هل توجد في تشاد شرطة مرور؟


د. حقار محمد أحمد

سؤال يبدو غريبا في الوهلة الأولى، ولكن الواقع المعاش يزيل ذلك الاستغراب، فنجد سيارات ودرجات نارية وهوائية تأخذ عكس السير وتمر تحت ذقن من سمته الحكومة بشرطي المرور، أو توقف مركبة من المركبات الكبيرة او الصغيرة في منتصف الشارع العام تغلق الشارع العام أمام المارة الراكبين منهم أو الراجلين دون أن يحرك الشرطي ساكنا، وهو يمارس أكثر مهام رجال الدرك والجمارك والأمن العام ووحدات مراقبة الوزن الزائد لحماية الطرق المزفلة في طول وعرض بلاد القرد الفطيس توماي ولد جراب الذي توفي منذ اكثر من ٧ ملايين سنة، وحظيت باهتمام بالغ تشاديا وأوروبيا وعالميا، وانفق عليه أكثر من الإنفاق على الفقراء والمساكين والجياع من أهل تشاد وقال لنا الباحث الفرنسي برونيه هذا جدكم الأعلى فقلنا بلى وانت من الصادقين.

والشرطي في تشاد لا يهمه مرور مركبات بدون لوحات ومن غير المصابيح في الليل أو استخدام الكشافت التي لا يجوز استخدامها إلا في وقت وجود ضباب كثيف أو المطر أو الديمة من بعض الناس والمركبات المقابلة تفقد الرؤية وتحدث حوادث المرور وبمثل هكذا الاستخدام فقدت تشاد كثيرا من أبنائها من أمثال الخليفة مصطفى علي ززرتي سلطان كانم رحمه الله، وعدم منع المواكب الفوضاوية للزواج. وماذا ترتب على هذا الإهمال والتسيب وبسبب هذا الإهمال ترتب عليه الأمور التالية :

1- متوسط وفيات حوادث المرور في العاصمة ٧ أشخاص يوميا فضلا عن الجرحى والمكسرين الذين يتحولون إلى فئة المعاقين إلى الأبد.

2- متوسط وفيات حوادث المرور في تشاد٢٦٥٠ ضحية في السنة (تقرير وكالة اكوفين Ecofinلعام٢٠١٨) و٧٥%من هؤلاء أعمارهم أقل من ٤٠ سنة وهم من فئة الشباب الذين هم حاضر الأمة ومستقبلها وهذا كثير جدا نسبة لعدد سكان تشاد وفي تشاد كل ٢٩،٧ من كل ١٠٠٠٠ شخص يموت بحادث مروري وفي إفريقيا كلها يموت ٢٤ شخص من كل ١٠٠٠٠ شخص( حسب تقرير أمن الطرق في إفريقيا ليوم ٢٩ أكتوبر عام ٢٠٢٠ م في ياوندي )وبهذه المقارنة تتضح درجة الخطورة هذا الأمر في تشاد.

3- وهذا الإهمال والتسيب السائد يكلف خزنة الدولة ٧٢ مليار فرنك سيفا في السنة وما يعادل ١٣٢ مليون دولار أمريكي وهذا يشكل ١،١٢%من دخل الوطني للدولةفضلا عن ٥ مليون دولار من البنك الدولي في السنة. فما هي الأسباب الأخرى لهذا الترديء غير الإهمال والتسيب؟ لا شك في أن هناك أسباب أخرى غير ما ذكر في صدارة المقال ويمكن اجمالها بما يلي:

– وصول إلى المدن الكبيرة والمتوسطة عدد كبير من البدو والريفيين من أهل القرى ابتداء من عام ١٩٧٩م إلى اليوم وهم يشكلون اليوم ٨٠% من سكان معظم المدن الكبيرة فالبدوي او القروي الذي يقود سيارة في المدينة يقودها على غرار قيادته للجمل في الصحراء أو جواده أو حماره أو ثوره يوقفهم حيث يشاء، ويتوجه بهم إلى اليمين او اليسار أو إلى الأمام أو التقهقر إلى الخلف كما يشاء، ودون ان يزعج أحدا او الأضرار بأحد لأن الصحراء مترامية الأطراف والقرى لها مساحات واسعة مع قلة السكان وفي المدن هناك زحمة الناس والسيارات والمباني وطرق السيارات في مدن تشاد ضيقة مثل لسان العصفور ورفيعة مثل السيف السريجي اليماني فلا تتحمل هذه الطرق في المدن ثقافة البدوي أو الريفي في قيادة وسائل التنقل او من اهل المدن الذين تغيروا إلى ثقافة البدوي في المدن بدل حدوث العكس .

4- وجود النسب العالية من البدو والريفيين في أجهزة الشرطة عامة وشرطة المرور خاصة والشرطي البدوي يرى هذه الحركة المرورية الفوضوية المهلكة للناس طبيعية لانه يقسيها على حيوانات الركوب في البوادي والريف.

5- انتشار الجهل والأمية المنتشرة في صفوف الشرطة. وبعض ايراد هذه الأسباب اختم المقال ببعض المقترحات لعلها تعين على تخفيف من حدة هذه الظاهرة في تشاد التي ليس لها مثيل في القارة الأفريقية ومن هذه المقترحات:

1- القيام بحملة تثقيفية واسعة مستدامة تعين البدوي والريفي على كيفية العيش في المدن في جوانب كثيرة في العلاقات الاجتماعية والاندماج في حياة الحضر وتنمية السلوك والروح المدنية والتمدن.

2- القيام بحملة محو الأمية واسعة النطاق تستهدف البدو والقرويين في المدن وتنظيم دروس محو الأمية إجبارية لافراد الشرطة في كافة الأراضي الوطنية في المدن الكبيرة. 3- دروس إجبارية لأفراد الشرطة وكافة أجهزة الأمن حول قوانين المرور لحل مشكلة جهل المكلفين بتطبيق قوانين المرور بهذه القوانين .

4- اعداد افلام قصيرة واقعية حول قوانين واشارات المرور باللغة العربية والفرنسية وبعض اللهجات التي لها انتشار كبير ويتم عرضها في كافة الوسائل الاعلامية بإستمرار ومدعومة باشارات ورسومات وشروحات توضيحية للقاريء وغير القاريء.

5- القيام بحملة سحب كافة رخص القيادةةالمزيفة وفرض غرامات على حملة الرخص المزيفة وعلى المخالفين لقوانين والأنظمة المرورية.

6- القيام بحملة منع الواسطات تدخل المسؤولين الكبار لمنع حسن تطبيق الأنظمة المرورية على الجميع وهذه التدخلات اثرت على همة الشرطي وهيبة الدولة .

7- على المواطنين إعانة رجال الشرطة لمنع بعض الأفراد التمادي في الخطأ.

8- على كافة الوسائل الاعلامية الخاصة والمراكز الثقافية والتعليمية والبحثية والاجتماعية والإنسانية والمؤسسات الدينية الاهتمام بهذا الموضوع الذي يدعوا إلى هدف من أنبل الأهداف في حياة الإنسان وهو إنقاذ نفس البشرية من الهلاك(ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا )أي اذا انقذها من الموت او الخطر .

9- القيام بحملة ضد الفساد الإداري والمالي والرشاوي والمحسوبيات في صفوف الشرطة وزيادة رواتب أفراد الشرطة وتكريم وتشجيع من يسجل موقفا نبيلا مشرفا وإنزال العقوبات الرادعة ضد الفاسدين المختلسين المرتشين منهم .

10- تفعيل الإرشاد الديني في تجمعات وثكنات الشرطة حسب المسموح به قانونا عبر دروس ومحاضرات ودورات باللغة العربية والفرنسية على يد علماء يجمعون بين هضم العلم الشرعي وثقافة عامة دسمة محلية واقليمية و قارية وعالمية.

11- القيام بحملة القضاء على كافة مظاهر ممارسة القبلية والعشائرية والفخذية وخشم البيتية والاقليمية والطائفية في صفوف الشرطة لان تلك الممارسات هي واحدة من أسباب عدم سعي الشرطي لمنع المخالفات المرورية وهبوط الهمة والكسل والفتور في الأداء. وأنا شخصيا حدث لي موقف في إحدى الشوارع الرئيسة في انجمينا حيث رأيت يوما سيارة قادمة على عكس خط السير وأنا على خط السير الصحيح فمنعتها من الاستمرار في الخط الخاطيء فوقفت تلك السيارة خوفا من الاصطدام بي ولكنها رفضت أن ترجع إلى خطها الصحيح تحديا لي فكان بقربنا شرطي فطلبت منه التدخل وهو يعرفني، فلما جاء المفاجأة الكبرى قال لي يا د. حقار.. اترك الرجل يمر أنت لست من أهل المشاكل، فقلت هذه مخالفة مرورية خطيرة قد تؤدي إلى حادثة الموت.

فقال أنا أعرف ذلك يا دكتور، ولكني لو سحبت أوراق السيارة ورخصة السائق تأتي فورا تدخلات كبار رجالات الدولة وكبار التجار وانا اضطر إلى إعادة الأوراق وإخلاء سبيل السائق، وجاء إلى جانبي سائق السيارة المخالفة قائلا لي ( أنا سأمر من هنا رغم انفك ان لم يك هذا الشارع لأبيك أو لأمك) وكان هو من كبار الضباط، وأظنه من الأصول البدوية أو الريفية.. فقلت له الخطأ ليس خطأك أنت ولكن الخطأ على من سمح لك بدخول المدن قبل أن يعلمك كيف تعيش في المدن.

وأقول لشرطي المرور التشادي كن مؤمنا قوي الإيمان بالله وصلبا في تطبيق الأنظمة المرورية لإنقاذ أرواح الناس فانقاذك لنفس بشرية واحدة تكسبك أجر إنقاذ نفوس البشر جمعيا من آدم إلى آخر من يشهد نهايةالعالم (ومن أحياها فكأنماأحياالناس جميعا)، وكن محاربا للرشوة تكسب رحمة الله الكفيلة بدخول جنة الخلد بمنة من ألله وتنجوا من لعنة الله الموجبة للمرتشين والراشين والوسطاء واللعنة هي طرد الإنسان من رحمة الله والمطرود من رحمة الله لا يدخل الجنة. وأقول للمواطن كن واعيا بمخاطر إهمال الانظمة المرورية ووعي المواطن بها علامة بارزة لأمة متحضرة والسلام الدائم على تشاد والأمة التشادية.

رئيس المركز الثقافي للبحوث والدراسات الأفريقية والعربية بتشاد.

صحيفة التحرير



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: