وجدي كامل يكتب مجلس حكماء وشيوخ، أو فناء السودان


تتسم المرحلة الحالية من الحياة السياسية بالسودان بالمزيد من التعقيدات، والمتوقعات السالبة من كل ما يدور حاليا من خلافات تتاجج وتتنامى. ففي هذه الايام التي يتفاقم فيها الصراع بين المكونات العسكرية والمدنية، وبداخل كل منهما على اثر، ونتيجة المحاولة الانقلابية الفاشلة عادت السياسة السودانية تستثمر كل مخزون الكراهية التاريخي، وعدم الثقة تجاه بعضها البعض لتخرج اثقالا من سوء النوايا، والتربصات، والاقصاءات.

فالمكون العسكري، ومن خلفه قسم من المجتمع السياسي القديم المحتج على استبعاده من الامتيازات السياسية والاقتصادية، والمكون المدني الممثل في (حاضنتي) الحرية والتغيير المتشاكستين بعد تاسيس التحالف الحاكم، يصعدان من خلافاتهما عبر التصريحات، والبيانات التي تسوقها الآلة الاعلامية الالكترونية بكل تنوع وسائلها، وقوة تاثيرها على الراى العام.

بكل نكاد نجزم بانها تستهدف، وفي النتيجة، تمزيقه اربا اربا. فكل ما هنالك كيبورد لجهاز كومبيرتر ينشط في ارسال الغضب، ونقل العدوى بكل السرعة للطرف المستهدف بغرض الاطاحة بموقفه والتاثير بتفكيره. اما اشد اشكال الرسائل فتكا فتنتجها مخاطبات المسؤلين العسكريين والمدنيين للفئات والشرائح المهنية، والاجتماعية، والسياسية بحيث تجد الانتشار الواسع عبر وسائل الاتصال التقليدية والحديثة.

ويبدو ان اخر مواد الفتنة المسربة هو خطاب دعوة اعضاء السلك الديبلوماسي الاجنبي لحضور فعالية تأسيس الحلف او التحالف السياسي المضاد لحاضنتي الحرية والتغيير، والذي تبرا منه المكون العسكري وكذلك منى اركو مناوي، وثبت بالوثيقة المنتشرة انه من بنات افكار الناطق باسم تنظيم الاخير.

وبعيدا عن صحة او خطا محتوى التسريب فان ما يجري من خلاف سياسي عميق يعود الى عدم التناغم بين كافة مكونات المجتمع السياسي ما بعد الثورة. فالثوار والثائرات ينظرون الى اعلان الحرية والتغيير كونه اعلانا انحرف عن جادة الطريق الثوري بمجرد توقيعه على الوثيقة، وفتح الفرص للوصوليين والانتهازيين ممن اسموهم بسارقي الثورات.

والحرية والتغيير التي وقعت على الوثيقة الدستورية وبعد اتفاقية جوبا انقسمت على نفسها وشكلت تحالفا يعد في نظر المراقبين انه شكل قاصمة ظهر اتحاد قوى الثورة باستوزار منسوبيه وتقدمهم لقيادة عربة القيادة التنفيذية مما اعتبر فسادا سياسيا للمرحلة وابتذالا لها بعدم الانصياع لمقررات الوثيقة بالا تحكم اثناء المرحلة الانتقالية وانما تتوجه الى تحسين اوضاعها التنظيمية وتطوير برامجها.

اما المكون العسكري بوصفه الحليف الامني للنظام المدحور، وصاحب الاجندة غير الخفية في مقاومة التغيير بالمفهوم الراديكالي فقد وجد في كل ذلك مجالا للتمدد السلطوي، والاستعانة بمجتمع السياسيين المحترفين في سرقة الريع الاقتصادي بواسطة جهاز الدولة والمبعدين بامر الثورة من سدة الحكم.

في اجواء قاتمة ومريبة كتلك تضيع الحكمة ويحتاج السودان الى مكون فوق كل المكونات لراب الصدع، وضبط المعادلة بايقاف الحرب الاعلامية الدائرة. ازاء اوضاع كتلك من الانفلات السياسي، وبالتوازي مع المجلس التشريعي فان تكوين مجلس للشيوخ من الوطنيين المستقلين امر تعود اهميته للازدياد اكثر من اي وقت مضى. فالحرب كون اولها كلام مقولة قديمة متجددة والجميع على علم بها. ولكن حرب الكلام في زمن السوشال ميديا والسماوات المفتوحة تصير بطعم اخر، وبحجم فتاك ومدمر لكل شيء.

واظن اننا كمجتمع سياسي مصاب نظل من الشعوب المرشحة لصناعة ذلك النوع من حروب الابادة المشتركة التى قد تقضي على الاخضر واليابس بعدم احترامنا للمواثيق و توظيف الصراع السياسي لتعميق الانقسام فيما بيننا.

ومن خلال كل ما يشاهد ويرشح في الافق فان السودان الذي في مفترق طرق الان سوف يذهب الى فراق وفناء اكثر مما هو عليه اذا لم نسرع الخطى في التقدم لتأسيس للمجلس التشريعي بنحو يوفر المشاركة الفاعلة لقوى الثورة من الشباب والشابات من اصحاب المصلحة بجانب تكوين مجلس شيوخ التحول الديمقراطي والحفاظ على الديمقراطية، وبحيث يخلق التفافا عاما حوله والتزاما بموجهاته الوطنية الديمقراطية المحتوى. فما يحدث حاليا من حراك سياسي يشير باصابع الاتهام على الجميع كونهم لا يزالون على تيه قديم ومتاهة مستجدة لن تورثا سوى الندم للكافة ان لم ينتبهوا.

صحيفة السوداني



مصدر الخبر موقع النيلين

أضف تعليق