غياب الحكومة.. هل أدى لشلل في الاقتصـاد


الخرطوم: هنادي النور- هالة حافظ

القت إجراءات 25 اكتوبر التي أعلنها القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان قبل أسبوعين بظلالها على الوضع الاقتصادي والمعيشي على المستويات كافة، متمثلة في حالة الطوارئ وحل مجلسي السيادة والوزراء وتعليق عدد من مواد الوثيقة الدستورية المتعلقة بالشراكة مع (قوى إعلان الحرية والتغيير)، تزامناً مع حملة اعتقال واسعة طالت مجموعة من وزراء الحكومة والقيادات السياسية نتيجة للأزمة السياسية التي استعصى حلها بين المكونين المدني والعسكري، وعمت حالة من الشلل التام أغلب أسواق العاصمة، فضلاً عن الشلل الذي يعيشه القطاعان العام والخاص بسبب الأحداث الأخيرة وضبابية الرؤية بالنسبة للوضع السياسي في إمكانية التوصل الى اتفاق يرضي جميع الأطراف، في ظل دخول مناصري الحكومة المدنية في عصيان مدني مناهض لتلك القرارات.

تخبط
وفي قطاع صادر الثروة الحيوانية تباينت الحقائق عن الوضع الراهن، حيث رسم عضو شعبة مصدري الماشية الأسبق خالد محمد صورة قاتمة لواقع الصادر وقال لـ (الانتباهة): (ان الوضع الراهن لا يوجد شيء، فكل الأعمال متوقفة لكثير من الإشكالات الحالية، اضافة لذلك التخبط خلال الفترة السابقة التي صاحبتها كثير من الإشكالات حتى بعد الثورة، ولا توجد رؤية ولا خطط، وهذا الواقع انعكس على مجمل الأوضاع الاقتصادية بالبلاد، وذلك بسبب التنافس على المناصب والحصول على أكبر المكتسبات الى ان وصلت البلاد لمرحلة سيولة دمرت البلاد).
واستنكر عدم وضوح الرؤية عقب أحداث ٢٥ اكتوبر التي أدت إلى توفق كافة الأنشطة التجارية مما انعكس على معاش المواطنين.
وقال خالد ان قطاع الثروة الحيوانية حتى الآن لم يتأثر بسبب توقف الصادر، فقط هناك ثمانية آلاف رأس كانت معدة للتصدير تم ارجاعها، والآن كل التجار اتجهوا للعمل في مجال التسويق بالداخل بسبب تراجع الاسعار في الأسواق الخارجية، وهناك من اتجه للذبيج، وايضاً بسبب إشكالات الطيران الذي قال أنه توقف.
ووصف وضع الثروة الحيوانية بأنه بؤرة فساد، وأنه قطاع ضعيف ومهمل خلال تلك الفترة، مطالباً بضرورة الهيكلة، وشن هجوماً عنيفاً على كافة الوزراء الذين تعاقبوا على الوزارة وقال إن اداءهم عبارة عن (صفر كبير). وأردف قائلاً: (ما يحدث حالياً يحتاج الى إعادة نظر، وما حدث فيها حتى الآن عبارة عن تدمير ممنهج، وأكبر اكذوبة يعيشها الشعب السوداني هي صادر الثروة الحيوانية والمحصلة النهائية صفر كبير)، ووصف المرحلة الحالية بأنها مرحلة توترات متتالية أدت إلى تعطيل أنشطة الدولة، وشدد على ضرورة تكوين حكومة تكنوقراط، وأن الدولة تحتاج الى نوع من العقلانية.
وقطع بأهمية ان يكون تصحيح المسار حقيقياً والابتعاد عن الحزبية، وان المرحلة ليست لإرضاء أحد، وأضاف قائلاً: (لا بد من تكوين جهاز تنفيذي قوي يضع برامج اقتصادية وصولا الى مرحلة الانتخابات).
واستعجل الدولة تشكيل الحكومة لجهة ان التأخير ليس من صالحها لأن الشعب لا ينتظر أكثر لأنه لا يعرف شيئاً غير الاكل والشراب والأمن والاستقرار، ولا يهم من يأتي. وأضاف انه يجب اعلان الحكومة في اسرع وقت.
دون معيقات:
ويختلف معه رئيس وكلاء مصدري الماشية حميد غوينم الذي أكد ان الصادر يسير بصورة سلسة دون اية معيقات خاصة بعد فتح ميناء بورتسودان، واوضح في حديثه لـ (الانتباهة) انه يتم تصدير باخرة يومياً للمملكة العربية السعودية.
دون تكدس :
ويبدو ان نسبة عودة نشاط ميناء بورتسودان خالفت جميع التوقعات عقب إغلاق استمر (45) يوماً بسبب أزمة مجلس البجا مع الحكومة، حيث اكد مصدر فضل حجب إسمه لـ (الانتباهة) حدوث شلل في الحركة التجارية بالميناء عقب فتح طريق الشرق، مع خلو الميناء من بواخر تحمل الصادرات او الواردات بالرغم من فتح الميناء، وعزا ذلك الى توقف النشاط التجاري بالبلاد عقب إعلان حالة الطوارئ وحل الحكومة، نافياً وجود تكدس للبضائع بالميناء، وكشف عن أن ادارة الميناء عملت على اعفاء الشركات من رسوم الارضيات خلال فترة الاغلاق.
ويكشف مصدر بالقطاع المصرفي عن تراجع المصارف عن تغذية الصرافات الآلية حسب الحصة المخصصة لها، مما شكل ضغطاً على السحب من البنوك مباشرة. وبرر ذلك بوجود عملة كبيرة من فئة (٥٠) جنيهاً و (٢٠) جنيهاً مهترئة يتم التخلص منها.
وكشفت جولة (الإنتباهة) عن اصطفاف عدد من المواطنين امام الصرافات التي تعذر اداؤها بسبب عدم تغذيتها، وبعض البنوك أغلقت ابوابها بسبب ضعف الشبكة.
توقف
ويشهد القطاع الخاص ايضاً ركوداً كبيراً في نشاطه التجاري، ويجزم رجل الأعمال معاوية ابا يزيد بان حركة الاستيراد ضعيفة جداً، وعزا ذلك الى توقف الشركات الخارجية عن شحن البضائع بسبب التكدس لفترات طويلة في ميناء جدة، كاشفاً عن ارتفاع سعر النالون الذي ارتفع من ٣،٥٠٠ دولار الى ١٣ الف دولار لحاوية ٤٠ قدماً، وعزا ارتفاع الاسعار الى الاوضاع الاقتصادية وتأثرها بجائحة (كورونا)، ووصف هذه الزيادة بالضخمة، وانتقد ضعف الاداء في هيئة الجمارك والميناء.
ودعا ابا يزيد الحكومة الى تشكيل الحكومة الجديدة وإعادة النظر في الجهاز التنفيذي وأهمية الاستماع الى رجال الأعمال بسبب الإشكالات التي ظلت تواجههم. وأضاف ان هناك إشكالات ظلت ماثلة امام حركة الاستيراد والتصدير بسبب المعيقات بالميناء وتعطل الكرينات وسوء الإدارة، مشدداً على أهمية معالجة كافة الاخفاقات لكي ينعكس ذلك على حياة المواطن.
العودة للعزلة:
وينظر رئيس قسم الدراسات الاقتصادية بمركز الراصد الفاتح عثمان للوضع بجانب مختلف في ما يخص شلل حركة الاقتصاد مع عدم وجود حكومة، ويرى ان غياب الحكومة ليس بشكل كلي لجهة ان الوزارات يديرها المديرون العامون كوزراء مكلفين، مما يعني استمرار عمل المؤسسات. واوضح ان الغائب هو المسؤول السياسي الا ان اداء الحكومة كتسيير للعمل موجود، واكد في حديثه لـ (الانتباهة) ان الاجراءات في الفترة الاخيرة ادت الى فتح الميناء، وانسياب حركة الواردات وبدء انسياب الصادرات له اثر ملموس وواضح على اقتصاد السودان، ولفت الى ان غياب الحكومة في القطاع الداخلي ادى الى تأجيل مشكلة شرق السودان، وهذا الامر انعكس بصورة واضحة على هبوط اسعار السلع الاساسية وانخفاضها متمثلة في الوقود والدقيق والسكر، وابان ان المشكلة ليست في غياب الحكومة وانما في علاقة السودان بالمؤسسات المالية الدولية والمجتمع الغربي الذي كان متبنياً لحكومة الثورة بشقها المدني، موضحاً ان التأثير ناتج عن ايقاف الحكومة الامريكية المعونة البالغ قدرها ٧٠٠ مليون دولار مع تجميد البنك الدولي منحته البالغة ملياري دولار وتحديد الحكومة الفرنسية إلغاء اعفائها ديونها البالغة خمسة مليارات دولار، وابان ان هذا الامر غير مرتبط بالحكومة وانما يرتبط برضاء او رفض مؤسسات المجتمع الغربي لما يجري الآن في السودان، واكد على ان هذا الامر غير مرتبط بتشكيل الحكومة، واوضح انه حتى حال تشكلت الحكومة ورأى المجتمع الغربي أنها لا تمثل الديمقراطية ولا التوجه العام الذي يطمح فيه لحكومة مدنية لتكون واحة للديمقراطية، فقد تتواصل عمليات خنق الاقتصاد السوداني، واكد على ان الاقتصاد السوداني سيتأثر سلباً في غياب الحكومة المدنية المرضي عنها غربياً، لكن على الصعيد الداخلي فإن غياب الحكومة ادى الى تحسن الاقتصاد وتحسن معايش الناس وهبوط الاسعار وتوفر السلع، وهذا الامر يراه المواطن البسيط أنه امر جيد، لكن بالنسبة لخبراء الاقتصاد فإن الاشكالية تكمن في الاساس في علاقة السودان بالمؤسسات الدولية، واشار الى ان البديل في ذلك هو الدعم الاقليمي الذي تتمتع به بشكل او بآخر من الامارات والسعودية، وتابع قائلاً: (كما قال المبعوث الامريكي سيليك مان ان الدعم الاقليمي للسودان لن يكون بديلاً للدعم الغربي، وان الدعم الغربي مرتبط بإعفاء الديون، وهذه الامور لا يستطيع الدعم الاقليمي فعلها)، وجزم بأن الاقتصاد السوداني سيكون في خطر وسيرجع الى العزلة التي كان عليها ايام الرئيس السابق عمر البشير، وهذا يشكل خطراً على الاقتصاد والحكومة السودانية، وقال ان هذه المخاطر ليست لها علاقة بغياب الحكومة او وجودها، وانما بمدى رضاء المجتمع الغربي بالحكومة التي يتم تكوينها، وابان ان السودان الآن في بداية عملية الانخراط في المؤسسات الدولية، وليكتمل انخراطه في المؤسسات المالية الدولية الاخرى يتطلب الامر اكتمال عملية اعفاء الديون التي لم يصل فيها السودان سوى لنقطة البداية، وتتبقى نقطة الاكمال التي يفترض ان يتم الوصول اليها بعد ثلاثة اعوام، مشيراً الى انه تم اعفاء ٤٠٪ من الديون وجدولة ٦٠٪ اخرى، على ان يتم النظر في الغاء الـ ٦٠٪ الاخرى حال التزم السودان ببرنامج الاصلاح الذي يقدمه صندوق النقد الدولي، لافتاً الى ان كل هذه الامور ترتبط بشكل اساسي بالرضاء السياسي للمجتمع الغربي، وتابع قائلاً: (من المعلوم ان السودان استكمل الشروط الفنية للاعفاء، لكن لاسباب سياسية ولرفض امريكا التي وفقاً لقانونها الذي ينص على ان اية دولة توجد في قائمة الارهاب ان تتم عرقلة اعفاء ديونها)، ونبه الى ان السودان بعد ان خرج من قائمة الديون الامريكية استطاع برضاء ودعم امريكي وفرنسي ان يعيد تطبيع علاقاته مع المؤسسات الدولية والتحصل على دعم من تلك المؤسسات، اضافة للدعم القادم من الاتحاد الاوروبي وامريكا، في مفارقة بأن السودان اصبح المجتمع المالي الدولي، وهذا الامر عرض البلاد للتهديد بأن يرجع السودان للمربع الاول (العزلة) الذي يعني تعرض السودان لانهيار الاقتصاد.
قوة دفع قديمة:
ويتفق معه الخبير الاقتصادي د. عادل عبد المنعم في أن الأمور تسير بصورة جيدة في ظل عدم تكوين الحكومة، لجهة ان السودان دولة مؤسسات وذلك لوجود مديري الادارات في المؤسسات، وان عدم وجود الحكومة لا يؤثر في الاقتصاد، لجهة ان الوكلاء اصبحوا وزراء مكلفين، ورئيس مجلس السيادة يعمل رئيساً للوزراء، في حين لفت الى ان الصراعات يمكن ان تؤثر بعض الشيء في سير الحياة، لكن من ناحية اقتصادية فإن متطلبات الحياة ستسير لكن بقوة الدفع القديمة، لافتاً الى المساعدات التي تم تقديمها ستستمر الى الربع الاول من العام القادم، ويبلغ حجم بعض المساعدات ٧٢٠ مليون دولار لبرنامج ثمرات وملياري دولار من البنك الدولى ومليار دولار من بعض الدول الاوروبية، واشار الى ان الاموال التي سيتم توظيفها نتيجة للاجراءات الاخيرة بواسطة المجتمع الدولي امريكا والدول الاوروبية والمؤسسات الدولية سيكون حجمها في المتوسط حوالى ثلاثة مليارات دولار، وقال انه بالرغم من وجود هذا الامر الا ان الاسعار كانت مرتفعة، واشار الى ان فترة حكم البشير رغم الحصار الاقتصادي الا ان الوضع فيها كان افضل مما هو عليه الآن، وتوقع عادل في حديثه لـ (الانتباهة) الرجوع للوضع الاول ــ اي ما قبل الثورة ــ وتوقع دعم الدول الصديقة للسودان بحوالى مليار دولار من دول الخليج كداعم للتغيير الجديد، او من الصين او تقديم دعم من المؤسسات المالية التابعة لشرق آسيا، واوضح ان المعول الاخير على الانتاج السوداني وزيادة الصادرات وان يحدث استقرار.
وفي المقابل امتنع عدد من المسؤولين بالغرف التجارية المتخصصة ووزارة التجارة التي تم حلها أخيراً عن الحديث للصحيفة، وقالوا ان الوضع الراهن لا يسمح باي حديث لجهة ان البلاد في حالة شلل تام عن العمل وديوان العمل متعطل بسبب القرارات الأخيرة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب





مصدر الخبر موقع الانتباهه

أضف تعليق