أثيوبيا وحركة الحلو.. التنفس برئة واحدة


بقلم : أمير بابكر عبد الله

يبدو أن الحكومة الإثيوبية الجديدة، التي تشكلت عقب نتيجة الانتخابات الأخيرة، وجدت وقتا لتتنفس بهدوء بعد المعارك الطاحنة التي جرت خلال الشهور الماضية.

فبعيدا عن الشأن الداخلي وما أحدثته الخلافات السياسية من شرخ بائن في جدرانه الذي لا تزال تظهره آثار القذائف والدماء على جدرانه، انتقلت الحكومة الجديدة في سرعة يبدو أنها محسوبة جيدا للنظر إلى المشهد الإقليمي والعلاقة مع الجوار. ومن الطبيعي أن يحظى السودان بالمرتبة الأولى في سلم أولويات اهتمامها وأجندتها.

ولعل ما جاء أخيرا في الأخبار بأن الحكومة الأثيوبية الجديدة، وبعد انقضاء أسبوع واحد من تشكيلها، سمحت للحركة الشعبية لتحرير السودان شمال التي يقودها عبد العزيز الحلو، بفتح مكتب لها في العاصمة أديس أبابا وآخر على الحدود مع ولاية النيل الأزرق في مدينة أصوصا الحدودية.

بهذه الخطوة يبدو أن الطرفين أرادا التنفس من رئة واحدة وبأسرع ما يمكن، بعد أن ظلا ولفترة طويلة تحت ضغط انتجته الظروف المحيطة بهما كل على حدة.

التوقيت الذي أعلنت فيه هذا الخطوة، إضافة إلى أن موقع المكتب الحدودي في أصوصا إلى جانب مكتب العاصمة، يحمل العديد من الدلالات. فالمدينة الحدودية هي عاصمة إقليم بني شنقول – قمز والذي يقع داخله سد النهضة الذي لا يزال مصدر خلاف بين الدول الثلاث.

بقراءة لموقف الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال بعد توقيع اتفاق سلام جوبا في أكتوبر 2020 ، يمكن القول أنها وجدت نفسها في موقع ضعيف رغم أنها تمتلك القوة العسكرية الضاربة التي تفوق قوة فصائل الجبهة الثورية التي وقعت الاتفاق مع الحكومة مجتمعة. وهو ما دفعها إلى السعي وراء تشكيل حلف سياسي تستقوى به تكتيكيا في إطار المفاوضات الجارية بينها والحكومة، خاصة وأن اتفاق جوبا وجد دعما إقليميا ودوليا من الصعب تجاوزه، كما انها ربما تفكر في الحفاظ على هذا الحلف استراتيجيا لمرحلة ما بعد السلام وانتهاء الفترة الانتقالية.

الشيء الآخر والمهم بالنسبة للحركة هو إثبات حقها في ادعاء تمثيل المنطقتين، جنوب كردفان والنيل الأزرق، فهي عمليا تسيطر على مناطق في جنوب كردفان حيث تتواجد قواتها بينما لا يمكن القول إنها تسيطر فعليا على مناطق في النيل الأزرق وإن كان لها رصيد مقدر من القوات والداعمين لموقفها من المواطنين في مقابل الجناح الآخر وهو الحركة الشعبية لتحرير السودان الجبهة الثورية الذي يقوده مالك عقار، ابن المنطقة أصلا ووالي النيل الأزرق في مرحلة اتفاق سلام نيفاشا وقبل اندلاع الحرب بعد استقلال جنوب السودان.

حكومة أبي أحمد الجديدة ستكون مواجهة بالموقف من التطورات الحدودية بين السودان وأثيوبيا خلال الشهور الماضية وخاصة أنها تعتبرها مرتبطة باندلاع الحرب بين الحكومة الفدرالية وإقليم تيغراي. فالسودان الذي استطاع جيشه استرداد أراضي واسعة من منطقة الفشقة الحدودية، التي كانت تحتلها أثيوبيا لسنوات طويلة إبان حكم نظام الإنقاذ البائد، وبسط سبطرته عليها، أثار حفيظة الحكومة الإثيوبية إلى درجة اتهامه بالوقوف وراء جبهة تحرير تيغراي التي استعادت أنفاسها وابتدرت هجوما مضادا على إقليم الأمهرا ومناطق أخرى، هذا إلى جانب تمرد آخر في إقليم بني شنقول – قمز المجاور للسودان ويسبب للحكومة الفدرالية صداعا متواصلا.

وكما قال أمير الشعراء احمد شوقي: فإن يك الجنس يا ابن الطلح فرقنا فإن المصائب بجمعن المصابينا، فها هي المصائب يجمعن أبي أحمد وعبد العزيز الحلو. طبعا سيذهب البعض إلى استفادة إثيوبيا من قوات الحركة في حربها على متمردي إقليم بني شنقول قمز، وربما يحلق خيال البعض في سد النهضة، لكن الحقيقة أن أديس تحتاج في الوقت الراهن إلى كرت ضغط تلوح به في وجه السودان كخميرة عكننة كلما احتاجت إلى ذلك، فقوات الحلو لا تشكل للجيش الفيدرالي أي إضافة نوعية كانت أو كمية، كما أن وجود مكتب رئيسي للحركة في العاصمة أديس سيمكن أثيوبيا من فرض بعض الشروط والسعي إلى تحقيق بعض النقاط والمكاسب أثناء أي جولات مفاوضات قادمة بين الحركة والحكومة السودانية.

الحركة الشعبية شمال هي الأكثر تنفسا من خلال هذه الرئة، وستحقق لها هذه الخطوة العديد من المكاسب السياسية والميدانية. فعلى الصعيد الميداني فإن مدينة أصوصا الإثيوبية تقع على مرمى حجر جنوب شرقي مدينة الكرمك السودانية، وهذا سيمكنها من استعادة بعض أو كثير من نفوذها في هذا الإقليم. وأصوصا ليست بغريبة على مقاتلي الحركة الشعبية لتحرير السودان منذ انطلاقة الحركة الأم، فقد كانت قاعدة خلفية للجيش الشعبي منذ حكم نميري وعبرها دخلت قوات الجيش الشعبي للكرمك وقيسان، واستمرت كذلك حتى عودة العلاقات الإثيوبية السودانية مع مطلع الألفية الثالثة.

استعادة الحركة الشعبية لنفوذها في النيل الأزرق سيمكنها من إعادة انتشار قواتها على المنطقتين مما سيعزز من موقفها العسكري، خاصة مع وجود حليف إقليمي جديد كأثيوبيا. كما أن الوضع السياسي الداخلي المضطرب في السودان سيضعف أكثر من قدرات غريمها مالك عقار ونفوذه في النيل الأزرق.

على الصعيد السياسي ستعزز تلك الخطوة من قدرتها على الحركة بعد ان كانت محصورة في كاودا وتقوي من عناصر الثقة في قدرتها على بناء تحالفات سياسية أكثر تأثيرا على المشهد السياسي العام، ويدعم من موقفها التفاوضي مع الحكومة في الجولات المقبلة.

وسيمثل وجود مكتب لها في العاصمة أديس فرصا اكثر للتنفس، بعد أن ظلت رهينة لعاصمة جنوب السودان جوبا، طوال هذه السنوات، رغم استحالة انفكاكها عنها لمعادلات جيوبوليتكية لكنها ستجد متنفسا آخر يتيح لها الحركة بحرية أكثر، فجوبا فيما يبدو تقف على مسافة واحدة من الحلو وعقار مما يضعها في موقف حرج تجاه العلاقة مع النيل الأزرق على الأقل. إضافة لذلك فإن وجودها في أديس يعني انفتاحا دبلوماسيا اكثر على العالم، ويكسبها قدرة اكبر للمناورة في خياراتها.





مصدر الخبر موقع سودان تربيون

أضف تعليق