طرق ومصارف الخرطوم..  السقوط في امتحان (المطر)


وزير بنى تحتية سابق: شبكة الطرق الحالية عمرها (12) عاماً وآن الأوان لعمل طبقة جديدة
استشاري هندسة مرور: الحل في إنشاء طرق (تجارية) بمقابل مادي
تحقيق: هويدا حمزة
كتبت الناشطة اسفيريا الدكتورة عزيزة كرار على صفحتها بفيسبوك: (قوات مشتركة نزلت تمشي العربات.. انا ماشة ساعتين في الشارع عشان اوصل، عملنا ثورة وما في شيء اتغير بالعكس ماشين من سيئ لأسوأ).
الشاهد ان صفاً جديداً أضيف لصفوف الخبز والوقود والغاز وغيرها من الصفوف اليومية، حيث تنتظر السيارات الزاحفة دورها لـ (العبور) في الطريق الذي يبدو شبيهاً بعبور الحكومة نفسها التي لم تكلف نفسها حسب الشارع العام شفط المياه على أقل تقدير، ناهيك عن الصيانات المؤقتة للطرق الرئيسة التي كانت تتم سنوياً لمجابهة فصل الخريف لمنع تراكم المياه، إضافة لشفط المياه من الشوارع والانفاق التي صاحب انشاءها أخطاء هندسية ربما كان مبعثها الفساد أو إسناد الأمر لغير اهله من ذوي الخبرة والكفاءة، إذ أن امطاراً خفيفة كفيلة بجهجة مرتادي الطرق بل الطرق نفسها وكثير منها جرفته مياه السيول، والسؤال لماذا تخترق المياه الاسفلت؟ وهل هي حالة عامة الطرق في العالم كله ام ان طرقنا استثناء؟
سيارات في (فتيل)
وليس بعيداً عن المنشور أعلاه، فقد اجبرني ارتباط ما على العودة الى منزلي قبل يوم من كتابة هذه السطور عن طريق كوبر، ومازلنا نزحف حتى وصلنا إلى منطقة (القنطرة) ونحن نتأهب للعبور الى حلة كوكو، وكانت السيارات تزحف كالسلحلفاة أو أشد بطئاً، فإذا ببعضها تخرج عن الطريق الرئيس لتفادي الزحام وتسير على الطريق الترابي المغمور بالمياه رغم كونه ممتلئاً بالحفر والمطبات التي لا تحمد عقباها، ولكن السيارات المتمردة على الطريق المزدحم تفاجأت بـ (خور) ممتلئ بالمياه ذات اللون الأخضر الزاهي يسد الطريق فوقف (حمارها في العقبة)، ولم يبق أمامها سوى العودة مرة أخرى الى (جادة الطريق) الذي استعصم عنها بـ (التلتوار)، ولكن ليس من التحدي بد، وعندما حاول قائد السيارة الصالون عبور التلتوار الى الطريق الاسفلتي امسك الاخير بتلابيب السيارة من اسفلها ولم تستطع منه فكاكاً، مما حدا بصاحبها الى النزول ومحاولة زحزحتها وسحبها الى الطريق وقد امتلأت يداه وثيابه بالطين، فالتف حوله بعض الشباب لمساعدته، مع ملاحظة أن سيارات أخرى تنتظر دورها للعبور.
لا ندري ماذا حدث بعد ذلك، فقد بدأ الشارع يتحرك قليلاً قليلاً وعيوننا على الطبلون لمراقبة لمبة الوقود خشية احمرارها، وربما استغرقنا حوالى ثلاث ساعات في المسافة من حلة كوكو الى الفيحاء التي لا تستغرق في الظروف العادية اكثر من ربع ساعة بالكثير.
وهذه الواقعة ليست وحدها، فقد شاهدت بأم عيني هايس شريحة وهي تجثو على ركبتيها في الطين قبل لفة الوالي نهاية الفيحاء وبداية حي الجامعة صبيحة ليل ممطر، مما جعلني افضل الخروج بالمواصلات على قيادة السيارة وقد فعل مثلي كثيرون.
كذلك انتشرت في الوسائط كثير من السيارات الغاطسة في الحفر وسط الطرقات الاسفلتية البائسة في صالحة وأمبدة، حتى أن بعض المواطنين أصبحوا يضعون علامات على الحفر كرسي او لستك او قناية.. الخ لينتبه الناس الى الحفرة.
ميكانيكي بعد كل مطرة
وتقول الدكتورة عزيزة كرار لـ (الإنتباهة) انها عند هطول اية مطرة تخرج من بيتها في الطائف عند الساعة الثامنة صباحاً وتصل الى مكتبها عند العاشرة لأنها تملك سيارة، اما الموظفات اللاتي يعملن معها فاحداهن عادة تستغل الترحيل، ولكن السائق اعتذر لها وقال لها: (معليش المطرة جنب باب بيتكم ما بقدر اخش ليك) فغابت عن العمل، والأخرى وصلت الى العمل عند العاشرة والنصف لانها بصعوبة وجدت مواصلات، اما اذا طلبت (ترحال) فسيعتذر أيضاً ويقول لك معليش عربيتنا واطية لازم تطلبي عربية عالية، اما الركشة فهي أيضاً لا تستطيع العبور، وسيارتك نفسها (لحدي ما تصلي الظلط بتكون وقعت في ستين الف حفرة ده لو انتي وصلتي الشغل والعربية ما وقفت ليك)، واذا وصلت فستصلين متأخرة وتأخرين الناس الذين تقدمين لهم خدمة. واقسمت عزيزة بالله انها بعد كل مطرة تذهب للميكانيكي، والأخير اذا فتح كبوت السيارة فقط ياخذ ثلاثة آلاف جنيه، فهناك خسائر مادية ونفسية ومعنوية. وهذا موال بعد كل مطرة، حسب محدثتي التي أضافت وهي في قمة انفعالها قائلة: (اي حاجة حاصلة لينا الآن حصلت لينا زمان.. كنا بنتضجر من الخريف ومن سوء الشوارع وعدم الشفط والمياه المتراكمة البتتحول بعد كده لبرك ناقلة للأمراض بواسطة البعوض والذباب والحشرات، وغيرنا الحكومة الفاتت لشنو؟ عشان نلقي ناس ينشلونا من الوسخ العايشين فيهو، ولكن للأسف غطسنا اكثر واكثر في الوحل، عاوزة اعرف الإتغير شنو؟ على الاقل احترمونا واطلعوا قولوا لينا يا جماعة نحن ما عندنا قروش نشفط.. ما عندنا قروش نصلح ليكم الشوارع.. نحن وصلنا مرحلة ندعو ربنا انه المطرة ما تنزل ونلعن اليوم البتنزل فيه مطرة لشنو؟) وبينت ان هذا الحال ستؤثر في الاقتصاد نفسه، فعندما يعجز الموظفون عن الذهاب للعمل دولاب العمل سيتوقف وحركة البيع والشراء ستتوقف.
نتيجة مخالفات
وزير البنى التحتية سابقاً والخبير في التخطيط العمراني دكتور شرف الدين بانقا قال لـ (الإنتباهة): (ان مشكلة الطرق هي المياه لأنها تخرب الطرق، إضافة إلى أن المياه نفسها بدأت اتجاهاتها تتغير نتيجة لمخالفات كثيرة، مثل إغلاق المصارف بالاوساخ والبناء على مصبات الخيران واقتطاع أجزاء من الطرق، وكل ذلك يغير اتجاه المياه الطبيعي، وأيضاً لم تعد هناك فراغات حيث تم بناؤها، كما أن الأمطار زادت نتيجة لتغير المناخ، وسابقاً الأمطار كانت قليلة ولم تكن أولوية ومازالت كذلك، فليست هنالك جهة مسؤولة منها لا المحلية ولا الولاية، فكل تلك مشكلات اعترضت التصريف وبالتالي اعترضت الطرق)، ويواصل شرف الدين قائلاً: (التخطيط أيضاً ساهم في هذا الخلل، فالطرق مفروض تخطط في اتجاه المياه، بحيث تكون غربية اكثر من كونها شمالية جنوبية لأن مياهنا تتجه للنيل الأبيض اكثر من اتجاهها للنيل الأزرق).
سؤال مهم
ولكن السؤال لماذا تخترق المياه الاسفلت خاصتنا؟
ويجيب محدثي قائلاً: (في أوروبا مثلاً الأمطار تنزل يومياً لكنها لا تخترق الاسفلت، ومن ثم نريد أن نعرف لماذا لا يكون الاسفلت عندنا مصمتاً بحيث لا تخترقه المياه؟  والكادر الهندسي أصبحوا شباباً غير مدربين، وهذا هو الحال في التصريف والطرق والكهرباء والمياه والنفايات والمواصلات، وكل الخدمات البلدية ليس لدينا فيها متبصر او من اخذ دورات تدريبية خارجية، يعني ممكن واحد من الشباب ديل ما شاف عربية ستة متر يعمل ليك شارع كله ستة متر، فالتدريب بالنسبة للمهندسين مهم جداً، وأيضاً الجامعات بحاجة لتحديث مقرراتها، فالمهندس المدني يجب أن يكون ملماً بكل الخدمات البلدية).
ورثة الإنقاذ
وصحيح الطرق موروثة من النظام السابق، ولكن هناك من يقول هذا صحيح، ولكن الطرق في العالم كله تحتاج للصيانة الدورية مثل المساكن والسيارات وغيرها، فأين الصيانة الدورية؟ ولم يتم حتى رفع التراب من جنبات الطرق وفتح المصارف، وسابقاً كانت هنالك ميزانية لغرفة طوارئ الخريف تعادل ميزانية إنشاء الطرق طول السنة، ولكن الآن لا توجد.. فقد سقطت البيوت، ومشكلة الدولة الآن انه لا توجد ميزانية يتم تحديد الصرف على أساسها.
آن الأوان لتجديدها
وحسب وزير البنى التحتية سابقاً الدكتور أحمد قاسم فإن شبكة طرق ولاية الخرطوم تبلغ (4000) كلم إلا قليلاً، وتم تشييد الجزء الأكبر منها ما بين عامي 2000 ــ 2015م، مستفيدةً من بيئة السلام في تلك الحقبة ونجاح ولاية الخرطوم في توليد موارد ذاتية ضخمة، إضافة لموافقة البنك المركزي على تمويل مشروعات البنى التحتية بواسطة المصارف التجارية، وساعد في ذلك ايضاً استقرار سعر صرف العملة المحلية، وكذلك ترفيع إدارة الطرق بالولاية الى هيئة في عام 2010م، وظلت الولاية الممتدة المتسعة يوماً بعد يوم في عوز شديد لخدمات الطرق والصرف السطحي، ولقد تركز جهد الولاية في تشييد المصارف الكبرى التي وصل طولها الى (2000) كلم، ولم تسعف قدرات الولاية أن توازي بين التشييد في الطرق والتشييد لمصارف الامطار، فظلت كثير من مشروعات الطرق الكبرى لم يتم تشييد نظام تصريف مثالي لها، أو لم يتم ربط نظام صرفها بالمصارف الرئيسة.
ويجيب الدكتور قاسم عن لماذا تخترق المياه الأسفلت؟ فيقول: (معلوم فنياً أن الماء عدو الاسفلت، وان بقاء المياه على سطح الطرق لساعات طويلة يؤدي الى تفكك الرباط بين الاسفلت والحصى، وهو الشيء الذي حدث فعلاً في معظم الطرق التي غمرت بمياه الامطار فظهرت الحفر هنا وهناك).
وادركت وزارة البنى التحتية صعوبة متابعة شبكة الطرق الممتدة مركزياً، فانشأت سبعة فروع للوزارة بالمحليات السبع، وكان ذلك في عام 2014م, وتم تزويد كل فرع بمعدات لصيانة الطرق ونظافتها، وكانت واجبات كل فرع ما يلي:
أ/ ازالة الاتربة ونظافة عرض كامل الطريق.
ب/ صيانة الطريق اولاً باول.
ج/ المحافظة على مستوى الطريق ليكون اعلى الاكتاف حوله حتى لا تتجمع المياه داخله.
د/ مساعدة السلطات المحلية في تسوية الشوارع الداخلية.
ولكن مع تقدم الزمن تعطلت آليات فروع الوزارة بالمحليات، وقصرت في اداء واجباتها.
ويردف محدثي قائلاً: (شبكة الطرق الحالية تبلغ من العمر في المتوسط (12) عاماً، وهو عمر كافٍ لطبقة الاسفلت، مما يستدعي عمل طبقة جديدة overlay بكامل الشبكة، ولكن مع تشييد نظام تصريف مثالي للطرق، والبداية تكون بعمل صيانة طارئة لكامل الشبكة يتبعها مشروع تأهيل الطرق الرئيسة ثم الفرعية).
غرق الخرطوم
واتصلنا تلفونياً بمدير هيئة الطرق والجسور بولاية الخرطوم المهندس محمد المثنى حسن مصطفى، لنسأله ان كانت لديهم ميزانية لصيانة الطرق لمجابهة فصل الخريف؟ ولماذا لم تتم الصيانة حتى الآن؟ ولماذا لم يتم شفط المياه من الشوارع من باب أضعف الإيمان؟ فتفضل مشكوراً بما يلي:
وقال: (لدينا ميزانية لصيانة الطرق وطرحنا عطاءات ولكن الصيانة لا تتم في فصل الخريف، وفي هذا الوقت تتم تدخلات معالجات لأن الاسفلت اذا وضع على الطريق فيجب الا يتعرض للمياه لمدة (21) يوماً، لذلك سنبدأ الصيانة في الأول من أكتوبر بعد الخريف، فكل تلك كانت فترة استعدادات للصيانة، ولدينا اعلانات يومية في الصحف طرحنا فيها عطاءات تشييد وعطاءات صيانة وتأهيل طرق وعطاءات توليف خلطة اسفلتية وعطاءات شراء بترومين، وسنبدأ الصيانة في الاول من أكتوبر في المحليات السبع، وفي هذه الفترة لدينا تواصل مع إدارة المرور ليحددوا لنا الحفر الكبيرة فنقوم بمعالجات بالمواد الترابية والردميات الحمراء والحجر المكسور للمعالجة، والمحليات أيضاً تفيدنا في هذا الجانب، ولدينا رصد للحفر القديمة ورصد أيضاً للحفر التي ظهرت بعد الخريف، وفرقنا تعمل الآن لتحديث المعلومات حول تلك الحفر بالتنسيق مع إدارة المرور والمحليات).
