زين العابدين صالح عبد الرحمن .. ديمقراطية الفرضيات المنقوصة


إن الصراع السياسي في السودان قد وصل إلى مرحلة استقطابية حادة، و يتطلب فيه الحكمة و تدخل أصحاب العقليات المحكومة بالشغل الذهني، الذي يقدم مبادرات وطنية بعيداً عن المصالح الخاصة و الحزبية، و هذه تتطلب من النخبة التي تشتغل بالفكر أن تفكر خارج الصندوق، لكي تفتح منافذ عديدة  للحل عبر حوارات وطنية تشارك فيها كل تيارات الفكر، أن تقديم المبادرات السياسية المشروطة غير مقبولة في ظل الصراع الحاد، أنما المبادرات المفتوحة التي يقبل أصحابها الحوار بهدف تطويرها لكي تشكل قاعدة للتوافق الوطني.

معروف أن الدولة الديمقراطية تؤسس على حكم القانون و إحترامه من قبل الجميع، و الباب دائماً مفتوح للتعديل من قبل القوى السياسية إذا استطاعت أن تقنع 75% من المؤسسة التشريعية للتعديل، لذلك يصبح الدستور هو المرجعية التي يتحاكم عليها الناس و المؤسسات و القوى السياسية. و الوصول لهذه الغاية تحتاج إلى الصبر و النضال المتواصل وسط المجتمع لتحقيق غاية التوافق الوطني، لكن مشكل الصراع في السودان كل قوى تريد أن تؤسس عملية التحول الديمقراطي وفقاً لشروطها هي دون مراعاة لرؤية الآخرين، الأمر الذي يعقد عملية التوافق الوطني.

من أهم شروط التحول الديمقراطي، أن أي يعمل تقوم به سلطة الفترة الإنتقالية يجب أن يكون متوافقاً مع قيم الديمقراطية و مستند إليها. لأن الديمقراطية تحتاج لقوانين تسندها و إلي ممارسة تتوافق مع هذه القوانين لأنها سوف تنتج ثقافة ديمقراطية عبر الممارسة تتحول إلى سلوك في المجتمع، و أيضاً يجب فحص الشعارات التي تطلقها القوى السياسية إذا كانت داعمة للعملية الديمقراطية أو مفارقة لها، و هنا يكون واجب  منظمات المجتمع المدني و الصحافة و الإعلام مراقبة ذلك، بإعتبارها هي المناط بها أن تفضح السلوك و الثقافة غير الديمقراطية، و تبين أثرها السالب على عملية التحول الديمقراطي.

يقول حمدوك في خطابه الذي يستبق به مسيرة ( قحت 2) السبت يقول (وكنت طوال هذه الفترة أؤكد ما أريد تأكيده لكم اليوم، هذه الأزمة ليست وليدة اليوم ولم تهبط علينا من السماء ولم تفاجئنا البتة، بل سبق أن تطرقت إليها بالتشخيص المفصل في مبادرة (الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال- الطريق إلى الأمام). جوهر هذه الأزمة التي لا يجب أن تضل أبصارنا عن النظر إليه، هو تعذر الإتفاق على مشروع وطني متوافق عليه بين قوى الثورة والتغيير، يحقق أهداف ثورة ديسمبر المجيدة وآمال شعبنا في الحرية والسلام والعدالة.) ظلت الأزمة تتفاقم من قبل أن يقدم حمدوك مبادرته، و بعد المبادرة و الشروع فيها بدأ الوضع يتأزم أكثر، بإعتبار كل جانب متخندق في موقفه دون خطوة إلي الإمام، و هذه ترجع لغياب أهل الفكر في الساحة السياسية الذين يستطيعون تقديم مبادرات أخرى، و طرح أسئلة جديدة في الساحة السياسية لكي تغير الموضعات المطروحة على مائدة الحوار إلي موضوعات أخرى يمكن أن يقبل الجميع المشاركة فيها، و التي تجعل الكل يتقدم خطوة نحو عملية التحول الديمقراطي و الشروع في تنفيذ أهداف الفترة الانتقالية، أن أغلبية الشعب ثار من أجل التحول الديمقراطي و أحد يرفض ذلك في المجتمع إلا قلة، الذين يبحثون عن مصالح خاصة.

هناك بعض القوى السياسية تعتقد أن مشاركتها في بناء السودان و عملية التحول الديمقراطي مسألة مهمة و واجبة، لآن الديمقراطية تشيد و ترسخ من خلال مشاركة كل القوى السياسية التي سوف تصبح ضامن للدفاع عن الديمقراطية، و عدم الإعتداء عليها. خاصة أن تجربة الإنقاذ 30 عاماً التي جعلت كل القوى السياسية على هامش الفعل السياسي كان سببا في فشل مشروعها السياسي، و أيضاً فشل عملية الديمقراطية و النهضة، لذلك لابد أن يتجه الجميع لمساندة قيام نظام الحكم الديمقراطيالذي يسع الجميع. و أن يكون دورالنخبة السياسية و الأحزاب توعية الجماهيرو إرشادها باحقوقها و واجباتها و أحترام اللوائح و القوانين، و ليس فقط أن تدفعها للساحات بهدف الهتاف فقط. أن البلاد أنتقلت لعملية البناء بعد توقيع الوثيقة الدستورية و تحتاج إلي توافق لكي يتفرغ الكل لعملية البناء التي تتطلب أن يطلق الشباب طاقاتهم الإبداع في شتى حقول المعرفة و الفنون و الأداب. أن عملية الإبداع تتطلب مساحات واسعة من الحرية و تتطلب العمل الجماعي، أن التوافق الوطني و خلق الاستقرار الإجتماعي السياسي يساعد على ذلك. فهل تستطيع القيادات السياسية أن تخرج البلاد من الإرث الموروث السياسي السالب الذي أورد البلاد موارد الفشل. و أن تخلق واقعا جديدا للأجيال الجديدة.

و أيضاً يقول حمدوك في خطابه ( نحترم حق الجماهير في التعبير السلمي الديمقراطي، وهو حق انتزعته الجماهير بنضالاتها المتواصلة، ونعمل على حمايته وتأمينه ومناقشة المطالب المطروحة بذهن مفتوح.نسعى لتوسيع قاعدة المشاركة وأن تتوحد كل قوى الثورة خلف الأهداف المعلنة، وأن تكون بوصلتها هي شعارات وأهداف الثورة، حتى وإن تعددت منابرها. كما نسعى لمراجعة وتجويد مؤسسات الإنتقال لتكون ممثلة لكل السودانيين وقادرة على عكس رغباتهم وطموحاتهم) هنا ينطلق حمدوك من أرضية جيدة يحاول أن يؤسس عليها صرح الديمقراطية، و يؤكد على قناعاته الخاصة أن تصبح المشاركة الواسعة مدخلاً جديداً لبناء الثقة بين القوى السياسية، لأنه يخلق البيئة الصالحة لنمو الديمقراطية. فالإنطلاق من منصة الوطن دائماً تفتح أفاق أوسع لفرص الحل. و أن الرغبات الشخصية و الحزبية المشروطة هي دائماً تضيق واسعاً. فالذي يريد الحرية و الديمقراطية يجب عليه أن ينظر لمتطلباتها، و يعمل وفقاً لها، حتى يجد نفسه قد إتسع صدره و فتح ذهنه للحوار مع الأخر، و هو المطلوب في ظل التحولات السياسية من نظام شمولي إلي دولة التعددية السياسية. نسأل الله حسن البصيرة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب





مصدر الخبر موقع الانتباهه

أضف تعليق