وزير المالية الأسبق الخبير والمستشار الاقتصادي بصندوق النقد والبنك الدوليين د. التيجاني الطيب لـ (الإنتباهة): (5) جهات جمعت المليارات في فترة الإنقاذ وأصبحوا الآن مستشارين وجزءاً من الحكومة الجديدة (2 ــ 2)


حوار: عبد الرحمن صالح
تفاقمت الأزمة الاقتصادية بشكل مريع، وأصبحت البلاد تعيش في تدهور اقتصادي غير مسبوق، وأزمات خانقة في السلع الأساسية كالخبز وغاز الطهي والوقود، وهناك ارتفاع مطرد في معدلات التضخم أثر في المعدل العام للأسعار، وزاد ذلك حدة الارتفاع في أسعار الخدمات والسلع الأساسية، وحالة من الارتباك الكبير صاحبت أداء الحكومة في الجانب الاقتصادي، وأصبح تركيزها على البعد الخارجي، وحكومة الثورة ورثت عبئاً اقتصادياً ثقيلاً لكنها لم تضع سياسات أو خططاً مقنعة ذات مردود اقتصادي ملموس، ورفع الدعم أو تحرير الاقتصاد لا يتم بالطريقة الحالية التي تتبعها الحكومة، بل يجب أن يكون ضمن حزم اقتصادية مدروسة وواضحة تقدم للمواطن بشفافية كاملة). إزاء كل ذلك جلست (الإنتباهة) مع وزير المالية الأسبق الخبير والمستشار الاقتصادي بصندوق النقد والبنك الدوليين د. التيجاني الطيب، لتشخيص الوضع الاقتصادي والسياسي الراهن ووضع روشتات للخروج من الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها البلاد.. فإلى مضابط الحوار:
* الإجراءات التي اتخذتها الحكومة تقول إنها وضعت الاقتصاد في الطريق الصحيح.. كيف ترى ذلك؟
ــ الحكومة لم تضع الاقتصاد في الطريق الصحيح ولا توجد مؤشرات لذلك، فعندما تقول إنها وضعت الاقتصاد في الطريق الصيحيح فإن ذلك يظهر في المؤشرات الرئيسة للاقتصاد، فالنمو والتحسن يظهر في الاقتصاد الكلي وبالتحديد القطاعات الحقيقية من زراعة وصناعة، والأرقام لا تشير الى وجود تحسن في الاقتصاد الحقيقي رغم الإجراءات، لجهة أن الهدف الأساسي للحكومة معالجة المشكلة المالية والمشكلة المالية لم تعالج، وهذا كان الهدف من كل الإجراءات الاقتصادية التي نفذتها الحكومة، ولكن إذا نظرنا للنمو فإنه مازال سالباً والحالة الانكماشية مازالت سائدة، والسلع متوفرة ولكن لا توجد قوة شرائية، والحكومة تفكر في زيادة الأجور وهناك ضغوط على الزيادة، وهي مشكلة وتحدٍ لموازنة عام 2022م مما سيعقدها، ويبدو أن الحكومة تريد أن تعالج مشكلة بمشكلة.
* ما هي أبرز الآليات الاقتصادية التي يمكن أن تتبناها الحكومة لإعادة التوازن الاقتصادي؟
ــ البلاد تعاني من عدم التوازن الاقتصادي ويتمثل ذلك في أن الاستهلاك أكثر من الإنتاج، ولمعالجة هذه المشكلة يجب أن تتم معالجة الجانب المالي والجانب التنموي، والحكومة تحتاج إلى معالجة المالية العامة التي تمكنها من التحكم في التضخم، لأن جزءاً من التضخم ان الحكومة تصرف كل إيراداتها في الجانب غير التنموي وتأتي للتنمية في جانب تصرف (تحصيل حاصل) وصرف على المكشوف، وهذا جزء من التضخم، وعندما تعالجها تبقى عندها مشكلة الإنتاج، وحتى لو عالجت الحكومة الجانب المالي فإن عدم التوازن سوف يظل موجوداً لأنها مازالت تنتج أقل مما هو مطلوب لاستهلاكها وتعتمد على الخارج، وهذا نحن نسميه (التضخم المستورد)، وفي شهر أغسطس الماضي الحكومة قررت أن التضخم نزل، ولكن عندما تنظر إلى الأرقام تجد أنه لم ينزل، فالأرقام تم التحكم فيها، وإعادة التوازن الاقتصادي تتم بالإنتاج وضبط المالية العامة التي تقلل الطلب وتزيد العرض وهذان عندما يتلاقيان فإن ذلك يسمى التوازن، وإذا كان هناك خلل يكون في جانب العرض أو الطلب، لكن الآن يوجد خلل في العرض والطلب يتمثل في جانب العرض في الإنتاج وفي جانب الاستهلاك لأن الحكومة تستهلك أكثر من دخلها.
* ما مدى تأثير الأزمة السياسية بين مكونات الحكومة في الأوضاع الاقتصادية؟
ــ الأزمة لها تأثير كبير جداً، ولا يمكن أن تدير اقتصاداً إلا في ظل استقرار سياسي وأمني، وإذا لم يوجد استقرار سياسي يستحيل أن تعمل سياسات اقتصادية تثبت بها الاقتصاد، بالإضافة إلى الانعكاسات السالبة للازمة داخلياً وخارجياً، لأن العالم الخارجي عندما يرى السياسيين مشغولين بمناوشات داخلية والنخب السياسية مشغولة بقضايا فارغة وغير مهتمة بالقضايا الأساسية، العالم الخارجي سواء كان من ناحية مساعدات أو من ناحية استثمار لن يأتي إليك.
* هل يؤثر التراشق الإعلامي والحرب الكلامية بين المدنيين والعسكر في الاستقرار العام؟
ــ طبعاً، لأنه جزء من تركيبة الاستقرار في البلاد، فإذا كانت النخب السياسية غير متفقة فكيف سوف تتفق على سياسات اقتصادية، وهذا يؤثر في رسم السياسات الاقتصادية وتطبيقها على أرض الواقع وتنفيذها بنجاح كي تثبت الاقتصاد وتركزه، والمناوشات في الأساس واحد من أسباب عدم الاستقرار، وعدم الاستقرار سواء كان سياسياً أو أمنياً له آثار سالبة على الأوضاع الاقتصادية، فلا بد من توفر الاستقرار.
* هل يؤدي اسقاط الشراكة بين المدنيين والعسكر لإجهاض الثورة؟
ــ الشراكة للأسف الشديد تمت خارج الأطر الشرعية، وهم أناس اتفقوا على أشياء، ولم يأتوا بصورة منتخبة كي تكون لهم الشرعية بالصورة التي يتفقون عليها، وعلى هذا الأساس لم يتفقوا على الآليات (الحكومة إذا عايز تتخارج منها مشكلة)، فلا المدنيون سوف يتركونها للعسكر ولا العسكر سوف يتركونها للمدنيين، وكل طرف لن يتركها للآخر والصراع سيستمر، وعلى الطرفين أن يعقلا وأن يحترما وقار السلطة والمنصب ووضع مصلحة البلاد أمام كل شيء، لأنهم كلهم ليست لديهم شرعية وغير منتخبين، ولا يستطيعون أن يتكلموا باسم أي شخص حتى يستطيعوا تحريك البلاد وتركيز الاقتصاد وإصلاح بعض المؤسسات وصولاً للانتخابات التي تأتي بسلطة شرعية منتخبة تقود البلاد.
* مدى تأثير إغلاق الشرق في الغلاء والضائقة المعيشية التي يعاني منها المواطن الآن؟
ــ الإغلاق يؤثر في الأداء الاقتصادي، والحكومة فقدت كثيراً من المليارات في الإيرادات بإغلاق ميناء بورتسودان، وهذا يؤثر كثيراً في الاقتصاد الكلي، والحكومة غير مهتمة بالقضايا الاقتصادية، والناس تتناكف في قضايا غير اقتصادية وليست لديهم رؤية لكيفية معالجة الاقتصاد وهذا يزيد الأزمة.
* ما هي خطورة التهديد المتواصل بفصل الشرق حال عدم استجابة الحكومة لمطالب البجا على الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية؟
ــ مشكلة الشرق إذا لم تعالج بنوع من الحكمة سوف تكون سابقة، وكل مجموعة في السودان سوف تقوم بإغلاق السكة حديد أو طريق أو بيارة ويقولون إن لديهم قضايا، وعلاج مشكلة الشرق إذا لم يتم بحكمة سوف يكون سابقة لعدة بؤر في عدد من المناطق، والتهديد بانفصال الشرق كلام مبالغ فيه، والشرق ليست لديه المقومات لكي ينفصل ويبقى دولة حتى لو لديهم الميناء، والاقتصاد الكلي يريد إيرادات وهي تأتي من باقي السودان، والإيرادات التي تأتي من الميناء لا تكفيهم كدولة، والشرق غير مؤهل كي يبقى دولة قائمة بذاتها، وليس من الحكمة أن ينفصلوا وهم ثلاثة ملايين شخص كي يكونوا دولة ليست لديها مقومات، فقيام الدولة مكلف جداً سواء كان من ناحية مؤسسات أو من ناحية مالية،  ونجد أنه منذ استقلال السودان الحكومات تتعامل مع قضايا الأقاليم بصورة (التجزئة)، لكن لم تجلس وتضع إطاراً قومياً لحل مشكلات أقاليم السودان في إطار كلي، وحتى مشكلة الشرق حلها في إطار جزئي لن يوقف النزيف بأن تقوم جهة أخرى، فالشرق سوف يكون مدخلاً لحل كل القضايا القومية في إطار قومي يتوافق عليه كل أهل السودان وبرنامج ملزم للحكومة بأن تنفذه عبر سنوات حسب ما هو متوفر لها من الموارد، والشرق إذا ذهب في الوضع الحالي سوف يضع الاقتصاد في موقف صعب ويهز البلاد هزة كبيرة ولديه تأثيره السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
* رفضت سابقاً المشاركة في الحكومة الانتقالية بمنصب وزير دولة بالمالية واعتذرت عن المجلس الاستشاري لوزير المالية.. ما هي أسباب رفضك؟
ــ كنت وزير دولة بالمالية سابقاً، ولا يمكن بعد ثلاثين سنة أن أرجع وزير دولة ولا أستطيع أن أعمل شيئاً، فالحكومة الحالية حكومة محاصصات وليست حكومة كفاءات، وليست لديها رؤية ولا برامج ولا سياسات محددة مفصلة لكي تحل مشكلات البلاد، فالحكومة هذه حكومة ولاءات وليست حكومة كفاءات، وفي هذا الإطار ماذا يفعل وزير الدولة؟ ففي هذه البيئة لا تستطيع أن تعمل شيئاً، والوزير ليس كفؤاً للمنصب الذي وضع فيه، وولاؤه ليس لرئيس الوزراء وإنما للحزب الذي أتى به، الحكومة كلها للأسف بقت بهذا الشكل، والإطار الحكومي الحالي غير جاد لشخص كي يأتي بصورة جادة ليعمل شيئاً يخرج به البلاد، ولا توجد سياسات يستطيع أن يمسك بها رئيس الوزراء وزراؤه، أما بالنسبة للمجلس الاستشاري فمن الصعب جداً أن يتصل بك مدير مكتب ويقول لك السيد الوزير رشحك لأن تكون عضواً في المجلس الاستشاري، وأنا أعتقد أن في ذلك نوعاً من (الوقاحة) وعدم الاحترام، فأبسط الأشياء أن يتصلوا بي قبل الترشيح، ووزير المالية يحتاج إلى استشارة يومياً، ومستشار أي وزير الخدمة المدنية وعلى رأسها وكيل الوزارة، والمجلس يجتمع كل ثلاثة أشهر، وأنا أدخل في مجلس يجتمع كل ثلاثة أشهر فماذا أفعل حينها؟، فالمجلس (ديكوري) ولا قيمة له ولا معنى، بل يشجع على عدم تقويم وإعادة بناء الخدمة المدنية، والإتيان بالمجلس الاستشاري للوزير من الخارج يحطم الخدمة المدنية، ووكيل الوزارة يفترض أن يكون مستشاراً للوزير.
* كيف تنظر للإجراءات التي تقوم بها لجنة إزالة التمكين وهل يمكن أن تسهم الأموال المستردة في استقرار الوضع الاقتصادي؟
ــ لجنة إزالة التمكين جسم لم يبن على أسس صحيحة، والحكومة إذا أرادت أن تقوم جسماً تنشئ مفوضية مكافحة الفساد حسب ما هو منصوص عليه في الوثيقة الدستورية، وحسب ما هو معمول به في العالم كله، فالعالم لا يتعامل مع آلية تفكيك التمكين وإنما يتعامل مع آليات مكافحة الفساد، واللجنة صممت قانوناً ونيابة وأصبحت دولة داخل دولة، والفساد الذي حدث في فترة الإنقاذ معروف، وهناك أربع أو خمس جهات خلال فترة الإنقاذ هي التي استفادت من الإنقاذ، واكتنزت المليارات وهربتها للخارج، وهي الآن خارج دائرة لجنة التمكين، والآن هم أصبحوا جزءاً من النظام الجديد وكأن شيئاً لم يكن، والذين أكلوا اموال البلاد معروفون، ولجنة إزالة التمكين لم تصل للناس الحقيقيين الذين اغتنوا في فترة الإنقاذ، (وهم أين كانوا منذ 1989م؟ واين هم الآن؟ وأين المليارات التي لديهم بالداخل والخارج، كلهم حايمين وبقوا مستشارين وجزءاً من الحكومة الجديدة).
* ما مدى استفادة الدولة اقتصادياً من التطبيع مع إسرائيل؟
ــ من الناحية الاقتصادية لا يمكن أن يستفيد السودان من التطبيع مع إسرائيل، فإسرائيل دولة معتمدة على المعونات وهي جزء من تركيبتها، ومنذ سلام 79م وإلى اليوم إسرائيل تصرف ثلاثة مليارات دولار كل عام من أمريكا بالإضافة للدعم العسكري، والألمان مازالوا يدفعون لـ (هلوكوست) مليارات الدولارات، وإسرائيل دولة تعيش إلى حد ما على الإعانات، وهي دولة صغيرة جداً وليس لديها شيء تقدمه للسودان، بل بالعكس السودان قد يفيد إسرائيل أكثر مما هي تفيده، فالتطبيع جزء من المعادلة لدعم النظام، وأمريكا في عهد ترامب قالت: (ممكن سياسياً ندعمكم لكن تطبعوا مع إسرائيل)، وهناك دول مثل الإمارات طبعت مع اسرائيل ولديها تجارة، ويمكن أن تستفيد تجارياً من إسرائيل وتستفيد من الأسواق الإسرائيلية والتكنولوجيا الأمنية، وهذه أشياء نحن لا نريدها من إسرائيل.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب





مصدر الخبر موقع الانتباهه

أضف تعليق