وبالنسبة للمصارف التي شهدت سقوط بعض السيارات فيها بعد أن غطتها مياه الامطار، يقول المثنى: (اشتغلنا في المصارف والتروس النيلية وفي مجاري الخيران والسيول قبل الخريف، ولا بد انك لاحظت انه لم تحدث كوارث الخريف التي تحدث في كل سنة، ولم تسمعي (الحقوا ناس شرق النيل.. الحقوا ناس الجريف شرق والعيلفون وأم دوم، وناس ام ضواً بان غرقوا وناس جبل أولياء غرقوا وناس السروراب والشقيلاب غرقوا).
قلت المثنى ربما لأن المطر لم يكن كثيراً هذا العام، فاجاب قائلاً: (إن منسوب النيل وصل في هذا العام الى (17.40) متر وحد الفيضان (16.30) متر، يعني زدنا من الفيضان (90) سم، ولولا العمل الذي انجزناه قبل الخريف لغرقت نصف الخرطوم، واي ترس وضعنا فيه طلمبة مياه لشفط الأمطار في فصل الخريف، ويمكن أن نوصلك بتيم شرق النيل ليخبروك عن الأنقاض التي اخرجناها من المصارف وأين وضعناها وهي موجودة، اما ما ترينه في الشارع فهو مخلفات نظام قديم، فقد شيدوا شوارع بدون مصارف، وهذه نقوم بشفطها في الخريف، وفي هذا العام شفطنا (50) تانكراً، ومحطة (13) مثلاً عسكرنا فيها ثلاثة ايام، واجرينا فيها معالجات كبيرة لأنها كانت تحبس مياهاً بصورة خرافية، وحفرنا ثلاثة مصارف، ومصرف كسلا عسكرنا فيه لمدة (15) يوماً حتى اكملنا نظافته، كذلك مصرف عبد القوي وشارع (1) بالحاج يوسف والردمية ومصرف المحس كل تلك قمنا بتطهيرها، وفي هذا العام صبت ثلاث مطرات بمقدار (80) ملي وهذه يعرفها ناس الزراعة، فهي كفيلة بانبات السمسم والعيش لأنها امطار غزيرة، ولاننا بذلنا جهوداً كبيرة لم تشعروا بغزارة تلك الأمطار).
واقر المثنى بوجود مناطق تحبس المياه، وقال: (لا توجد بها مصارف، وهي مخلفات نظام قديم بنى شوارع من غير مصارف، وهذه لا نستطيع معالجتها بين يوم وليلة بل على مدى سنوات، وبدلاً من تشييد شوارع كان أولى عمل مصارف، إضافة لازدياد عدد سكان الخرطوم، فقد كانت هنالك قطع اراضٍ كبيرة تستوعب المياه ولكنها عمرت الآن واصبحت المياه تخرج الى الشوارع وكل ذلك عالجناه).
وسألت المثنى هل ميزانيتكم كافية لانجاز هذا العمل المكلف؟
فأجاب محدثي بقوله: (نحن سندير الميزانية بالشكل الأمثل الذي يجعلنا نخرج بصورة جيدة من كل المشكلات في الطرق الرئيسة).
طرق تجارية
مهندسون مدنيون تحدثوا لـ (الإنتباهة) واقترحوا طرح الطرق لشركات القطاع الخاص لصيانتها وإعادة تأهيلها، على أن يكون السير على الطرق التي تربط بين المدن الثلاث عبر الكباري وكذلك الطرق الكبيرة كشارع الستين وعبيد ختم برسوم تحددها تلك الشركات، بينما تظل الطرق داخل المدن مسؤولية الحكومة دون رسوم.
وقال استشاري تخطيط النقل وهندسة المرور وخبير اقتصاديات النقل مهندس عثمان حيدر عبد الهادي: (إن الطرق التجارية موجودة في كل العالم، والاتجاه السائد الآن في الدولة ان كل شيء بـ (قروش)، فلماذا تظل الطرق مجانية وقد عجزت الدولة عن صيانتها؟ خاصة ان سعر كل شيء في ازدياد، كما تضاعفت اسعار قطع الغيار، فهل توجد ميزانية في البلاد للصرف منها على الطرق والجسور؟

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب





مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: