زواج الطفلات في السودان: القانون وحده لا يكفي




خلال الأسابيع الماضية، تعاون فريق «التغيير الالكترونية» في السودان مع «الحديدة نيوز» في اليمن، على إنتاج تحقيقين صحافيين يتناولا قضية زواج الطفلات وأثره على المجتمع والتعليم والتنمية المستدامة. وكان العمل المشترك مفيداً في الإضاءة على الآثار المدمرة لهذه الظاهرة في البلدين، مع استعراض للأبعاد القانونية والثقافية والاجتماعية.

فيما بالإمكان الاطلاع على موضوع «الحديدة نيوز» على هذا الرابط أضغط هنا، تجدون أدناه تحقيق «التغيير الالكترونية».

الخرطوم- فريق التغيير

قتلته بـ”فرار”- (آلة حادة تشبه الفأس)، ثم سارت ليلاً مسافة 50 كيلومتراً، وسط منطقة اشتهرت بانتشار حيوانات المرفعين “الضباع”، لتصل إلى مركز الشرطة الوحيد بالمنطقة وتعترف بجريمتها!

لم يُصدق الضابطان الوحيدان اللذان يديران ذلك القسم الصغير بالقرب من منطقة عديلة بإقليم دارفور، أن تلك الطفلة الهزيلة قتلت شيخ القرية.

من دهشتهم، تركاها وحدها في القسم وركضا لمكان الحادث! بعد عودتهما، كانت لا تزال هناك، فهي لا تمتلك مكاناً آخر تذهب إليه!

منى” و”حنان

“تملك وجه امرأة في التسعين من عمرها”. هكذا وصفت رئيسة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة سليمى إسحاق لـ”التغيير”، الطفلة “منى” (12 عاماً) التي زُوجت الى شيخ سبعيني. “باعها” أخاها من جهة أبيها، لهذا الشيخ السبعيني، فمكثت معه في منزل به عدد من الزوجات الأخريات، وأبناء كثر وأحفاد، وفقاً لإسحاق. وكانت “منى” تلعب مع إحدى حفيداته التي كانت في سنها، ولكن فقط حين تجد وقت فراغ، إذ “كانت تُكلّف بالكثير من الأعمال المنزلية”.

ومضت سليمى في تفاصيل حكاية “منى” التي تقبع الآن في إصلاحية بالخرطوم: “دخل بها بعد عام كامل من وجودها معهم. هكذا وبلا مقدمات، وجدت نفسها في علاقة جنسية ليومين متتاليين”.

عانت من آلام مبرحة، “لم تكن تتمكن من إنزال قدمها إلى الأرض”، في اليوم الثالث عندما أراد الاقتراب منها قتلته!

“منى” هي إحدى الطفلات اللاتي انتهت زيجاتهن بصورة تراجيدية، إذ دفعت ثمن الجريمة التي ارتُكبت بحقها مرتين. وقد دفعت تجربتها رئيسة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة لاستنفاد كافة الوسائل لحماية طفلة أخرى تُدعى “حنان” من مصير مشابه، إذ زُوجت لرجل أكبر منها في العمر وأفرط في تعنيفها، وفتح في مواجهتها عدة بلاغات بأقسام الشرطة، حتى اختارت الشارع مأوى لها بدلاً عن منزل زوجية دخلته قبل الأوان، وأهل يعيدونها له كلما لجأت إليهم!

لم تتمكن “التغيير” من مقابلة الطفلة، إذ تختبئ في مكان آمن لحين اكتمال إجراءات إبطال زواجها الذي استمر 3 أعوام، أي خُمس عمرها الذي لم يتجاوز الـ15.

عُرضة للتعنيف

الطفلات اللاتي يتم تزويجهن في عمر صغير يكن أكثر عرضة للتعنيف وفق الطبيبة النفسية د. ناهد محمد الحسن، والتي ترى أن اختيار الرجال الكبار في السن لشريكات في عمر صغير يعود لشعورهم بعدم الأمان أو الكفاءة الجنسية، فيعمدون لاختيار شريك أضعف.

طفلة أخرى عانت من هذه الخيارات في إحدى قرى ولاية النيل الأبيض- وسط السودان، هي “سهام” التي كان الزوج يضربها، ويطفئ سجائره على جسدها! المفارقة أنه بعد إبطال زواجها فقدت سناً لبنية!

“منى”، “حنان” و”سهام”، هن نماذج فقط لزواج الصغيرات في مختلف أقاليم السودان بما فيها العاصمة التي تصل فيها نسبة زواج الصغيرات لـ”26%” والأسباب تتراوح بين الحاجة المالية، والعادات والأعراف.

دائرة الفقر

“كل دورة شهرية تمر على فتاة دون تزويجها تبقي والدها في النار”، هذه واحدة من الخرافات التي يتم تداولها في بعض أقاليم السودان، لتجبر الأهالي على الاستمرار في تزويج بناتهم فور البلوغ. مزيج العادات والفقر يجعل تزويج الصغيرات حلقة متصلة لا فكاك منها، ووفق دراسة لوحدة مكافحة العنف ضد المرأة (جهة حكومية)، بالتعاون مع منظمات أممية (أول دراسة تتناول العنف ضد المرأة في السودان أجريت عام 2020)، فإن ولايات جنوب ووسط وشرق دارفور صاحبة أعلى معدلات في تزويج الطفلات تصل في أقصى درجاتها الى 57%، تليها الجزيرة، والولايات الشرقية، بينما تؤكد الدراسة أن الشمالية هي الأقل تزويجاً للطفلات (18%)، وتقل عن العاصمة بنسبة %8.

الفقر وزواج الصغيرات مثل سؤال “البيضة والدجاجة، أيهما يأتي أولاً؟، بحسب ما أشار خبير التخطيط الإستراتيجي حسام النصري، إذ ترتفع نسبة زواج الطفلات في المجتمعات الفقيرة. وهنا دائرة مقفلة لامتناهية، إذ يزيد الزواج المبكر خروج الفتيات من التعليم، ويُطيل سنوات الإنجاب، وبالتالي تتفاقم الكثافة السكانية، ومعها الفقر. ويستمر التزاوج بالطريقة ذاتها.

تتفق رئيسة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة سليمى إسحاق، مع كلام النصري، إذ قالت إن “الفقر يجبر الآباء على تزويج بناتهن ليتخلصوا من بعض الأفواه في الأسر الكبيرة”.

ووصفت الكثير من الزيجات بعمليات بيع للفتيات، وأشارت الى نوع آخر من الزواج تقول إنه ظهر في أطراف الخرطوم، يكون في الإجازة المدرسية وهدفه تغطية حاجة العام الدراسي، وينتهي الزواج مع فتح المدرسة أبوابها.

شرط “الإطاقة”

الكثير من الأهالي الذين تحدثت إليهم “التغيير” يتعللون بـ”الدين” سبباً لتزويج صغيراتهم، أسوة بقصة زواج النبي- صلى الله عليه وسلم- من السيدة عائشة، الأمر الذي أنكره عضو المجلس الأعلى للعلماء الأفارقة الشيخ محمد هاشم الحكيم بقوله إن “قصة زواج النبي عليه السلام من أم المؤمنين عائشة خاصة ولا يجوز القياس عليها”.

وأضاف أن “الرسول قال لعائشة إن الله زوجنك من السماء”.

ودفع الحكيم عن الدين شبهة موافقته على زواج الطفلات، وأشار إلى تحريم الشريعة لزواج المرأة دون إذنها، ومنحها الحق في فسخ عقد الزواج الذي لا توافق عليه.

وشدّد الحكيم على أن الدين حدد “الإطاقة” شرطاً للزواج، وأوضح أنها جسدية ونفسية. وأضاف: “لا حرج في تحديد السلطان سناً للزواج”، مشيراً إلى أن ذلك يقع في باب تقنين المباح للمصلحة العامة.

وقال الحكيم لـ”التغيير” إن “عدداً من العلماء أفتى بهذا الأمر، منهم الشيخ ابن عثيمين ووهبة الزحيلي”. وأضاف أن الفتوى الدينية يجب أن تأتي تبعاً لرأي الأطباء وعلماء النفس والاجتماع، حال تأكيدهم وجود ضرر يقع على الفتيات آنياً أو مستقبلاً، يجوز أن يمنع الزواج في سن معينة، ويحدد له سن معينة، ورأى أن الأمر سداً للذرائع على الفساد.

وتجيب على الشيخ الحكيم اختصاصية النساء والتوليد سحر الهواري التي أكدت وجود ضرر آني يقع على الطفلة. وقالت لـ”التغيير” إن “الصغيرات، وإن كن وصلن مرحلة البلوغ إلا أن أجسادهن ليست مهيأة للعملية الجنسية، لأن أجسادهن لم تكمل عمليات النمو، وبخاصة منطقة الحوض”.

وحذّرت سحر من إصابات خطيرة في الأجهزة التناسلية قد تستمر مدى الحياة مثل الناسور البولي. وفي ما يخص حالات الحمل، قالت سحر إن حالات الحمل لمن هن دون الـ”18″ تعرِّض الأم وجنينها لأخطار، منها زيادة فرص الإصابة بضغط الجنين وتعسر الوضوع والإجهاض والأنيميا.

اكتئاب وقلق نفسي

والضرر الجسدي يترافق غالباً مع آثار نفسية طويلة الأمد، سيما أن الضحايا من الطفلات، وبالتالي فإن شخصياتهن قيد التكوين. وفقاً لاستشاري الطب النفسي البروفيسور عبد الغني الشيخ، أثبتت العديد من الإحصائيات التي أجريت على زواج القاصرات في عدد من الدول، أنهن يتعرضن للعنف المنزلي، اللفظي والجسدي والجنسي من أزواجهن أكثر من الزوجات البالغات والأكبر سناً.

وأكد الشيخ لـ”التغيير”، أنهن عرضة للاكتئاب والإحباط، وبالتالي عدم القدرة على أداء ما سماه “واجبات الزوجة” في المنزل أو حتى “علاقة سوية” مع الزوج. وقال الشيخ: “إذا نتج حمل وولادة أطفال في هذا العمر المبكر فإنهن لسن في حالة تسمح لهن بتحمل الحمل وتبعاته ويكن أكثر عرضة للإجهاض والقلق النفسي والاكتئاب أيضاً”. وأضاف أن “هذه الآثار النفسية يمكن أن تستمر بل تزداد حدة بعد ولادة طفل لا يستطعن تحمله أو تربيته بصورة طبيعية فكيف تقوم طفلة بتربية ورعاية طفل؟”.

غياب التشريع

أميرة أزهري

رغم مصادقة السودان على عدد من الاتفاقيات والمبادئ الدولية والإقليمية التي تحظر زواج الطفلات إلا أن الممارسة القانونية والتشريعية التي تلغي الأمر لم تكن متوفرة طوال سنوات حكم الإسلاميين الذي استمر 30 عاماً- بحسب أمينة أمانة الحماية بالمجلس القومي لرعاية الطفولة أميرة أزهري فضل الله.

وانضم السودان لـ32 دولة أفريقية حددت سن الزواج بـ18 عاماً. وفي العام 2014، وقَّعَ السودان بياناً مُشتركاً في مجلس حقوق الإنسان حول زواج الأطفال كقضية حقوق إنسان، كما وقَّعت الحكومة ميثاقاً اخر يمنع زواج الأطفال بحلول العام 2020 في ذات العام.

وفي قِمَّة البنت الأفريقية عام 2015 التزم السودان بالقضاء على زواج الأطفال من خلال اعتماد أهداف التنمية المُستدامة “2016- 2030″، والتي يشمل الهدف الخامس فيها مُعالجة جميع أشكال العُنف ضد النساء والفتيات، وجاء الهدف الفرعي 3 من الهدف الخامس: “القضاء على جميع المُمارسات الضارة، مثل زواج الأطفال وتشويه الأعضاء التناسُلية للإناث – الأمم المتحدة، 2016”.

ثُمَّ أطلق السودان حملة فرعية لإنهاء زواج الأطفال كجزء من حملة الاتحاد الأفريقي في أفريقيا تحت شعار “بنات وليس عرائس”.

وأقرت أميرة لـ”التغيير” بأن كل هذه الجُهود لم تُزحزح المُعدَّلات العالية لزواج الأطفال في البلاد، حيث لا يُوجد تشريع في السودان يحظره. وقالت إن “على سبيل المثال تنص المادة 40 من قانون الأحوال الشخصية للمسلمين 1991 في الفقرة 1، لا يعقد زواج المجنون أو المعتوه أو المميز من وليه بعد ظهور مصلحة راجحة، وفي الفقرة 2، يكون التمييز ببلوغ سن العاشرة، والفقرة 3، لا يعقد ولي المميز عقد زواجها إلا بإذن القاضي لمصلحة راجحة، ويشترط كفاءة الزوج ومهر المثل، وتساءلت: “فهل يتساوى المميز مع المجنون أو المعتوه؟ وما هو معيار المصلحة الراجحة لتزويج المميز البالغ من العمر 10 سنوات؟”.

تعديلات مُرتقبة

قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، الصادر في عهد المخلوع عمر البشير 1991، سمح بتزويج الفتاة بواسطة المحكمة متى بلغت 12 عاماً، وبموافقة الولي إذا كانت أقل من 18 عاماً، رغم أن قانون الطفل الوطني السوداني عام 2010، عرّف الطفل على أنه دون سن 18 عاماً.

واعتبر عضو لجنة تعديل قانون الأحوال الشخصية كمال محمد الأمين في حديث لـ”التغيير”، أن ذلك تسبّب في خلق مشاكل ونزاعات وآثار نفسية ومعنوية.

د. كمال الأمين

وأوضح أن المشرع السوداني، في مسودة القانون الجديد جرّم بشكل مباشر زواج الأطفال سواء كانوا ذكوراً أم إناثاً، قبل سن الثامنة عشرة، كما حظر توثيق عقد زواج مَن لم يبلغ الثماني عشرة سنة من الجنسين. وأشار إلى أن قانون الأحوال الشخصية لم يتضمن أي عقوبات لمخالفي هذه الأحكام وتركت للقوانين الأخرى.

وذكر الأمين أنه ورغم محاولات السيطرة إلا أن هناك زيجات خارج الأطر الرسمية للفتيات القاصرات (أقل من سن الرشد)، “ورغم أنه صحيح شرعاً إلا أنه مخالف للقوانين”.

قانون جديد

ووصفت أمينة أمانة الحماية بمجلس الطفولة أميرة أزهري، الموضوع بالشائك لعدة أسباب من بينها تضارب النصوص في تحديد سن المسؤولية أو الحد الأدنى لإكمال عقد الزواج، إذ أن النصوص الأساسية في قانون الطفل وقانون المعاملات المدنية وقانون الأحوال الشخصية نفسه حدد الثامنة عشرة كحد أدنى للمسؤولية، إلا أن الأخير ناقض نفسه عندما أجاز زواج المميزة التي أكملت سن العاشرة ولم تبلغ الثامنة عشر من عمرها.

وأضافت أن “هذا إلى جانب أن الواقع الإجتماعي والثقافة الشعبية في قبول بعض الممارسات والأعراف الاجتماعية يُؤثِّر بدرجة قد تطغى على الجانب الديني والقانوني أحياناً”.

واعتبرت أن الحل في سن التشريعات الرادعة، ورفع الوعي بالأضرار الصحية والاجتماعية والقانونية المترتبة عليه.

ونبهت إلى أن المجلس يعكف على صياغة مشروع قانون جديد للطفل سيجاز قبل نهاية العام الحالي كما استعجلت الحكومة في المصادقة على الخطة القومية لإنهاء زواج الأطفال في السودان خلال الفترة 2021- 2031.

“سهام” التي اجبرها والدها على الزواج، تغير موقفه بعد سجنه في قضية خرق القوانين وتزويج طفلته، ففسخ خطبة ابنه (13 عاماً). التغيير الذي حدث في قرار والد الطفلة “سهام”، وربما معتقده، هيأته ظروف معينة. لكن يبقى التحدي في مواجهة العادات والخرافات الاجتماعية التي تدعم استمرار تزويج الصغيرات، أكبر من إيجاد التشريعات وإجازة القوانين رغم أهميتها، وسهولتها في سودان ما بعد الثورة.

ـــــــــــــ

ملاحظة: “أسماء ضحايا الزواج المبكر الواردة في سياق التحقيق ليست حقيقية بغرض حماية الطفلات، وأي تشابه بينها وأشخاص آخرين يأتي من قبيل المصادفة“.



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: