الصادق المقلي يكتب: الثلاثون من سبتمبر ..رسالة في بريد المنظومة الحاكمة


من الشارع و المجتمع الدولي

السفير/ الصادق المقلي
الثلاثون من سبتمبر ٢١ كان علامة فارقة في فترة الحكم الانتقالي في السودان .. و هو ما يمكن ان نسميه الموجة الثانية من الثورة و من التحول الديمقراطي خلال ثمان و اربعين ساعة ٠٠لم تجد اى دولة مثل هذا الاهتمام و الاحترام من الاسرة الدولية ..  مصحوبا بزخم ثورى .. بعد ان كان قبل ثلاث سنوات دولة معزولة و توصم فى الغرب بانها ضمن الدول المنبوذة..  فكان تلاحما مذهلا خلال يوم واحد بين الشارع الثورى الثائر و مجتمع دولى اجمع على ضرورة دعم التحول الديمقراطي في السودان و شجب اى محاولة تعيد فيه عقارب الساعه الى الوراء ٠
جاء هذا الحراك المزدوج و المتزامن في أعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة ..  التى وجدت شجبا و ادانة من الاسرة الدولية التى جددت دعمها للتحول الديموقراطي و للدولة المدنية في السودان .. و بصفة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية .. هذه الأخيرة فور الاعلان عن تلك المغامرة غير محسوبة العواقب٠٠وصلت رسالتها من خمس اتجاهات و بصورة متواترة و فى يوم واحد٠٠السفارة الأمريكية .. الخارجية الأمريكية و الرئيس الأمريكي .. مستشار الامن القومي ..  الترويكا التى تضمها مع بريطانيا و النرويج .. و اهم هؤلاء .. رسالة تحذيرية من رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي .. السناتور بوب منديز.. بوب منديز هو حاكم نيوجرسى و هو مع زميله في الحزب الديمقراطي الحاكم حاليا .. هما عرابا التسوية التى بفضلها ٠٠٠٠بعد ان سددت الحكومة الانتقالية ثمن تهممة وجهت النظام السابق برعاية الارهاب .. و ظل السودان منذ عام ١٩٩٣ معزولا تماماً من محيطه الدولى و الإقليمي ٠٠و قطيعة تامة من المنظومة المصرفية العالمية متعددة الأطراف .. كلاهما كانا وراء هذه التسوية التى تمخضت عن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب و استعادة حصانته السيادية ٠٠باعتبار ان تفجيرات سبتمبر ١١ تمت في نيويورك حيث ظلا يواجهان كحاكمين لنيويورك و نيوجرسى .. و ظلا يتعرضان لضغوط من اسر الضحايا منذ بداية الدعوى فى المحكمة ضد السودان و المملكة العربية السعودية عام ٢٠٠٣و ما تزال الدعوى حبيسة المحكمة و ستظل لردح من الزمان لعدم توفر الادلة الكافية ..
بعد فوز الحزب الديمقراطي فى الانتخابات الرئاسية و البرلمانية الأخيرة .. تولى من اهم الشخصيات فى الحزب .. السناتور بيرنى ساندرز .. السياسى المخضرم ذو ميل ليبرالي و اشتراكى و على رأس المؤيدين للقضية الفلسطينية و حل الدولتين ٠٠تولى رئاسة لجنة الميزانية.. بينما تولى زميله .. بوب منديز رئاسة لجنة الشؤون الخارجية و وهو اعلى منصب فى الدولة يأتي تراتبيا بعد الرئيس و نائب الرئيس .. بوب منديز ارسل فى اعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة رسالة تحذيرية شديدة اللهجة ..  ادان فيها المحاولة و أعرب عن دعمهم للتحول الديموقراطي .. و فى نفس الوقت نادى العسكر العودة إلى ثكناتهم.. هذا هو نص تصريحه .. و استطرد محذرا.. بقدر ما فرضنا العقوبات .. بقدر ما لنا القدرة فى فرضها مرة اخرى.. على حد تعبيره ..
و لا غرو فرسائل المسئولين الأميركيين في اعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة .. لم تكن تاتى من فراغ و لم تكن وليدة يومها.. فامريكا دولة مؤسسات .. الحديث عن دعم التحول الديمقراطي مؤطر فى تشريع للكونغرس الأمريكي .. و هو ما عرف .. بقانون دعم التحول الديمقراطي و المحاسبية و الشفافية المالية لعام ٢٠٢٠ و الذى صدر من الكنغرس بإجماع غرفتيه.. عقب رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب و ما حواه من عشرين فصلا تصب في مجملها في دعم الدولة المدنية فى السودان .. مع منح حوافز مالية مذكورة فى الفصول من الاول حتى السابع .. يركز القانون على دعم التحول الديمقراطي .. انتخابات حرة و نزيهة .. دعم التنمية و دور الشباب و المرأة .. تنفيذ اتفاقية السلام و عودة النازحين و اللاجئين .. ضرورة احترام حقوق الإنسان و متعاقبة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية.. و اصلاح النظام العدلى و القطاع الامنى بالتركيز على احترافية كل القوات النظامية .. ولاية المالية على المال العام و الاشراف على كل الشركات المملوكة للقوات النظامية ما عدا منظومة الصناعات الدفاعية .. و كل هذه المحاور تتفق و أهداف ثورة ديسمبر المجيدة ..
نجد ايضا في الفصلين التاسع و الحادي عشر تحذيرات من مغبة الردة في التحول الديمقراطى و الحد من اى خطوة من شأنها ان تعيد عقارب الساعة الى الوراء .. و بصفة خاصة التأمين على إرساء مدنية الدولة .. بل ان الفصل الحادي عشر تم فيه التوجيه الى الى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية .. ان يدلى بشهادة فى غضون او بعد مرور عامين من نفاذ هذا القانون.. يشهد فيه بان المكون العسكري قد سلم المكون المدني رئاسة الدولة .. و الا سوف يوجه الرئيس رسالة الى كل من وزير الخارجية و وزير الخزانة بان يحولا دون اى تعاون بين كبرى المؤسسات المالية الدولية متعددة الأطراف الاحدى عشر .. و هى مذكورة في نص القانون.. و على راسها البنك الدولي و صندوق النقد الدولي و وكالة التنمية الدولية و وبنك التنمية الافريقي و مؤسسة التمويل الدولية و التى تعنى بالقطاع الخاص .. و التى يزور وفد منها البلاد متزامنا مع مدير مجموعة البنك الدولي و هى احدى ازرعه الخمس مثل الوكالة الدولية لضمان الاستثمار .. و لذلك نجد أن تصريحات رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي آنفة الذكر تدخل بالضرورة فى سياق هذا القانون الأمريكي الذى يعد بمثابة خارطة طريق لمسار العلاقات الثنائية بين البلد.٠

الثلاثون من سبتمبر المنصرم وجه رسالة الى المنظومة الحاكمة بشقيها المدني و العسكرى ٠٠فالشارع ٠٠٠نعم جدد دعمه للتحول الديموقراطي .. لكنه صب جام غضبه على أداء الحكومة و فشلها في ملفات الاقتصاد و معاش الناس ٠٠و الملف العدلى و الفشل المتمثل فى عجز الحكومة الانتقالية في استكمال مؤسسات الدولة و على راسها المجلس التشريعي و المحكمة الدستورية و القضاء و النيابة و مختلف المفوضيات .. و اهم من ذلك التشظى داخل الحاضنة السياسية .. كما جددوا دعمهم للتحول الديموقراطي و رفض اى مغامرة عسكرية تعيد البلاد الى تلك الدائرة الشريرة .. و رغم شجبهم لهذا الفشل٠الا ان الشارع قد جدد مساندته و حمايته للجنة ازالة التمكين باعتبارها تعبر عن أهداف الثورة .. و تفكيك النظام الذى هم الذين مهروا بدمائهم هذه الثورة ..
رسالة متزامنة مع رسالة الشارع ارسلها المجتمع الدولي فى اهتمام بالتحول الديمقراطي في السودان غير مسبوق .. فقد تزامنت زيارة رئيس مجموعة البنك الدولي مع زيارة المبعوث الفرنسي للسودان و جنوب السودان .. المبعوث الأمريكي للقرن الأفريقي و وفد وكالة التمويل الدولية احد ازرع مجموعة البنك الدولي .. رسالة مجموعة البنك الدولي مالباس لم تكن زيارته لاول مرة منذ خمسين عاما .. حصرا على الجانب الثنائى .. بل فى خطوة تاريخية .. القى خطاب المجموعة فى السودان موجها الى حوالى ١٩٠ دولة عضو فى هذه المنظومة الدولية .. و لعمرى هذا شرف لسودان الثورة .. لا اود ان ادخل في تفاصيل الزيارة و مخرجاتها.. لكن لا بد من القول ان ما قدمه البنك الدولي ٣ مليار كقرض تنموى و ٢ مليار كمنحة للعام القادم و مد فترة ثمرات الى عام بدل ٦ اشهر و تقديم ٣٠٠ مليون لدعم مشاريع الرى في سنار.. هذه ليست منة منهو وعده بمساعدة السودان لدى الدول و المنظمات فى سبيل إلغاء الديون.. و لكنه حق مستحق للسودان بحكم عضويته في البنك منذ عام ١٩٥٧. حق ظل محروما منه لأكثر من ثلاثين عاما و هو يندرج فى ولاية البنك الدولي و التى على راسها مكافحة وتخفيف حدة الفقر و الدعم الفني و المجتمعى و النمو الاقتصادي .. بالتأكيد لم يكن ذلك ممكنا لولا رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب و تطببع علاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية .. و ما يجدر ذكره فى هذا المقام الثقل و الوزن الكبير للولايات المتحدة الأمريكية في كافة المؤسسات المالية الدولية متعددة الأطراف بما في ذلك بنك التنمية الافريقي ٠٠٠هذا البنك، السودان من الدول المؤسسة له، بل اول محافظ له كان المرحوم مامون بحيرى٠٠٠و اذكر جيدا ان وفدا من الجامعات السودان زار مقر البنك فى ابيدجان للحصول على مساعدات فنية للجامعات٠٠٠فاعتذر محافظ البنك بحجة العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على السودان٠٠!!!! و لا غرو فمجموعة البنك الدولي هى المؤسسة الدولية التى لا تطبق مبدأ صوت واحد لاى دولة .. One County One Vote .. بل البنك يعمل بمبدأ ما يعرف بالقوة التصويتية و ..
.. Voting Power
بمعنى تصويت كل دولة بنسبة مساهتها فى مال البنك.. و الولايات المتحدة الأمريكية تتمتع بأكثر من ١٧ في المائة من القوة التصويتية .. تليها اليابان حوالي ٦ في المائة ثم الصين و روسيا .. معقل الشيوعية التى يهتف من يتبنوها فى الدول النامية (.. لن يحكمنا البنك الدولي .. )٠!!!!
اهتمام دولى آخر غير مسبوق .. كان احتفاء الامم المتحدة لتنظيم مشترك بين مملكة النرويج و الامين العام للامم المتحدة .. و شارك. فيه اسفيريا من السودان د٠حموك رئيس الوزراء و د.مريم وزيرة الخارجية .. كما شاركت معظم الدول الاعضاء و المنظمات الدولية و على رأسها الاتحادى الافريقي .. الايقاد.. الجامعة العربية .. منظمة التعاون الإسلامي و حتى البنك الدولي و صندوق النقد الدولي .. و الاتحاد الأوروبي الذى استهلت مفوضته كلمتها بادانة المحاولة الانقلابية الفاشلة .. و جددت دعم التحول الديمقراطي و الدولة المدنية فى السودان .. و قد اجمع كل ممثلى الدول و المنظمات الدولية و الإقليمي دعمها التام للتحول الديموقراطي و رفض اى محاولة تعيق هذا التحول لحين ارساء حكم يقوده المدنيون..
و لا بد من الإشادة هنا بكل من السيد البرهان و السيد حميتى اللذان استقبلا كل هذه الوفود الزائرة.. و اعربا .. مثلما أعربا من قبل امام فعاليات عسكرية .. دعمهم الكامل للتحول الديموقراطي لحين نهاية الفترة الانتقالية و قيام انتخابات حرة نزيهة يقول فيها الشعب السوداني كلمته فى صناديق الاقتراع و من ثم تعود القوات المسلحة الى ثكناتها و الاستمرار في حفظ الامن القومي و الاستقرار في البلاد .. بل ان رئيس مجلس السيادة قد بعث برسالة مكتوبة الى. كل من الامين العام للامم المتحدة .. رئيسة مفوضية الاتحاد الأفريقي و رئيسة مجلس الأمن الدولي اكد فيها التزامهم بدعم التحول الديمقراطي و التزامهم بالوثيقة الدستورية و انفاذ اتفاقية السلام .. اعتقد فى هذه الخطوات من المكون العسكري ردا تلقائيا على اهتمام السودان بالتحول الديمقراطي .. و تبقى الكرة فى ملعب المكون المدنية الذى يجب عليه ان يرد تحية الشارع و المجتمع الدولي بأحسن منها.. عليه ان يرتقى الى مستوى المسؤولية .. و مجابهة التحديات و معالجة الإخفاقات التى صاحبت الجهاز التنفيذي .. و على راسها توحيد كافة القوى السياسية و توسيع ماعون المشاركة لكى يشمل كل المؤمنين بأهداف الثورة و توحيد كافة القوى السياسية الموقعة على إعلان الحرية والتغيير .. و قد تاتى خطوة المساندين للاصلاح فى هذا السياق .. و ليعلم الجميع عسكر و مدنيون .. ان هذا الاختراق الكبير في ملف العلاقات الخارجية و اندماج السودان و استعادة موقعه الطبيعي .. و مساعدة و دعم الدول و المنظمات الدولية و الإقليمية و المؤسسات المالية الدولية متعددة الأطراف و على راسها مجموعة البنك الدولي سوف لن ياتى دعمها المالى أكله ما لم يتم بسط هيبة الدولة و بسط الأمن والأمان والاستقرار في البلاد .. و اصلاح في القطاع الامنى و القطاع المصرفي لكى يواكب الطفرة الرقمية المصرفية استكمال مؤسسات الدولة و على راسها المجلس التشريعي و الاجهزة العدلية و مختلف المفوضيات و على راسهم صناعة الدستور.. العدالة الانتقالية .. و مفوضية الانتخابات .. و ما لم يتم الاستقرار السياسي و وضع حد للتشظى السياسي و ضرورة اصلاح الحاضنة السياسية و توسيع ماعون المشاركة لكل المؤمنين بأهداف الثورة و التحول الديمقراطي .. ما لم تتم كل هذه المطلوبات و فى اسرع وقت ممكن .. سيبقى هذا الزخم و الدعم الدولي حبيس الادراج وسوف لن نجد له وجودا على ارض الواقع على الكل الاحتكام لصوت العقل.. لاخراج هذه البلاد من عنق الزجاجة و من هذا الاحتقان الذى لا يجد له المرء مبررا .. سوى فشل النخبة السياسية .. و تقديم المصلحة الذاتية او الجهوية على المصلحة الوطنية .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب





مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: