همسات فى آذان البرهان وآخرين


بروفيسور صلاح الدين محمد الأمين
كما أن الصلاة لا تجوز بغير قراءة فاتحة الكتاب فكذلك لا يجوز التحدث فى شئون الوطن دون ذكر الثورة والترحم على شهدائها والابتهال اليه تعالى أن يشفى جرحاها وان يعيد المفقودين الى ذويهم سالمين، فنحن جيل حضر اكتوبر وابريل فنحمده تعالى الذى مدَّ فى أيامنا لنشهد احدى أعظم ثورات التاريخ واكثرها سلمية وتحضُّراً اذ أنها لم تكن ثورة جوع أو جياع بل ثورة مُثُل وخلق رفيع ، ثورة شباب كنا نظن أننا قد فقدناهم بفعل ما تعرضوا له من سوء تعليم وسوء اعلام كذوب وكثرة محاولات لغسل الأدمغة من على منابر جلبوا لها بعض ضعيفى دين وقليلى علم ، وفوق كل ذلك حاولوا أن يغيبوا عقولهم باستيراد المخدرات عبر المطارات والموانئ الرسمية ، ولكن وبالرغم من كل ذلك فقد نهض من بين هذا الركام مارد جبار (بنات وبنون) هزَّ الأرض تحت أقدام الطغاة وأبهر العالم من أقصاه الى أقصاه بثورة ليس لها مثيلٌ فى التاريخ وضعت السودان وشعب السودان ذا التاريخ البازخ التليد فى مكانه اللائق به ،هذا هو شباب ثورة ديسمبر ، الشباب المُعلِّم ، شباب الشعب المُعلِّم ، شباب الاقدام والايثار ، شباب ” لو عندك خت ولو ما عندك شيل” ، شباب ” أرفع ايدك فوق التفتيش بالذوق ” شباب ” تسقط بس” والكلمتان الأخيرتان هما اللَّتان زلزلتا عروش الطغاة وأعادا كل فأر الى جحره.

برهان وحمدتى وآخرون ألحقوا القطار قبل أن يفوتكم:

تمر الأيام سراعاً ويصر البعض الا يأخذوا العظات أو العبر من التاريخ قديمه أو حديثه فلذلك نعود ونذكِّرِهم بما ذكرنا به رئيسهم وقائدهم المخلوع (جريدة الأيام 9و10 مايو 2011) نذكِّرهم بامور ثلاثة اعتبرناها فى ذلك المقال – الموجَّه اليه حينها – مثل قوانين الفيزياء – والكاتب بحكم المهنة استاذ كيمياء فيزيائية – وهي:

1- ليس هنالك انقلاب عسكرى فى التاريخ حلَّ مشكلات بلد ما ، وليس هنالك انقلاب عسكرى لم يفاقم المشكلات التى ادَّعى أنه جاء لحلها.

2- ليس هنالك دكتاتورية فى التاريخ لم تنته الى كارثة.

3- الإنسانية لم تنتج حتى اليوم نظام حكم أسلم وأعدل من الديمقراطية اللبرالية التعددية بكل ما بها من عيوب .

كذلك ذكَّرناه (أى المخلوع بأمر الشعب ) فى المقال المشار اليه بكل ما أصاب السودان نتيجة حكمه (حتى حينها 2011) من خراب ودمار وأن ثورة شباب السودان قادمة قادمة وأن شعب السودان ليس كالشعوب الاخرى التى كانوا يضربون بها الأمثال بكل عنجهية حينها ونصحناه أن يكون مثل دى كليرك فى جنوب أفريقيا ليكون الآخرون مثل مانديلا ، وبقبة القصة معروفة اذ لم يستبينوا النصح هو وغيره “حتى بعد” ضحى الغد.

الآن نذكِّر الجميع ان زمن الانقلابات قد ولَّى الى غير رجعة وأن الشعب السودانى ليس كالشعوب الاخرى وتاريخه النضالى يختلف عن تواريخ شعوب اخرى فى الجوار او فى غير الجوار فهو لن يقبل تكرار ما حدث أو يحدث فى تلك الدول .

همسات فى آذان البرهان وآخرين:

ان من قاموا بانقلاب 21 سبتمبر هم بلا شك اناس يسبحون خارج بحر التاريخ ونظن أنهم لا يقرأون التاريخ أو لا يقرأون أصلاً ولا ينتمون لسودان كنداكات وشباب اليوم ويبدو أنهم لم يستمعوا الى أهازيجهم وأغمضوا عيونهم عن رؤية استقبالهم لرصاص الغدر والموت بصدورعارية وابتسامات أخافت أعداءهم ولم تفت فى عضدهم وكذلك عميت أبصارهم عن مشاهدة امهات الشهداء من الشباب الغض يتقدمن مواكب الشباب الهادرة التى أقسمت أن تلبس دماء زملائهم أوشحة تزين صدورهم وترهب كل من يتربص بالثورة التى استشهدوا فى سبيلها وسبيل أجيال وأجيال قادمة. الانقلابات العسكرية فى بلادنا أصبحت جزءاً من ماضٍ بائسٍ قديم والشكر للشباب الوطنيين من جنودنا البواسل الذين رفضوا أن يُدَنَّس شرفهم العسكرى السودانى الأصيل بمثل هذا العبث بتارخ شعب أصيل وصبيحة ثورة من أعظم ثورات التاريخ وهى الثورة التى وضعت بلادنا فى مكانها اللائق بها بين الامم ، ولذلك أفشل هؤلاء الجنود السودانيون هذا الانقلاب ،نقول للسيد البرهان والسيد حمدتى كانت هذه فرصة مواتية لكما لتحجزا مكاناً فى التاريخ بأن تدينوا الانقلاب باقسى العبارات وباتخاذ اجراءات حاسمة مقنعة ولكن للأسف اخترتما أسوأ الخيارات المتاحة وسبحتما عكس تيار التاريخ وذهبتما أبعد من ذلك بخطاباتكما أمام هؤلاء الجنود البواسل وغيرهم اذ نصَّبتم انفسكم أوصياء على الشعب المعلم “تسوقوهوسواقة وتودوهو محل ما عاوزين تودوهو” سبحان الله على الثقة الزائفة بالنفس ويا لها من لغة بائسة !

ثم كان الأدهى والأمر هو ذلك التجمعٍ الفضيحة فى قاعة الصداقة ، وكأن ذلك لم يكن كافياً ، فالآن (وأرجو أن يكون الخبر غير صحيح) تطالبان بابعاد “ود الفكى” عن مجلس رأس الدولة وهذا لن يحدث فقد أصبح ود الفكى أيقونة جديدة للثورة وأستجاب الشارع فوراً لندائه بصفته (أى ود الفكى ) رجل الدولة المسئول والمستشعر ثقل المسئولية وفى تلك الساعة المبكرة من يوم الانقلاب المشئوم ، فما أعظم الواجب وما أعظم الشعور بالمسئولية ، فالشارع سيظل جاهزاً كما شاهدتم للدفاع عن ثورته والوفاء لشهدائه ، نسأل الله أن تكون الرسالة قد وصلت الينا جميعاً (اكرر الينا جميعاً ) .

مسئولية رفع الحراسات:

ما هو أسوأ من الانقلاب كان الأمر برفع الحراسات عن مؤسسات الشعب المعادة من سارقيها الى الشعب صاحبها الشرعى وعن مقر لجنة التفكيك التى تحوى مستندات ووثائق هامة تخص الدولة فقد كانت دعوة صريحة الى الفوضى ودعوة للاعتداء على ممتلكات الدولة والشعب ، فهى بلا شك جريمة كبرى ينبغى الكشف عن مرتكبها أومرتكبيها ، وتدل على عدم المسئولية فى أقصى معانيها والذى ينبغى ان يحاسب من أن اصدر الأمر ويُنحَّى ويُسَاءل المنفذون فقد أصبح أو اصبحوا غير مؤتمين على أمن الوطن والمواطنين ، وهنا نشيد بدور الشرطة وكل المسئولين فى الشرطة فقد برهنوا أنهم فعلا يمثلون القانون وأنهم فى مستوى المسئولية وأنهم جديرون بالاحترام والاشادة بانضباطهم الحقيقى ووفائهم بالقسم الذى أدّوه ووفائهم لشعبهم.

وما يقوم به الشيخ ترك فى الشرق:

شيوخ القبائل ورجال الادارة الأهلية كانوا يمثلون الحكمة والقيادة الراشدة لقبائلهم كما يمثلون الترابط داخل القبيلة وحسن الجوار والتآخى وحلحلة المشكلات داخل القبيلة وبين القبائل ، سمعنا ونسمع باسم ترك منذ شبابنا الباكر(ربما كانا الجد والابن رحمهما الله) كما نسمع بالشيوخ الآخرين وروايات الحكمة التى ظلت تتواتر عنهم من مختلف أنحاء البلاد فلم نسمع بتاتاً بشيخ تسبب فى مشكلة أو ظهر على رأس فوضى . تخَلُّف الشرق وظلاماته لا تحتاج الا دليل (شأن كثير من أنحاء السودان) ، والآن فقط وبفضل الثورة بدأت حلحلة تلك الظلامات التاريخية لأنحاء السودان المختلفة ومن ضمنها وعلى رأسها الشرق وكنا نتمنى أن يتصدر ترك ومعه شباب الشرق من ثوار ديسمبر المجهودات الحقيقية التى بدأتها حكومة الثورة لنهضة الشرق ، والغريب أن حركة ترك الأخيرة بدأت بينما كان وزير الرى وكبار المسئولين فى الوزارة يزورون مشروعى القاش وطوكر اللذين دمرتهما الانقاذ تدميراً كاملاً مع الجزيرة وبقية المشروعات الزراعية والاقتصادية الاخرى(السكة حديد،النقل النهرى،سودانير كنماذج فقط) ولعل معظم القراء يعلمون أن القاش وطوكر كانا أهم المشروعات التى كان يستهدفها صندوق اعمار الشرق والذى دفعت فيه دولة الكويت حوالى مليارين من الدولارات لا يُعرَف حتى اليوم أين اختفت ، كنا نتمنى أن يُصِّر ترك على أن تواصل لجنة التفكيك والتى خُرِّبت مكاتبها فى بورتسودان ، أن تواصل جهودها ويُعينها على معرفة أين ذهبت هذه الأموال التى ربما كانت قد قفزت باقتصاد الشرق قفزة كبيرة فى اتجاه النماء والتطور وكان يرجى من ترك أن يساعد لجنة التفكيك على استرداد هذه الأموال من سارقيها اذ أنَّ هذا هو ما تقوم به هذه اللجنة المسنودة من شعب سودان الثورة والتى يطالب ترك بحلها بدل أن يكون أول داعميها، وكذلك كنا نتمنى أن يطالب ترك مع شباب الثورة بتحدبد قتلة 22 (وربما أكثر) من شباب الشرق المتظاهرين السلميين(ضد التهميش) فى يناير2005 واصابة العشرات منهم اصابات بالغة وأن يطالب بتقديم المجرمين الى محاكمات عادلة ولكنه ولأسباب ربما يصعب فهمها يريد محو ثورة ديسمبر المجيدة من تاريخ السودان ، فسبحان الله .

إن ما يقوم به ترك اليوم فى أجزاء من شرق السودان (موطن ميلاد عثمان دقنة وموضع جزء يسير من بطولاته ) هو عمل ضار و يعتبر جريمة كبرى فى حق الوطن وفى حق انسان الشرق الذى حُرِم من كسب قوت يومه “الحلال ” بالعمل فى الميناء الذى أغلقه ترك مدفوعاً – سواءً أكان يدرى أو لا يدرى – من جهات ربما تخاف المساءلة (عن أموال صندوق الشرق ) ومن جهات لها أطماعها الخاصة واخرى لا تريد خيراً للسودان الذى بدأ يتنفس بعد ثلاثة عقود من سجنٍ حشرته فيه الانقاذ (وترك يعترف أنه ينتمى الى المؤتمر الوطنى أى الانقاذ) والآن فقط بدأ العالم ينظر الى السودان والينا كشعب محترم يستحق المكان اللائق به بين الامم فرُفِعت الديون وبدأت المعونات تصل ، والأهم من المعونات بدأت طلبات الاستثمار الحقيقية تنهال وهذا ما لا تريده لنا بعض هذه الجهات التى تعمل على تفكيك السودان وابقائه متخلفاً ، فهيهات هيهات، فان المارد قد انطلق.

الذهب والمعادن الاخرى:

يكاد العالم كله يعترف أن الثروات الكامنة فى جوف الأرض أو على سطوحها من ذهب ومعادن اخرى أو نفط هى ملكية عامة تملكها و تشرف عليها حكومات ولا تُملَّك لأفراد، وأن عمليات التعدين هى فى معظمها عمليات ضارة وربما مدمرة للبيئة وبخاصة لو قامت عليها جماعات طامعة أو قليلة العلم والخبرة ، ولذلك فعمليات التعدين ينبغى أن تدار بحكمة وتعقل ويُبعَد عنها المغامرون أو حملة السلاح (كما يحدث فى بلادنا الآن) ونُنَبِّه بأن الأموال الطائلة التى اكتنزها البعض بطرق غير عادية أو عبر ” شركات” مشبوهة ومعروفة عالمياً ، ننبه (فى زمان الفضاءات المفتوحة والانترنت ) أن كل من يقرأ ولو لبعض وقت قصير يومياً يستطيع أن يعلم أن مثل هذه الأموال والموسومة ب”أموال الدم Blood Money ” معروف حركتها وأنَّ حركة كل دولار فى أى جزء من العالم مرصودة فى نيويورك وأنَّ تحويلها الى دبى أو أية جهة فى العالم لن يسبب الا حرجاً ومشكلة للجهة المحول اليها وأنها سوف تعود الى أصحابها الحقيقيين فى يوم ما بَعُد أم قَرُب .

الى بعض الأشقاء:

يكن السودان كل الحب للأشقاء والجيران يبادلهم الاحسان بالاحسان ولكن لا يرضى لنفسه الضيم من أية جهة أتى فما زال السودانيون يذكرون ويحتفون بذكرى زيارة عباس محمود العقاد وبعده على الجارم فى أربعينات القرن الماضى وزيارة الكتورة بنت الشاطئ والسيدة ام كلثوم فى الستينات وعبد الرحمن الأبنودى ,وبعده نزار قبانى (من سوريا) فى السبعينات ، فأما زيارات مسئولى الأمن المتكررة هذه الأيام فليس مرحباً بها.

حمدوك:

حملناك عبئاً ثقيلاً تنوء بحمله الجبال أعانك الله ، واصل عملك فى صمتك وصبرك ، وليكن لك متحدث باسمك يطل علينا فى أوقات راتبة وعند الامور العاجلة ، فالثورة لم ولن يخمد أوارها وهى بالغة غاياتها فى الحرية والسلام والعدالة ونحن عابرون بعون الواحد الأحد .

صحيفة التحرير



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: