الحاضنة وشرق السودان – صحيفة التغيير السودانية , اخبار السودان




أنس مصطفى

ما أن تتفكَّر قليلاً فيما ظلت تقوم به قوى الحرية والتغيير منذ توليها مقاليد الأمور في السودان حتى تصاب بالحيرة، فهذه المنظومة تسير بلا هدى، فلا هي اتخذت من شعارات الثورة علاماتٍ تضيء لها الطريق، ولا هي استندت على نصوص الوثيقة الدستورية التي تأكل منها متى جاعت مثل آلهة العجوة، بل فضلت أن تبقى هكذا، أقدامٌ من الهلام تتحرك هنا وهناك لتحصل على رزق اليوم باليوم متخذة من بيت إمرئِ القيس الشهير نموذجاً لها.

لو نظرنا في البيان الذي صدر عن الاجتماع الثالث للمجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير نجد أنه يؤكد على وجود قضية عادلة لشرق السودان وأخرى مصنوعة بغرض تدمير الانتقال المدني الديموقراطي، لم يتكلف البيان عناء توضيح ما هو العادل من القضية وما هو المصنوع، نحن نعلم أن قضية شرق السودان هي قضية اهمال من الحكومة المركزية على مرِّ الحقب تسبب في ركن أجيال من البجا في الفقر والجهل، وكان من المنتظر من حكومة الثورة والحاضنة القائمة على أمرها أن تأخذ مسألة الشرق على محمل الجد وأن تجلس مع أهله لتناقشهم، لكنها فضلت بدلاً عن ذلك توقيع اتفاق متهافت على هامش اتفاقها مع حركات دارفور ومع أشخاص ليس لهمتمثيل بلدة من بلدات الشرق، هذه هي القضية التي أوقدت هذا الحراك في شرق السودان؛ تزوير تمثيل أهل الشرق ومنح حزبين بلا وجود ٣٪ من سلطة الإقليم، وهي قضية واضحة وعادلة.

بعد فترة تتجاوز العام والنصف من تلكؤ الحكومة في الاستجابة لمطلب البجا بإلغاء اتفاق مسار الشرق أضيفت مطالب أخرى من قبل المجلس الأعلى لنظارات البجامثل حل الحكومة الحالية وتشكيل حكومة كفاءات مستقلة وحل لجنة إزالة التمكين، وهما مطلبان مبرَّران أيضاً، فالحكومة الحزبية الحالية تمثل خرقاً للوثيقة الدستوريةالتي نصت على حكومة كفاءات مستقلة، كما أن طريقة عمل لجنة إزالة التمكين العبثية قد تحدث عنها الكثيرون بما يغني عن الاستفاضة.

لنعود إلى بيان المجلس المركزي الذي يقول “الحرية والتغيير والحكومة على أتمِّ الاستعداد للجلوس مع كافة الأطراف بشرق السودان وتكامل مجهودات اتفاق سلام جوبا مع مصالح الأطراف الأخرى خارج الاتفاق لتوحيد شرق السودان وتعزيز الانتقال المدني الديموقراطي”، هذا البيان يمضي في نفس الضلال القديم بالاستناد على مسار الشرق، كما أن محتواه لا يتسق مطلقاً مع التصريحات التي ظلت تصدر عن رموز قحت منذ بداية الأزمة، فالتصريحات التي تطلق جزافاً جعلت من قحت طرفاً غير مرغوبٍ فيه ولا يصلح للجلوس مع البجا، ويمكننا ضرب العديد من الأمثلة، فالسيد الناطق الرسمي باسم المجلس المركزي للحرية والتغيير جعفر حسن يقول:”الحكومة المدنية تشوف سكة تتعامل مع الموضوع دا، لكن ما تكتل زول”، ثم يمضي الرجل بسهولة ويسر مماثلين ليضيف عن ناظر الهدندوة: “زول ضعيف القدرات، ضعيف الإمكانات، متواضع التفكير هو ما عارف عايز شنو لكن الوراهو معروفين لدينا”، وترك هذا اتفقنا أم اختلفنا معه يمثل قيمة كبيرة لدى قبائل البجا وهو زعيمهم الحالي.

مثال آخر الأستاذ إبراهيم الشيخ الذي كتب في رسالته إلى البرهان: “تفضون اعتصاماً سليماً وتكبدون القوى المدنية والشباب آلاف الشهداء، وتعجز عن التصدي لترك الذي يريد أن يعلن دولة الشرق” والإشارة هنا لا تحتاج إلى الكثير من الفطنة، موقف إبراهيم الشيخ يتسق مع مواقف أخرى في هرم الحرية والتغيير فالمعلومة التي ذكرها الناظرترك وآخرون تفيد بطلب الوزير خالد عمر يوسف والسنهوري من العسكر فض اعتصام شرق السودان بالقوة، كل ذلك يؤكد أن الحرية والتغيير ليست هي الجهة التييمكن أن تسهم في حل مشكلة الشرق.

للأسف لا يختلف حال رئيس الوزراء كثيراً عن حاضنته السياسية، فالرجل عجز بطول مدة حكمه عن إيجاد حلٍ لهذه الأزمة، بل ألقى بالمزيد من الوقود في النار المشتعلة حينما أشار إلى أن ما جرى في شرق السودان كان جزءاً من ترتيبات الانقلاب الأخير-إن كان هناك إنقلاب- هكذا دون انتظار للتحقيقات مُخرجاً نفسه من دائرة الفعل إلى مقاعد التفرجين مع صحبه في الحرية والتغيير مفسحاً المجال للعسكر لتصدر المشهد.

الكثير من الأقلام الصحفية وقادة الرأي العام لم يخرجوا كثيراً عمّا يقوم به العامة في وسائل التواصل الاجتماعي، فمشكلة الشرق تختزل عندهم في شخص الناظر ترك الكوزالذي يقود قوماً من البسطاء إلى المهالك إرضاءً للمؤتمر الوطني والسلام، وهو تلخيص كسول لا ينظر في مسببات هذه الأزمة رغم ما ظلت تكتبه الكثير من الأقلام منذ مفاوضات جوبا للتوعية بما قد يحدثوهذا يذكرنا بإعلام الإنقاذ الذي كان يختزل مشكلة الجنوب في شخص قرنق المدعوم من إسرائيل، ومثلما استفاق القوم من سكرتهم على أناشيد استقلال جنوب السودان، إن تركنا الحبل على غارب الثلاثي قحت/العسكر/حمدوك فلابدَّ أننا سنستفيق يوماً على أناشيد دولة وليدة في الشرق.



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: