بعد الإتفاق على حكومة كفاءات مشاركة الحركات المسلحة في التشكيل الوزاري هل يخل بالمعادلة ؟


الخرطوم : أحمد طه صديق

تاريخياً في كل دول المنطقة دوماً تكون للبندقية كلمتها الفصل في تحديد المستقبل السياسي لبلدانها ، وصحيح إن كلمة الشعب عبر الإنتفاضات الشعبية العامة تفرض إردتها لكن المفتاح الأخير يظل في يد العسكر لأنهم هم الذين يسجلون نقطة الحسم الأخيرة بإزاحة النظام المغضوب عليه بيد أن أياديهم في فترات التحول الإنتقالي كثيراً ما تكون قابضة على مفاصل  الدولة حتى إنه بعد فترة قصيرة يبدو حصادهم في الحكم إجتراراً للنظام السابق الذي أزاحوه بعد أن  هيأت لهم الجماهير الثائرة طريق النصر وتمهيد الطريق ، ففي كثير من الدول في القارة السمراء والتي شهدت إنقلابات بالجملة سيما في فترة الستينيات من القرن الماضي حتى إن البعض أطلقوا طرفة ساخرة حينما (قالوا إن أي ضابط إفريقي يستيقظ مبكراً يمكنه أن يستولى على السلطة) والمعروف إنهم دائماً ما يعدون الجماهير بعودة الديمقراطية في البلاد عبر إنتخابات نزيه وفي السودان وعد جعفر نميري الذي إنقلب على النظام الديقمراطي في عام 1969م جماهير الشعب السوداني بحرية المشاركة السياسية عبر منظومة الإتحاد الإشتراكي والمساهمة في الرقابة الفعلية على الحكومة وسن التشريعات عبر ما سمي بمجلس الشعب  غير أن الواقع الفعلي كان يكذب تلك الوعود وذاك الخطاب السياسي الخادع فالنميري هو الذي يعين رئيس المجلس وعدداً من النواب داخله وحين تتصادم قرارات المجلس أو حتى آداءه العام يقوم بحله بقرار فردي كما نصّب النميري نفسه رئيساً للجمهورية عبر إنتخابات مطبوخة فاز فيها بنسبة 99% أكثر من مرة وبذلك إكتسب شرعية مدجنة  من حاكم عسكري يحكم عبر منظومة عسكرية في إطار ما يعرف بمجلس الثورة إلى رئيس جمهورية يكرس كل السلطات في يديه ، يقيل الوزراء في لحظة غضب ويعينهم بعد موجة رضا عابرة غير أن هذه الصورة لا تختلف في بلدان أخرى تم إختطاف ثورتها بعضها كان على أيدي حركات مسلحة متناحرة مثل ما حدث لفترة طويلة في دولة ليبيا حيث أصبحت بعد الثورة الكلمة العليا فيها للسلاح بينما تحولت الجماهير المدنية الثائرة التي تظاهرت ضد الحكم الاستبادي بزعامة القذافي باتت ضحية لتلك النيران وتم سلب إرداتها وتبخرت مع دخان البنادق وتقاطع مصالح النفوز الخارجي قبل أن يتم قبل لاحقاً عودة الإستقرار فيها لكن بعد كلفة باهظة.

غير أن المشير الراحل سوار الذهب قائد القوات المسلحة آنذاك قدم صورة زاهية مختلفة كقائد للجيش عندما إنحاز للجماهير التي ثارت بقوة منذ مارس 1985م حتى توج كفاحها في السادس من إبريل من نفس العام  حيث لم يحاول سوار الذهب  إختطاف الفترة الإنتقالية ولم يحاول فرض إرادة مجلسه العسكري على شركائه المدنيين في الحكم وكانت هناك سلاسة وإنسجام كبير بين الطرفين حتى قيام إنتخابات نزيهة في عام 1986م وتسليم السلطة للحكومة المنتخبة حيث لم تشهد أية نزاعات بين الطرفين قي الفترة الإنتقالية بالرغم من أن المدنيين كانوا مستقلون لكنهم كانوا ينفذون خيارات الثورة حيث قامت محاكمات لرموز النظام القديم جرت بسلاسة وتم إعلان الأحكام فيها وتنفيذها ، غير أن نظام البشير الاستبدادي عندما أطاح بالنظام الديمقراطي  كان من الطبيعي أن ينحاز لرموز النظام المايوي وقام بإطلاق سراحهم جميعاً رغم الأحكام التي أدانتهم عبر محاكمات عادلة تابعتها الجماهير عبر التلفاز .

بين صور وصورة

ربما في تلك الحقب من حكم تجربة ثورة ديسمبر قد تكررت مشاهد التاريخ السياسية المختلفة في بلادنا أو في منطقتنا عامة بصورة شبه منسوخة أحياناً أو متباينة في الإطار الخارجي فقط ، فالصراع السياسي المحموم للنخب السياسية هو السلم الذي صعد عليه الإنقلابيون وشكلت الإختلافات الكبيرة في الساحة السياسية شرعية قسرية لهم  وحجج استغلوها لسلب السلطة بليل  حيث ظل الحفاظ على وحدة البلاد وأمنها   وتحقيق رفاهيتها وتعرضها للمخاطر وإجتثاث الفساد أجندة متدوالة لدى كل إنقلابي القارة السمراء وبإسمها صعوداً إليها وبإسمها دجنوا إرادة شعوبهم و بإسمها أيضاً نكّلوا بالمعارضين وزجوا بهم في غياهب السجون .

ولم يكن السودان بعيد طوال تاريخه بعيد عن تلك التحولات السياسية السالبة في الحكم .

تجربة ديسمبر

على إتفاق كل المراقبين المنصفين دولياً وداخلياً تبقى ثورة ديسمبر 2019 ثورة رسمت مسارها النضالي على صفحات التاريخ الحديث وعلي جداره بإعتبار إنها ثورة إعتمدت على السلمية وسيطر عليها الوعي وإنحسر عنها العقل الجمعي الغوغائي وتمكنت من كسر شوكة نظام يعتبر من أكثر الأنظمة الشمولية استبداداً ويتمتع بآلية أمنية تغلغت في كل مفاصل الدولة على  إختلاف مكوناتها الإجتماعية .

وقدم الثوار درساً للشعوب المقهورة بأن الكفاح المدني السلمي هو مفتاح النصر على قوى الإستباد مهما تعاظمت قوتها ، وبالمقابل أثبتت الوقائع على الأرض من خلال التجربة السودانية  إن الأنظمة التي تعتمد على آلية القوة المسلحة يصعب كسر شوكتها بذات السلاح وإن حدث ذلك فإن الثمن دوماً يكون باهظاً جداً فحصاده آلاف النازحين ومعسكرات اللجوء وإندياح موجة الفقر وحرمان الأطفال من التعليم  والصحة وتعثر عجلات التنمية .

ويرى بعض المراقبين إن إتفاقية جوبا للسلام رغم إنها حقنت الدماء لكن يبدو أن حرص مفاوضها الرسميين على إنفاذ المهمة التاريخية جعلهم تحت ضغط المطالب يبصون على بعض البنود دون التروي الكافي مما جعلها أحياناً تشكل مساساً بمصالح قطاعات ومكونات إجتماعية  أحرى، غير أن تلك السمات والروح يبدو إنها قفزت مجدداً في تشكيل الحكومة المدنية المكونة من الكفاءات غير السياسية حيث رشح إن الحركات المسلحة الموقعة على إتفاقية السلام سيتم تمثيلها فيها بحجة إنها جاءت وفق إتفاقية جوبا للسلام مع إن هذه الحركات تمارس السياسة حتى النخاع في الساحة السياسية ولها تحالفتها السياسية المعروفة  وفق مجريات الأحداث وبالتالي يرى الكثيرون إن هذا يتناقض مع شروط حكومة التنكوقراط وإذا كان  الكفاح المسلح قد فرض نقض هذا الشرط المهم فإن شباب الثورة السلميين الذين قاوموا نظام البشير واسقطوه بصدور عارية هم أيضاً بصرف النظر عن إنتمائتهم السياسية يحق لهم أيضاً التمثيل داخل الكابينة الوزارية أسوةً برفقاء السلاح ضد النظام البائد .

يرى المراقبون إن عدم تعديل الوثيقة الدستورية لإبعاد الجبهة الثورية من التشكيل القادم تواءماً مع إشتراطات مكنزيم التمثيل التكنوقراطي  سيما فأن أغلب مكونات الحركات المسلحة كانت تدعو لحكومة تكنوقراط مدنية فإن ذلك سيبدو أمر غير عادل وربما يؤثر حتى على إنسجام حكومة التكنوقراط ويشكل إخلالاً بالتوازن السياسي بين المكونيين المدني والعسكري مما  ينبغي مراجعته قبل أن يتم الإندفاع لحل الأزمة الحالية بثمن ربما تبدو كلفته باهظة على إستقرار الفترة الإنتقالية .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب





مصدر الخبر موقع الانتباهه

أضف تعليق