مأمون حميدة المفترى عليه – الانتباهة أون لاين


بروفسور/ أحمد الأمين الشيخ

تشرفت بمعرفة بروفسور مأمون حميدة في بداية الستينيات حيث تزاملنا في مدرسة خورطقت الثانوية والتي كانت قومية تضم الطلاب من كل أنحاء السودان كنظيرتيها حنتوب ووادي سيدنا. كانت وزارة التربية آنذاك تحجز عربة قطار لطلاب خورطقت وكنت وزملائي من وسط السودان نستغل القطار من محطة الحصاحيصا وحينما يصل القطار سنار يستغله أبناء سنار وما جاورها ومن ضمنهم مأمون حميدة وكان يأتي إلى المحطة مع أهله يحملون الزوادة من دجاج ولحوم وفواكه وغيرها بكميات كبيرة فقد كان من أسرة غنية جداً ويظل المساكين يتمتعون بهذه النعمة حتى محطة أم روابة حيث زميلنا أحمد الريح أبو عاقلة (رحمه الله) ومعه من الزوادة ما يكفينا حتى نصل الأبيض فقد كان من أسرة غنية أيضاً. ثم تزاملنا بعد ذلك في كلية الطب في الخرطوم منذ 1964 – 1970 حيث تخرجنا.

كان مأمون – وبفضل ما بسط الله عليه من رزق – عوناً لكل محتاج من دفعته ومن غير دفعته أيضاً دون منٍ أو أذى. من يحتاج إلى مال يجده عند مأمون وحينما يفتح الله عليك لترد الدين يرفض أخذه منك بحجة أنه لا يذكر أنك إستلفت منه. كما كان يتكرم بكساء بعض الزملاء بطريقة تحفظ كرامتهم ولا تجرحهم فكان يشتري قميصاً أو بنطلوناً ويذهب به إلى من يظن أنه يحتاج إليه ويدعي أنه أتاه هدية من أحد أفراد أسرته ولكنه ليس مقاسه ويعطيه من غير أن يحرجه. كانت مصاريف مأمون وهو طالب أكثر من مرتباتنا ونحن أطباء، فبالإضافة لثراء أسرته فقد كانت له أنشطة تجارية في السودان ومع بريطانيا مستفيداً من أموال أسرته الغنية وعلاقاتها التجارية. وكان عمه حامد حميدة من المقاولين الأثرياء ويمتلك عمارات عديدة حول المحطة الوسطى بالخرطوم. وكان مأمون الوحيد من أبناء الدفعة الذي يمتلك عربة خاصة. وبعد التخرج تزاملنا في مستشفى الخرطوم وفي ميز الأطباء والكل يعلم في تلك الأيام أن الزنا وشرب الخمر لم يكن منكراً بل كان من لا يفعل تلك الموبقات يعتبر متخلفاً، وأشهد أن مأمون من القلائل الذين كانوا أتقياء أنقياء بالرغم من وضعهم المميز كأطباء وبالرغم من سعة الرزق والصحة والشباب والوسامة فقد كان مأمون عفيفاً نظيفاً وقديماً قال أبو العتاهية (ان الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة) وكنت أقول لأخي مأمون ممازحاً أن طاعتك لربك حقيقية، فقد امتحنك بالصحة والشباب والمال ولم تعصه، أما طاعة أمثالنا من الفقراء فمشكوك فيها ومن الجائز جداً أن ننحرف إذا ابتلانا الله بالمال. ثم من بعد ذلك سافرنا مع آخرين إلى بريطانيا للتخصص ونزلنا في مطار هيثرو وحينما كان المساكين أمثالي لا يدرون أين ينزلون قبل أن نتوجه إلى مكان دراستنا، نزل مأمون في منزله الخاص في مدينة بريستول ثاني أكبر مدينة في بريطانيا بعد لندن العاصمة وذهب معه بعض زملائنا إلى بريستول. وبعد نهاية البعثة جاء مأمون واستقر أستاذاً بكلية الطب جامعة الخرطوم حيث نبغ وأبدع وكانت له أبحاث مرموقة في البلهارسيا واليرقان وعمى الجور نشرت في مجلات عالمية محكمة. إضافة لكل هذا فهو من القلائل الذين تخصصوا في علم المداواة. ثم بعد ذلك انصرف إلى تطوير الخدمات الطبية فهو أول من أدخل التصوير بالموجات فوق الصوتية في السودان في أواخر السبعينيات وقد استدعاني من نيالا ليريني هذا الفحص المذهل خاصة لتصوير أمراض المرارة. وكان فحص المرارة بالأشعة يتطلب أن يتناول المريض حبوباً مرة الطعم قبل التصوير ووجبة وكان الفحص يستغرق ثلاثة أيام ولا يوجد إلا في الخرطوم. وإذا تقيأ المريض الحبوب فشل الفحص ويتطلب إعادة المحاولة،أما الفحص بالموجات فهو لا يستغرق أكثر من ربع ساعة. ثم أنشأ مأمون المركز الطبي الحديث وزوده بما يلزم من المعدات واستقدم أميز أطباء الأشعة من المهجر للعمل في هذه الأجهزة. ثم بعد ذلك أنشأ جامعته المميزة ونالت كلية الطب بجامعته إعتراف المجلس الطبي البريطاني والبورد الأمريكي. ثم ألحق المستشفى الأكاديمي بكلية الطب ووفر فيه العلاج المجاني للمرضى والطعام المجاني أيضاً مما جعل المستشفى قبلة للكثيرين من المرضى وأتاح لطلاب الطب أحسن الفرص للتدريب السريري.

ان بروفسور مأمون محمد علي حميدة لم يكن فقيراً من عرفناه ولا يستطيع أحد أن يتهمه بعدم الأمانة أو الجشع. كانت له آراء في الخدمات الصحية أفصح عنها في الصحف مما حدا برئيس الجمهورية السابق أن يوليه وزارة الصحة بالخرطوم لينفذ ويطبق ما يراه من أفكار فرفض رفضاً باتاً لكنه إنصاع بعد ضغوط لأمر الدولة، وتولى الوزارة بدون أي مرتب أو عربة حكومية أو سكن فهو وبحمد الله غني بفضل ربه والوزارة هي التي تشرفت به. وحسب معرفتي بمأمون فانه إذا أيقن بفائدة أي أمر ورأى القدرة على تنفيذه فإنه لا يتردد ولا يبالي بمن يعترضون. لقد قام مأمون بإنجازات في مستشفى الخرطوم وغيره بناءً على ما يعتقد أنه صواب، وقد يختلف معه أناس وقد يؤيده آخرون فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر المجتهد لكن تبقى الحقيقة أن مأمون ليس لصاً ولا اكلاً للمال الحرام فقد أغناه الله من فضله.

حبس مأمون في السجن لمدة تقارب العامين ولم يحاكم ثم اطلق سراحه من دون افصاح عن الأسباب وكنا نأمل من حكومة تدعي العدالة أن تحاكم مأمون وغيره علنا كما فعل المرحوم جعفر نميري مع من اتهمهم بالفساد وشاهدنا المحاكمة في التلفاز، وكانت تجري المرافعات والمداولات بين محاميي الاتهام ومحاميي الدفاع وانتهمت المحاكمة بالبراءة أمام الجميع.

إن من حبسوا مأمون يعلمون أنه برئ وان كان لديهم أقل دليل على جرمه لحاكموه هم أرادوا فقط إشانة سمعته لكن هيهات فمأمون قمة سامقة لا تهزها الرياح الهوج والمكر السيئ. إن من يرفعون شعارات العدالة مطالبون بتحقيقها، لكن أين العدالة في الحبس سنوات دون محاكمة ولفترات طويلة.

إن الظلم ظلمات وكما اهلك الذين من قبلكم، فإن من تمادى في الظلم سيشرب من نفس الكأس، ان لم يعد إلى رشده “يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون” (الصف آية 2 و 3).

رويداً يا دعاة العدالة والحرية وأعلموا انها لو دامت لغيركم لما وصلت إليكم، “وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون” (الشعراء آية 227).

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب





مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: