وزير المالية الأسبق والمستشار الاقتصادي بصندوق النقد والبنك الدوليين د . التجاني الطيب لـ(الإنتباهة) : (1 ـ2 ) :حكومة الثورة لم تخرج من دائرة الإنقاذ في إدارة الاقتصاد


حوار : عبد الرحمن صالح

تفاقمت الأزمة الاقتصادية بشكل مريع ، وأصبحت البلاد تعيش تدهورا اقتصاديا غير مسبوق ، وأزمات خانقة في السلع الاساسية كالخبز وغاز الطهي والوقود ، وارتفاع مطرد في معدلات التضخم مما اثر على المعدل العام للأسعار ، وزاد ذلك من حدة الارتفاع في أسعار الخدمات والسلع الأساسية، حالة من الارتباك الكبير صاحبت أداء الحكومة في الجانب الاقتصادي ، وأصبح تركيزها على البعد الخارجي ، حكومة الثورة ورثت عبئاً اقتصادياً ثقيلاً ، لكنها لم تضع سياسات أو خططا مقنعة ذات مردود اقتصادي ملموس .
” الإنتباهة ” جلست لوزير المالية الأسبق، والخبير  والمستشار الاقتصادي بصندوق النقد والبنك الدوليين د . التجاني الطيب  لتشخيص الوضع الاقتصادي والسياسي الراهن ، ووضع روشتات للخروج من الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها البلاد . فإلى مضابط الحوار:

* كيف تنظر للوضع الhقتصادي الراهن وما هي الحلول للخروج من الأزمة ؟
=المعلومات الرسمية للأسف ما زالت غير متوفرة ، بغض النظر عن الارقام الواردة في موازنة 2021 بالرغم من انها تعدلت وأجيزت بواسطة المجلسين السيادي والوزراء ، إلا انها لم تنشر للرأي العام ولا أحد يعلم عنها شيئاً ، والأرقام المتوفرة الآن هي الموجودة في الميزانية الأصلية اضافة الى بعض المعلومات التي أصدرها بنك السودان المركزي حديثاً  فيما يختص بالعرض الاقتصادي بالموجز الإحصائي للتجارة الخارجية ، لكن حتى هذه المعلومات ليست حديثة ومعظمها يتحدث عن النصف الاول من العام 2021 ولكنها لم تعط  كل الأرقام التي يجب أن تكون متوفرة كي تعكس المؤشرات الرئيسية للاقتصاد حتى نستطيع ان نقيم الأداء الاقتصادي ، و اذا نظرنا الى موازنة 2021 الأصلية كانت تتوقع نمو إجمالي الناتج المحلي بنسبة 1% ، وكانت تتوقع نمو عرض النقود في حدود 30% ، وان الميزان التجاري سوف يكون 4,4 مليار ، والصادرات 3,8 والواردات 8,2 ، الميزان الكلي كان متوقعا في حدود 160 مليون دولار كي تذهب في الاحتياطي المركزي ، ومعدل نمو الاستثمار العام كان متوقعا ان يرتفع .
واذا نظرنا الى إجمالي معدل النمو الحقيقي نجد أن هناك تغييرا من الأرقام الرسمية ، فمثلاً أن معدل نمو عرض النقود في الربع الأول من العام 2021 ، معدل النمو كان حوالي 81% والموازنة تتحدث عن 30% ، بمعنى أن هناك فرقا كبيرا جداً في معدل عرض النقود مما يجعل من أرقام الموازنة لا قيمة لها تذكر ، المقترح لمتوسط معدل التضخم في الموازنة 95%  ، لكن متوسط التضخم في الثمانية أشهر الاولى من عام 2021 بلغ حوالي 368% ، والميزان التجاري حدث فيه تقدم ، وهبط بمبلغ 2,5 بدلاً من 4,4 في الميزانية الرسمية ، ونجد أن الأرقام التي وضعت في الموازنة العام  لم يحقق منها شيء، والأرقام الموجودة في الموازنة نجد انها ما عاد لها علاقة بالواقع ، معدل عرض النقود في الربع الأول ارتفع الى 81% بدلاً من 30% ، والتضخم ارتفع لـ368% ، ونمو الاقتصاد في هذا العام كان سالبا بمعدل “5 ـــ4%” ، النمو للأسف بعيد كل البعد عن الموازنة الحقيقية..
عدم النمو والتضخم أدخل الاقتصاد فيما يسمى بالحالة “الانكماشية” ، بمعنى أن ترى في الأسواق السلع متوفرة نسبياً ، لغياب الطاقة الشرائية ، والخروج من الحالة الانكماشية للاقتصاد يكمن في خيارين ، اولهما أن تأتي  استثمارات أجنبية لتنعش الاقتصاد وتعيد له الحياة ، والثاني في الجانب المالي للحكومة ، بمعنى أن تقوم الحكومة بضبط المالية العامة ، ويجب أن يتماشى الصرف الجاري مع الإيرادات ويتقلص قليلاً ، حتى تدخل الحكومة في مرحلة ادخار كي يذهب الى التنمية ، وهذا يمكن أن ينعش الاقتصاد ، ولكن للأسف الحكومة عملت بالعكس وبهلت المالية العامة ،  والحكومة لديها هذان الحلان ، ولكنها حتى الآن لم تتخذ اي واحد منهما .
*عفواً .. الميزان التجاري شهد تحسنا كبيرا ؟
=نعم الميزان التجاري تحسن والصادرات في النصف الاول من 2021 وصلت 2,5 مليار دولار والواردات 4,1 مليار والعجز التجاري بلغ 1,6 مليار ، وهذا تقدم بالنسبة للنصف الأول من 2021 ، ولكن اذا نظرنا للأرقام بنوع من التفصيل نجد أن زيادة الصادرات كانت 1 مليار ، منها زيادة صادرات الذهب التي بلغت 720 مليون ، اي ما يساوي 70% من الزيادة في الميزان التجاري بمعنى ان الذهب هو السبب الرئيسي في تحسين الميزان التجاري ، والغريب أن صادرات الذهب في 2021 كانت اقل من 300 مليون وهذا لم يحدث في تاريخ صادرات الذهب ، والآن صادرات الذهب قفزت بالحجم الكبير وحلت جزءا من مشكلة الميزان التجاري ،ولكن المشكلة سوف تأتي في النصف الثاني أذا أخذنا الزيادة 70% وكلها اتت من الذهب ، بمعنى أن القطاعات الآخرى لم يحدث فيها تقدم ملحوظ ، واذا نظرنا للأرقام بنوع من الدقة نجد أن الحديث الذي يدور في  الدوائر الحكومية أن الميزان التجاري انخفض بالتالي هي بداية الفرحة وكل المشاكل اتحلت نجد أنه كلام غير صحيح ،والصورة الكلية في الميزان التجاري رغم التحسن الشكلي إلا أن النظرة التحليلية للأرقام تشير الى أن المشكلة الاقتصادية ما زالت قائمة ولابد من بذل مزيد من الجهود، والسياسات التي بنيت عليها أرقام موازنة 2021 لم تأت  باي مفعول على الاقتصاد ،خاصة  الأرقام التي وضعتها الحكومة ، لم تدعمها بسياسات تحقق نتائجها ، وتؤدي الى الاستقرار السياسي والاقتصادي.

* ما جدوى تطبيق الحكومة لروشتة صندوق النقد الدولي للعبور بالاقتصاد؟
=سياسات البنك الدولي التي اتخذتها الحكومة تصب في خانة واحدة أساسية وهي رفع الدعم عن المحروقات ، وهذا ما فعلته الإنقاذ في عامي “2013 و2016” ، حيث أنها رفعت الدعم والايرادات التي تأتي منه تصرفها في الجانب الجاري من الموازنة ولا تذهب للتنمية ، وإصلاح الدعم يكمن في أن الإيرادات التي تأتي من عائد رفع الدعم يجب أن تذهب نحو التنمية ، وخلال عامين تلاشت لانها صرفت في المكان الخطأ ولم يكن لديها تأثير على الاقتصاد بل بالعكس عقدت مشكلة الموازنة العامة. وفي الموازنة الحالية الحكومة وقعت في نفس الخطأ ، وبنيت الموازنة على رفع الدعم ، والحصائل التي أتت من رفع الدعم لم تنزل تحت للتنمية ، ووضعت فوق في الصرف على الإنفاق الجاري والانفاق غير التنموي ، ولم يكن لها معنى في جانب التنمية وتحريك الاقتصاد الكلي كي تصل للمعادلة التي بنيت عليها الموازنة ، وهذا احد الأخطاء الأساسية التي ارتكبتها  الحكومة الحالية اذ لم تتعلم من تجربة الانقاذ ، وكان مفروض عليها أن تتعامل مع إصلاح الدعم ، ونقله من الاستهلاك للإنتاج.
مشكلة السودان الاساسية في كل الحكومات بالذات في الثلاثين سنة من حكم الانقاذ والحكومة الحالية انها بنت الموازنة العامة على الإنفاق غير التنموي ، مما جعل الحكومة ليس لديها مخرج ، وعندما تأتي للصرف على التنمية يتم “بالجرورة” بمعنى السحب على المكشوف من البنك المركزي ، وهذا هو أحد الأسباب الأساسية للتضخم . في العملية الإصلاحية كان مفروض تعالج هذا الخلل بان تأخذ الدعم من خانة الاستهلاك وتنزله تحت للإنتاج ، وهذا لم يحدث، والحكومة ارتكبت خطأ استراتيجيا ثانيا وزادت المرتبات والأجور .

*عفواً .. كيف تسببت زيادة المرتبات والأجور في رفع التضخم؟
=الحكومة كان لديها مشكلة مالية وإصلاح الميزانية كان هو الهدف الاساسي لها ، وبدلاً من أن تبدأ بإصلاح المالية العامة زادت المواهي والأجور ، وهذا خطأ لم يحدث في تاريخ الاقتصاد ، بأن أصلاحا ماليا يبدأ بزيادة المواهي والأجور زيادة لم يشهدها السودان ، وهي بدأت الإصلاح خطأ مما أدى الى رفع التضخم ، والحكومة بدلاً من أن تعالج المشكلة المالية عقدتها ، والحكومة كان لديها مفهوم خاطئ بأن المانحين سوف يقومون بتمويل المواهي والاجور من موارد حقيقية وسوف يقمون بدعم السودان بمبلغ في حدود “2” مليار دولار ، مما دفع الحكومة لزيادة المواهي والأجور ولم يبق لديها خيار غير تنفيذ الزيادات واتت بها من السحب على المكشوف ، وهذا رفع التضخم من حوالي 90% الى حوالي 270 % بنهاية العام 2020، وبدلاً من تعالج المشكلة التي حدثت من زيادة المواهي والأجور ، دخلت على الفور في الجانب الثاني من الإصلاح المتمثل في رفع الدعم ، وهذ أجج نيران التضخم وترك الاقتصاد يمر خلال عامين ونصف بدفع قوية جداً من الصدمات التضخمية الى أن وصل الى 423% في شهر يوليو ، الامر الذي جعل الاقتصاد يدخل في مرحلة “الانكماشية” ،وحتى المواهي والاجور التي تمت زيادتها بنسبة تفوق 600% التضخم أكلها وزاد عليها ، وكانت القيمة الشرائية للماهية قبل الزيادة أفضل من بعد الزيادات التي تمت.
*كيف تنظر إلى زيارة رئيس البنك الدولي ديفيد مالباس للبلاد ؟
=الزيارة غرضها شخصي أكثر من ماهو خدمة للسودان . مالباس رئيس البنك الدولي كان مستشارا للرئيس الأمريكي ترامب في الحملة الانتخابية للعام 2016 وهو من جناح اليمين المتطرف مع ترامب ، ولما جاءت ادارة ترامب تقلد عدة مناصب وفي ابريل من العام 2019 وصل لمنصب رئيس البنك الدولي ، ومنذ قيام المؤسستين صندوق النقد والبنك الدولي رئاسة البنك عادة أمريكية ، ورئاسة مجلس تنفيذي الصندوق اوربية ، وتقاسم الاثنان الكراسي ، وأصبح  تقليدياً البنك الدولي رئيسه أمريكي ، والصندوق رئيسه أوربي ، ووصول مالباس للخرطوم في هذا التوقيت ، لجهة أن لديه مشاكل كبيرة مع الديمقراطيين فالإدارة الأمريكية تريد التغيير ، ومن المتوقع أن تعين   الادارة الجديدة رئيسا جديدا للبنك الدولي ، مالباس أتى للخرطوم من أجل أن تدعه الادارة الأمريكية الجديدة كي يتم فترته في رئاسة البنك الدولي قبل أن تأتي الإدارة الجديدة بشخص من الديمقراطيين ، وهناك أسماء بدأت تدور في واشنطن لرئاسة البنك الدولي من الديمقراطيين ، وهو يفتكر أن الحاضنة الخارجية للسودان امريكا وخاصة الإدارة الحالية ، لذلك يفكر أن تدعمه شخصياً في البقاء برئاسة البنك ، ولكن مالباس في الزيارة لم يقدم شيئا جديدا ولم يقل شيئاً جديدا ، الزيارة  كانت “حفلة” ، وزيارة مالباس تكلفة على الحكومة ، وكان على الحكومة أن تصرف الأموال على الفقراء والمساكين يمكن أن تفيدهم ، أفضل من ان تصرف عليه في حملة انتخابية شخصية .

*ما الإجراءات التي يمكن أن تتخذها الحكومة لكبح جماح التضخم؟
=الحكومة الآن في موقف صعب جداً ، وأدخلت الاقتصاد بالإجراءات التي اتخذتها في المرحلة “الانكماشية” ، وهذه المرحلة لديها حلان للخروج من هذه الحالة ، اولهما يكمن في جلب الاستثمارات الأجنبية وفي الوقت الحالي لا يوجد مستثمر أجنبي او محلي سوف يدخل في الاقتصاد ،  والحل الثاني الحكومة تجنبته خلال العامين ونصف الماضيين وحملت المواطن عبء كل الإجراءات الاقتصادية ، ونفدت هي بجلدها ولم تدفع اي شيء في تلك الفترة من الإجراءات الاقتصادية ، وعقدت من مشكلة  المالية العامة حتى أن العائد من رفع الدعم لم يذهب بالطريقة الصحيحة لدعم الإنتاج وتحريك الاقتصاد الكلي ،وأصبح لا يوجد مخرج غير أن تبدأ الحكومة “بتقطيع لحمها” كي تعالج مشكلة الميزانية العامة وتخفض الإنفاق الحكومي ولو تدريجيا ، حتى تساوي  الإيرادات الكلية الانفاق الجاري ، والانفاق غير التنموي وبعدها تدخل في عملية انتاج موارد كي تدخلها في عملية التنمية وتنزلها للاقتصاد .

*عفواً ..  استخدام هذه السياسات يمكن أن يؤدي إلى خفض التضخم ؟
=التضخم جزء منه يأتي من الإنفاق العام الذي يتم من السحب على المكشوف ، بمعنى أن الحكومة بتصرف مثلاً في المتوسط الإيرادات الكلية بتاعتها زائد 20 ــــ25% من اجمالي الإيرادات في الإنفاق غير التنموي ، ولما تأتي للفرق بين الايرادات الكلية والانفاق غير التنموي وهذا ما يسمى بالعجز الجاري ، بمعنى ان الحكومة تكون معجزة قبل أن تأتي للتنمية ، فالتنمية تتم كتحصيل حاصل ، وهذه احدى مشاكلنا الأساسية أن الاقتصاد لم يحدث فيه تطوير في القاعدة خلال عشرة سنوات ، والإنقاذ كانت تتعامل مع الاقتصاد بنفس هذا الأسلوب ، والحكومة الحالية لم تطلع من دائرة الانقاذ في إدارة الاقتصاد ، بل انها تورطت أكثر ، والإيرادات التي أتت كبيرة جداً ، ورفعت من الإنفاق الجاري بصورة كبيرة لم يشهد لها السودان مثيلا .

*كيف تنظر إلى موازنة العام 2022؟
=موازنة العام 2022 بعيدة والى الآن الباحثون والرأي العام لم يتمكنوا من رؤية الميزانية المعدلة للعام 2021 ، والآن نحن نقرأ الأرقام من الموازنة الأصلية للعام 2021 ونحاول أن نقارنها ، ولكن وزارة المالية لم تصدر بيانا ولم تخرج وتشرح ماذا تحتوي الميزانية المعدلة ، التي أجيزت من المجلسين السيادي والوزراء ، وأنا اعتقد أنها تنفذ حالياً ، ولكن لا أحد يدري عنها شيئاً ، لأنه لا يوجد مجلس تشريعي كي يطلع عليها الرأي العام والباحثون يحصلون على نسب منها ويحللونها ، الميزانية أجيزت سرياً وحفظت سرياً ولا أحد يعلم ما بها ، ولكن ممكن أتخيل أن ميزانية العام 2022 لن تختلف عن ميزانية العام 2021 أن لم تكن اسوأ منها ، لأن الى الآن الإنفاق الجاري للحكومة ما زال عائما ، والحديث أن الحكومة ليس لديها موارد لإكمال الترتيبات الأمنية ، فالحكومة لسة لها بنود كثيرة في الصرف الجاري سوف تدخل في الموازنة وهذا ما سوف يعقد موازنة العام 2022 ، إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات من الآن للحد من الإنفاق غير التنموي ، وتحاول أن تصل إلى معادلة تحرك بها الاقتصاد .

 

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب





مصدر الخبر موقع الانتباهه

أضف تعليق