عوض أحمدان…الولد البسوي وما بقول سويت..


الحياة بتفاصيلها الكثيرة مسرح عريض يعتلي خشبته كل  فرد حسب قدراته ومجهوداته ما يلبس أن يترجل بفعل عوامل شتى يترك المجال من بعده لأعماله تتحدث عنه، ذكراً وحسن مقال  أو نسياناً لا يترك لصاحبه  أثراً على بال…

تمضي الحياة في رحلتها لا تلوي على شيء، طبقاً لنسق الله المكتوب يعيشها الإنسان بطولها وعرضها ينال نصيبه من الفرح والحزن والعسر واليسر الرقة والشدة الحل والترحال الخير والشر يدركه الليل ويأتي عليه النهار حتى يستوفي  رزقة كاملاً من الدنيا، فيمضي إلى حياته الأخرى، طمعاً في عفو الكريم الغفار..

في ذلك المساء الحزين إنتبذت كعادتي مكاناً قصياً في ركن من أركان الدار لمعرفة ما حملته الوسائط والأسافير عن (لعبة) الكراسي التي تدور رحاها بين السياسيين تسمرت في مكاني عندما إصطاد بصري نعياً نشره على حائط صفحته، الأخ إبراهيم أرقي معلناً رحيل الدكتور كمال أبوسن في إنجمينا تلقفت الخبر بين مصدق ومكذب إمعاناً في التروي بعد أن شاع بيننا كثيراً (كضب) الوسائط التي قتلت الكثيرين من الرموز والمشاهير وهم على قيد الحياة إتصلت على عجل بصديق الطرفين د. سليم أحمد بابكر بأيرلندا، فكانت الفاجعة عندما جاءني صوته هذه المرة واهياً ومخنوقاً (البركة فينا وفيكم، د. أبوسن مات)،، كانت تلك عبارة دكتور سليم أغلق بعدها الهاتف ليفسح للأحزان مساحةً جديدة أحالت  الدواخل إلى بركان من الألم يتحرك بعد رحيل دكتور كمال أبوسن الرجل الإنسان الذي لم يجرفه بريق الشهرة بعيداً عن غمار الناس وبسطاء القوم من رقيقي الحال الذين أفسح لهم مكاناً في قلبه الكبير.

كان ميلاد كمال محمد أحمد محمد  إدريس في طابت بالجزيرة ينتمي دماً ورحماً إلى منطقة (أرقي) التي كان إسهامها واضحاً في مسارات الثقافة والأدب والفنون قدمت الغريد صديق أحمد وعبد الرحيم أرقي وعبد المنعم أبو نيران وغيرهم من فرسان النضم السمح لم يقتصر نشاط د. أبوسن على مجاله الطبي الذي كان فيه من المميزين البارزين له علاقة بالأدب يمتلك ناصية القول وقوة العبارة وجزالة المفردة خير شاهد على  ذلك القطعة الأدبية النادرة التي دبجها في وداع الروائي العالمي ود(كرمكول) الطيب صالح كان مشاركاً في أغلب المحافل الثقافية يغشى منتدياتها بصورة راتبة عند نزوله أرض الوطن مباشرةً(من المطار رأساً) كان زبوناً دائماً لمنتدى الخرطوم الثقافي الذي تقوم على أمره الأستاذة فتحية البركل يحضر ويشارك ويشتهي أحياناً (كورة المديدة)  التي تجد بت البركل في تجهيزها نزولاً لرغبة الدكتور إلتقيناه كثيراً، وصديقه الدكتور عمر حمور في صالون أولاد عشي بالخرطوم (2) في (فطور) الجمعة ومنتدى (الحديقة) وغيرهما من  المناسبات..

لا أحتاج في هذا المقام إلى الحديث عن أبي سن الطبيب الذي طفقت شهرته الآفاق وملأت سيرته الأرجاء خلال ما قدمه من أعمال جليلة في جراحة الكلي للغلابة والمساكين الذين كانوا ينتظرون عودته على جمر الإنتظار الذي تهبه رغبتهم في لقائه..

كان، أبوسن وفياً لموطنه، وأهله في أرقي ساهم بجهده وماله وفكره لتطوير وتنمية مهد الآباء والجدود، عبر عن ذلك بعفوية تامة ودموع أخضلت اللحي أحد المواطنين أثناء مراسم الدفن، مشيراً إلى القبر، صائحاً بصوت حزين،(ياجماعة ده دكتور أبوسن الكان بدعمنا لبناء وتقوية الجسر) بكى الحاضرون بدمع هطال وما أغلى دموع الرجال عندما  فاضت تودع الشهم الكريم الذي أستوى، جسده المسجي، داخل غياهب القبر الموحش…

قبل أربعة أعوام، إلإ قليلاً، صحبته في رحلة إلى بورتسودان ضمت د. عمر حمور د أحمد فرح شادول والموسيقار عثمان محي الدين بغرض تدشين كتابه الجديد ضمن أعمال منظمة (أبو سن) الخيرية التي جعلها وقفاً لروح والده أقاموا العيادات المجانية بترتيب مع الهيئة القضائية هناك إختتمناها بليلة ثقافية بالنادي العالمي عن الشاعر حسين بازرعة ترجم أغنياته لحناً بديعاً، ساحر الكمان عثمان محي الدين في الطريق إلى بورتسودان نزلنا برغبة الدكتور أبوسن في ضيافة المرحوم إبراهيم جاد الله (شفقة) بحي المطارتحلقنا حول طعام الغداء كان الطبق الرئيس صحن (الكسرة) بملاح (الكداد) الذي طلبه دكتور أبوسن شخيصاً قبل تحركنا من الخرطوم…

تخرج الدكتور الراحل في كلية الطب بجامعة الخرطوم في أوائل الثمانيات طاف بمهنته أغلب  مناطق السودان يمم بعدها وجهه صوب غربته الطويلة حتى كانت فاجعة الرحيل بأنجمينا. بشهادة زملائه ومنهم دكتور سليم أحمد بابكر كان أبوسن محباً لعمله مخلصاً لمهنته مهتماً بمرضاه ساعياً لراحتهم باذلاً لوقته وراحته وماله دفع ثمن نجاحه حرباً ضروساً قادها ضده بعض بني جلدته من الأطباء ناصبوه العداء ونالوا من سمعته حتى ظهر الحق وزالت الغمة فجاءت برأته لتلقم أعداءه حجراً أخرس ألسنتهم التي جاهرت بالجور والبهتان، طاف أرجاء المعمورة وزار دول العالم إكتسب الاسم والشهرة حتى مواراته الثرى في شبر واحد في بيته الجديد يتساوى في ذلك الرئيس والوزير والغني والفقير والخفير اللهم أرحم أخانا دكتور كمال أبوسن أنت وحدك تعلم سره وعلانيته جازه بالخيرات والعفو والإحسان اللهم انزله منازل الأبرار في صحبة النبيين والأخيار وأجعل البركة في عقبه وأجبر كسر الوطن في فقده وعوض البلاد خيراً وألهمنا عبرة الموت إذا صار مصيرنا، إلى ما صار إليه…وسلام عليك يا (كمالاً) في الخالدين..

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب





مصدر الخبر موقع الانتباهه

أضف تعليق