث” قال أن بقى للفترة الانتقالية سنتين و يجب أن تنتهي فيها كل الإجراءات التي تؤدي إلي الانتخابات. هذا القول أيضا لا تؤيده بعض القوى السياسية، و تعتبره تحدي لها.
و في منبر أخر: قال محمد الفكي عضو مجلس السيادة في لقاء “لتلفزيون السودان” عن محاولة لتعديل المعادلة السياسية بأن يكون هناك أشخاص موجودين في المشهد السياسي لديهم علاقات تتسق أو تتشابه و تمثل الطرف الآخر من العسكريين وقال (هذا مخل بالشراكة وأمر خطير وهذا ما يسمى بالإنقلاب الأبيض وانقلاب على العملية السياسية) هل نسي عضو مجلس السيادة محمد الفكي أن العملية السياسية مسألة متحركة، و تدور وفقا للمصالح، و ليست هناك تحالفات ثابتة و دائمة على طول. و المسألة محكومة أيضا بتوازن القوى في المجتمع، بالأمس كانت الجماهير هي صمام الأمان لعملية التحول الديمقراطي، لكن هذه الجماهير أصبحت منقسمة و ليس بفعل العسكر لوحدهم أيضا بفعل الحاضنة السياسية. و الآن إذا شكل المجلس التشريعي و توسع دائرة المشاركة فيه كل العملية السياسية سوف تتحول في ساحة المجلس التشريعي و لا يصبح هناك أي دور للحاضنة سياسية. و نسأل الله حسن البصيرة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: