الديمقراطية التوافقية هي الخيار الأنسب لراهن السودان!


بقلم/ عباس محمد سليمان عبادي

إستجابةً لتحريض نبيل أطلقه رئيس مجلس إدارة صحيفة الديمقراطي الغراء الأستاذ الحاج وراق أحمد لتوسيع الحوار حول كيفية تحقيق ديمقراطية مستقرة في البلاد من خلال تقديمه ورقة علمية رصينة بعنوان: (نحو ديمقراطية مستدامة في السودان) في مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية وأعاد نشرها بصحيفة الديمقراطي الغراء في حلقات ثلاث.

وهاآنذا أدلو بدلوي في هذا الحوار. الذي أعتقد أنه يجب أن يكون حوار الساعة والساحة.. لا شك أن الديمقراطية هي نداء التاريخ والحلم الذي داعب ويداعب أفئدة السودانيين من لدن الاستقلال وحتى يوم الناس هذا بالرغم من الأنظمة الاستبدادية التي جثمت على صدر هذا الشعب لأكثر من نصف قرن من الزمان فأسهمت في إفقار إنسانه وتمزيق نسيجه الإجتماعي والقيمي وحطمت مؤسساته حتى أضحى الوطن بمثل هذه الهشاشة الماثلة على كافة الأصعدة سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً وأمنياً

مما لا يختلف فيه إثنان أو (ينتطح فيه كبشان) بأن حكومة الفترة الإنتقالية قد ورثت بلداً (عايرة) إقتصادياً ولكن بدل إلجامها (أدوها سوط) ليمر السودان بضائقة إقتصادية غير مسبوقة وضنك معيشي لم ينج من لسعاته حتى أصحاب الدخول المفتوحة فما بالك بأًصحاب الدخول المهدودة! أما الطبقة الوسطى فقد راحت (شمار في مرقه) من زمان! علماً بأن من شروط إنجاح أي تحول ديمقراطي وجود طبقة وسطى في أي مجتمع إتساقاً مع مقولة: لا ديمقراطية بدون برجوازية. كما أن هذه الضائقة الإقتصادية قد حرمت المواطن السوداني من التمتع بالحد الأدنى من الخدمات الأساسية (الصحة ــ التعليم ــ الأمن) أي حرمته من حقوق هي من صميم حقوق الإنسان!.

فكيف لمجتمع يفتقر لهذه الحقوق أن تترسخ في تركيبته الديمقراطية!

إن من أخطر التطورات والتحورات التي طرات على المجتمع السوداني في حقبة الإنقاذ الظلامية كنتيجة لسياسته الاستقطابية بروز النعرات القبلية والعرقية الجهوية خصماً على الولاء القومي الذي يكرس الولاء للدولة الوطنية وهو شرط أساسي لإنجاح التحول الديمقراطي.. أما أمنياً فحدث ولا حرج في السودان هنالك مناطق خارج سلطة الدولة وحدود مع أكثر من جار لم يتم ترسيمها بعد وغير متعارف عليها ومليشيات متفلتة تهاجم وتنهب المدنيين العزل وتحطم زراعتهم وتجبرهم على العودة إلى معسكرات النازحين كرة ثانية ناهيك عن النهب المسلح في قلب عاصمة البلاد من بعض منسوبي القوات النظامية والحركات المسلحة وعصابات تسعة طويلة!.

وتكرار النزاعات القبلية في الشرق والغرب.. ولكن كل تمظهرات السيولة الآنية التي أوردناها أعلاه كوم وما يحدث في الشرق كوم آخر فهو يقذف بهيبة الدولة في مهب الريح وعدم حسمه بآليات القوة أو قوة القانون يشي بتواطؤ أحد أطراف الشراكة في هذه الجريمة النكراء في حق الوطن.

زبدة القول إن الفراغ الأمني في القضاء السوداني إذا أخضعناهو للمعايير الدولية لتعريف الدولة لجاء تصنيف السودان في خانة دولة (اللادولة)!.

ويظل السؤال: كيف يتم إنجاح التحول الديمقراطي في ظل هذا الاحتلال الأمني المريع الذي ينتظم البلاد من أقصاها إلى أقصاها؟!.

لقد كان لإنتهاج النظام المباد لسياسة التمكين آثاراً ضارة على مستويات عديدة ولعل مؤسسات الدولة هي الأكثر تضرراً جراء هذه السياسة النرجسية فقدت الإستقرار والاستقلال والحيادية. لذا أضحت مؤسسات الدولة بمثل هذا التوصيف الذي آلت إليه من أكبر المعيقات لإنجاح التحول الديمقراطي المأمول.

أما المشهد السياسي الانتقالي فأمره عجب فالتغيير في الحادي عشر من أبريل لم يتم بفعل ثوري كامل إذ أنه الانحياز للشارع الثائر لم يكن من الجيش كمؤسسة عسكرية وطنية كما حدث في أكتوبر 1964م وأبريل 1985م ولكنه إنحياز مزعوم من اللجنة الأمنية لنظام البشير وكما جاء في مقالنا (كثرة الزعازع وقلة الأوتاد) إن هذه الثورة العملاقة تعرضت لإختطاف مزدوج DOUBLE KIDNAPING

إختطاف من جانب اللجنة الأمنية للنظام المباد والإختطاف الثاني والذي استوفى كل معايير القرصنة فقد تم بواسطة ما يسمى SOCALLED بالنشطاء السياسيين الذين هبطوا الديار من وراء البحار لذا كان من الطبيعي أن تتشيد قوى جزئية سياسية صغيرة كامل المشهد الإنتقالي من بعثيين وقوميين عرب ويساريين جزافيين وهي كما قال الإمام الراحل الصادق المهدي إنها قوى سياسية تغيّب الديمقراطية في ممارستها الحزبية وتستغل الحرية (المتاحة) في التآمر على الديمقراطية نفسها. (إنتهى).. وهي كما نعلم أحزاب ليست لها جذور في تربة هذا الوطن ولا تستطيع الفكاك من الأسر الآيديولوجي وتظل دائماً رهينة لأجندات ومصالح تنظيمات خارج الوطن. والأدهى من أن هذه التنظيمات الصغيرة هي الأعلى صوتاً من مكونات الحاضنة السياسية لحكومة الإنتقال وهي لا تملك برنامج ولا رؤى لإنجاز مهام انشغالات المرحلة الإنتقالية بل انشغلت بالمحاصصات والتمكين الحزبي لمنسوبيها في الوزارات والمؤسسات العامة والتراشق بإتهامات التخوين والكيد المتبادل.

إن الهدف من استبطاء الحاضنة السياسية المتعمد في إنجاز مهام المرحلة الإنتقالية من استكمال للهايكل الدستورية هي البقاء في نعيم السلطة لأكبر فترة تمديد ممكنة لأنه في حال إجراء انتخابات حرة شفافة فإن النتيجة المعروفة لديهم (لم ينجح أحد).. أما الشريك الآخر (المكون العسكري) يبدو أنه قد إستحلى بريق وألق السلطة لأنه في تقديرنا أنه بالإعلان عن إحباط محاولة انقلابية تشير كل قرائن الأحوال إلى أنه انقلاب مصنوع (أحداث الشرق ــ السيولة الأمنية في الخرطوم وبعض المدن الأخرى ــ النزاعات القبلية في دارفور) فهذا الإعلان عن إحباط إنقلاب قصد به تحقيق واحد من هدفين أحدهما كامل الدسم (الاستيلاء على كامل السلطة أو تضخيم النفوذ والتمادي في التغول على صلاحيات الجهاز التنفيذي (هدف حجم عادي) أي بمعنى أن الإعلان عن إحباط محاولة إنقلاب كان بمثابة أنبوبة إختبار TEST TUBEQUSTION لمعرفة ردود الأفعال المحلية الإقليمية والدولية فإن لم تكن بالقوة التي تجهض إنقلاب نفذوا إنقلابهم الحقيقي للاستيلاء على كامل السلطة وهذا التفكير الماكر يعد استنساخ لإنقلاب الإٍسلاميين في العام 1989م عندما حددوا ساعة الصفر بعد أيام قلائل من إنقلاب الزبير محمد صالح المجهض والذي كان ناصرياً ولا صلة له بالحركة الإسلامية مستغلين عدم توقيع الإستخبارات العسكرية لإنقلاب في زمن وجيز وأطلقوا سراح الزبير من المعتقل وتم ضمه لعضوية إنقلابهم حتى لا يتمكن المصريون من معرفة الهوية الإسلامية لإنقلابهم وبالفعل نجحوا في خداع المصريين الذين لم يتوانوا في التسويق الإنقلاب لأمريكا والغرب عموماً.

أما إذا كانت تقديراتهم لردود الأفعال السالبة جداً بحيث أنها ترجح إجهاض الإنقلاب القادم صرفوا النظر عنه وطرحوا أنفسهم حماة في للفترة الإنتقالية وحملوا وزر هذه المغامرة العسكرية المصنوعة لفشل وعجز الحكومة المدنية والهجوم المكثف من خلال إعلام المنابر العامة تعزيزاً للنفوذ والتغول على صلاحيات الجهاز التنفيذي وربما المساومة على استمرارية المكون العسكري في رئاسة مجلس السيادة تحت ذريعة أن تأمين الفترة الإنتقالية في حاجة ماسة لقبضة عسكرية وهذا ما أطلق عليه مسمى (هدف حجم عادي)! كل هذا الاسترسال لبسط صورة حقيقية لحالة الصراعية التشاكسية! لطرفي الشراكة المنوط بها مهمة العبور للمرحلة الإنتقالية لبر التحول الديمقراطي وإذا أضفنا للمشهد السياسي الإنتقالي المزري والبئيس هذا مفرداته الأخرى من حركات مسلحة وقعت على اتفاقية جوبا (المحبوكة) وتشارك في السلطة ولم توفق أوضاعها بعد إلى تنظيمات سياسية مع تواجد قواتها في عاصمة البلاد وحركات مسلحة لم توقع بعد على اتفاقية سلام.

هذا هو راهن السودان اقتصادياً سياسياً واجتماعياً وأمنياً كما رصدناه بالتفاصيل المملة والسودان في تاريخه السياسي بعد الاستقلال قد مر بثلاثة تجرب ديمقراطية لبرالية فاشلة ولأسباب موضوعية وذاتية والوطن كان احسن حالاً من الآن على كل الأصعدة التي تطرقنا إليها في هذا المقال.. ألا تتفق معي عزيزي القارئ بأن الغباء إن تكرر تجربة فاشلة وتتوقع نتائج مختلفة!!.

إن الردة مستحيلة إلى نظام استبدادي جديد في السودان ما بعد ثورة ديسمبر الجيدة ولكن استسهال إجراء انتخابات برلمانية على النسق الليبرالي في ظروف السودان الحالية يعتبر بكل المقاييس فقرة غير مأمونة العواقب ربما تعود البلاد إلى ما يسمى بالفوضى الخلاقة PRODYCTIVE CHOAS تستبيح الوطن لتمرير الأجندات الخبيثة الإقليمية منها والدولية.. وأن هذا الشعب صانع الثورات لن يطيق الصبر أكثر على السلطة الإنتقالية الفاشلة والمتشاكسة.

إذاً ما العمل؟

لابد من التفكير خارج الصندوق للخروج من الدائرة الجهنمية إياها.. على النخبة الحاكمة أن تتوافق على نظام حكم يتم فيه تمثيل الأغلبية والإقلية في صنع القرار السياسي والأخذ بأكبر عدد من الآراء وإشراك الأقلية المنتخبة في الحكم أو في السياسات الكبرى يسمح هذا الشكل من التمثيل للمواطنين للمشاركة أكثر في تحديد جدول الأعمال السياسي وعملية صنع القرار هذا ما يعرف بالديمقراطية التوافقية CONSESNUS DEMOCRACY وهي كشكل من أشكال ممارسة السلطة تناسب البلاد المتعددة المتنوعة مجتمعياً التي تعاني من ضعف في الوحدة الوطنية وتواتر الأزمات السياسية لذلك فإن عملية إشراك جميع المكونات المجتمعية ــ الأغلبية ــ الأقلية في صنع القرار السياسي يعد حسب مؤيدي هذا الشكل من الديمقراطية ضمانه لعدم الانزلاق في مواجهات وحروب أهلية مما يؤدي إلى تحقيق التكامل والإندماج المجتمعي لذلك فهي مدخل مثالي للاستقرار السياسي. للأمانة إن الأكاديمي الراحل د. الطيب زين العابدين أول من طرح فكرة الديمقراطية التوافقية كشكل لممارسة السلطة تناسب أوضاع السودان.

وفي مقالنا القادم سوف نتناول ماهية الديمقراطية وتحديد الأطر والمفاهيم الأساسية التي يستند عليها هذا المفهوم ومن ثم يتتبع المسار التاريخي لتطوره من جهة أخرى.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب





مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: