ولمثل هذا اليوم كانوا يعملون..!! 


أحمد عبد المجيد

تاريخنا الحديث والذي يمتد لقرنين من الزمان مقروء بوضوح لا لبس فيه وهو فوق أنه مكرور ومجتر بتفاصيله الدقيقة بتأرجح بين اليأس والأمل لازال أحفاد الذين كانوا يديرون الحقب الأولى من الفتره يديرون علينا نفس الدوائر دون إضافة أو نقصان.

١-السيد علي الميرغني: والذي ولد بجزيرة ساي في شمال السودان وقد إنتقل به والده محمد عثمان الأقرب إلى سنكات هرباً من بطش المهدية وأخيراً استقر بهم المقام في القاهرة حيث إلتحق بالأزهر حيناً من الدهر وعاد للسودان ضابطاً للمخابرات في الجيش الغازي بقيادة كتشنر وقد ساهم فى حفظ الأمن والأرواح بإقناع كل القبائل الممتدة علي النيل من حلفا وحتى مداخل مناطق الجعليين والتي كانت تتبع للطريقة الختمية وساهم في إقناع دروع بشرية إشتركت في فتح الخرطوم وكانت النتيجة النهائية أن قتلى الطرفين في معركة كرري كلهم سودانيين وشكل هذا أول الزعازع في تاريخ السودان الحديث بتباين الرؤى مابين مناصر للفعل بكونه أنقذ المناطق التي والته من بطش الأنصار وقد طفح الكيل بهم من أفعال أنصار الخليفة عبد الله والذين يطلق عليهم (الدراويش) بينما يرى البعض أن الفعل عمالة لجلب المستعمر ، بل واصل ذلك بمعارضته لثورة ١٩٢٤م بقيادة علي عبد اللطيف كما وقف ضد مؤتمر الخريجين بالتنسيق مع صنوه السيد عبد الرحمن المهدي فى بداية تكوينه، كذلك قاد وفد الخنوع وتقديم الولاء للملك جورج الخامس عام ١٩١٩م وكان الملك قد أنعم عيه لقب سير قبل عامين من هذه الرحلة ويحمد له أنه رفض العرض الإنجليزي بتعينه ملكاً على السودان ومهما قيل عن أسبابه إلا أنها أكبر محمدة لزعيم في تاريخ السودان حيث لازالت الممالك التي أنشأها الإنجليز في المنطقة تحكم بلادها ملكاً إثر ملك. كان يتلقى الهبات من المستعمر في شكل أطيان وتسهيلات بلغت به شأناً عظيماً في عالم المال.

٢- السيد عبد الرحمن المهدي: بعد شعور المستعمر الإنجليزي بالتقارب القوى بين حكام مصر والسيد علي تنسيقاً لوحدة وادى النيل بدأ المستعمر في مغازلة السيد عبد الرحمن المهدي والذي أصلاً قد بدأه أقل بكبير فارق عن ذلك المقدم للسيد على الميرغنى وذلك بأقطاعه أراضي زراعية في الجزيرة أبا عام ١٩٠٨م بل أعانوه في صراع أصحاب الأرض معه وكان رجلاً ذكياً ورجل أعمال ناجح إلا أن الإعانة لم توافق طموحاته إلا بعد كسب ميل المستعمر بإقناعهم بولائه وقدرته على مواجهة المد المتجه نحو وحدة وادي النيل والذي بدأ يكتسب بعداً قومياً  تغيرت الخارطة بإحتضانه حزب الأمه والذي تشكل برعاية الاستقلاليين وهو النهج الذي يتوافق مع المستعمر. تنامت ثرواته بإنشاء دائرة المهدي حتى أصبح من أثرى أثرياء السودان فأمتلك القصور حتى في لندن وإمتلك سيارة (الرولز رويز)، إشترك في فى وفد الخنوع والطاعة عام١٩١٩م بمعية صنوه الميرغني وقدم سيف والده عربوناً للولاء والطاعة قائلاً: (أقدمه إلى جلالتكم دليلاً قاطعاً ومطلقاً في رغبتي أن تعدونني أنا وأتباعى في السودان خداماً مطيعين لكم).

٣-  مؤتمر الخريجين وهو مستنسخ من التجربة الهندية في مواجهة الاستعمار كعادتنا التي سارت تقليداً دون إبتكار وبعد مجهودات ضخمة بذلها مجموعة من الخريجين المستنيرين كإسماعيل الأزهري وأحمد خير وخضر حمد وكثيرون غيرهم تم التوافق على أهداف وإلتزامات المؤتمر غير أن الكثيرين من الموظفين وبعض الخائفين على أنفسهم أصروا على الحصول على موافقة السلطات البريطانية تحسباً لرد فعلتهم وخوفاً على أوضاعهم وظلت المذكرة حبيسة الأدراج بطول زمان إلى أن أنقذتهم الصدفة بتسريب خطاب سري للسكرتير الإداري السير أنقيس قيلان لمديري المديريات ورؤساء المصالح الحكومية يعبر فيها عن ترحيبه بالخطوة لأنها تخدم مصالح البلدين ما شجعهم لتقديم المذكرة.

٤-هكذا نلنا استقلالنا هبةً من المستعمر البريطاني( الذي ناء تحت وطأة أوزار الحربين العالميتين) بنضال شرس وبطولات خارقة لم تجد مكاناً إلا في ربابة وردي ومحمد الأمين والعطبراوي . وليتنا لم نفعل .

٥-وظهر بعدهم خلف أتبعوا الشهوات وأداروا رؤوسهم للبلاد وأرهقوا العباد طغياناً وفساداً، استنسخوا النظام البريطاني منهجاً للحكم الديمقراطي دون أي تعبيد طريق لنتداول الإعاقة لكل ديمقراطية نمهرها بغالي البذل ولأننا لانملك ضوابطاً تفرق بين الفوضى والإنضباط نرهق أنفسنا كفراً وطغياناً .

٦- السنوات التي تلت الاستقلال أدق تعبير لها ( كلمة جاطت) التي استخدمها ذلك الموظف الذي وجد نفسه مكان مديره الإنجليزي في سودنة الوظائف عند الاستقلال.

أ-كانت السودان ممالكاً صغيره قام الجيش الغازي بتوحيدها جميعاً مكوناً دولة تعد الأكبر فى إفريقيا واستثمرت فيها بما يحقق ماتصبو إليه بتبادل منفعة حققت للبلاد منافع لاتحصى ولا تعد وكانت تعمل على جعلها جنة إفريقيا إلا أن حظنا العاثر قد إبتلاهم بحربين عالميين أنهكت الحكومة البريطانية وصرفتها عن مشروعها وخوفاً من (الدب الروسي) عرضت مستعمراتها للأمريكان الذين لازالوا يديرونها نهباً وإبتزازاً بنظام التحكم من بعد باستغلال ثرواتها والصرف على برامجهم الاستعمارية خصماً على متطلبات النهضة في تلك الرقاع.

ب- مرت على بلادنا بعد الاستقلال (7) حكومات ثلاثة ديمقراطية وثلاثة عسكرية بالإضافه للحكومة الحالية التي لم أجد لها في قاموسي أي تعريف، وكانت الفترات العسكرية بإستثناء فترة الإنقاذ هي الأكثر إضافةً رغم رفضي الكامل للأنظمة العسكرية وهذا مرده طبيعتنا التنافرية وعدم استعدادنا لأصطحاب الآخر في مسيرة البلاد وعدم وجود أحزاب منظمه تحمل برامجاً واضحة وكوادراً قادرة على وضع ذلك حيز التنفيذ.

ج- هنالك عوامل أخرى ساعدت على مانحن فيه وهو أن المحيط الخارجي حولنا يدبر لنا تفكيكات أخرى بعد أن نجحت في تفكيك الجنوب وذلك بتقوية النعرات القبلية التي لم يكن لها هذا الحجم سابقاً ، كنا نتكاتف بعيداً عن العنصرية وأصبحت القبلية هي المفترق وكثيرون منا رهنوا إرادتهم لأطماع الخارج سيراً على سنة أسلافنا الأوليين.

٧-كنا نعتقد أن سنوات الإنقاذ ستكون موعظة لنا لننبذ الخلافات نحو إرساء مبادئ وأسس واضحه لنهضة حقيقية تنسينا عثرات الماضي فإذا هي تعود أشد وأكثر إيلاماً من ذي قبل ، تصدى شبابنا بصدورهم المفتوحة صوب بنادق الاستبداد مولين ظهورهم لخنوعنا المستمر شباب لم يعركوا السياسة من قبل ولكنهم أحسوا بإختلال الموازين وقفوا ينسجون صيوانات الفرح بدمائهم مهراً لعرس بلادي وقفنا نتفرج غير مستوعبين و بعجز استدراك الفجر، ثم قفز أرباب الضياع يجردون أبناءنا فعلتهم وسلبوا أفراحنا وأضلوا سبيلنا. كان شعار أبطال الملحمة حرية سلام وعدالة وأداروا البلاد بدكتاتورية وغموض.

الأمن والغذاء التعليم والدواء والكهرباء والماء والبيئة، نشق طريقنا في أرقى الأحياء وسط القمامات وأسراب الذباب ، بل وفي أول سابقة من نوعها في تاريخنا وتاريخ العالم لم تستطع الحكومة توفير بطاقات الهوية والجوازات لأشهر طويلة، ثم يأتي مناضلو (الكي بورد) يعددون الإنجاز ويوهموننا وأنفسهم بعبور لا يملكون لها جسوراً .

يتحدثون عن استقرار الجنيه الذي استقر بسعر وهمى لايحتمل الإبتعاد أكثر في معادلة القيمة وتحدثوا عن إنخفاض التضخم ولازالت الأسعار قفزاً على العمود ويتحدثون فائض عملات أجنبيه بالبنك المركزي وحكومتنا عاجزة عن تقديم أدنى المتطلبات:

وقفنا للأمل البكر ورقدنا بالألم الحكر .

نسأل الله أن يهدينا سبيل الرشاد . ونعود بإذن الواحد الأحد لو أمد البقاء.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب





مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: