بعد الإحلال والتعيين في الخدمة المدنية.. هل بدأ كنس آثار الثورة ؟


الخرطوم: أحمد طه صديق

يحكى أن ضابطاً بالمعاش ابان الحقبة الأولى لحكومة الجبهة الإسلامية في مطلع التسعينيات قال إنه ولج صدفة إلى تنوير سري قدمه عراب الحركة الإسلامية والنظام الحاكم آنذاك د. حسن الترابي لمجموعة من الضباط المنخرطين في التنظيم فقال لهم (نحن نريد أن يصبح الجيش رسالياً في المستقبل القريب يتدافع إليه الرساليون تدافعاً طوعياً بديلاً للجيش الرسمي وإن هذا من شأنه أن يجعل الجيش يقاتل من أجل عقيدة إسلامية كما إنه سيعمل على تخفيف التكلفة الباهظة في المرتبات والامتيازات المختلفة ).

وعندما سمع الضابط هذا الحديث هرول مسرعاً لزملائه فقال لهم ( شيلو شيلتكم الترابي عايز يحلكم) ويبدو أن تلك المقولة كانت صحيحة فقد تم فصل خمسة وثلاثين ألف ضابط وضابط صف وجندي في الفترة من 1989 وحتى 2006 بحسب إحصائية لجنة مفصولي القوات النظامية والتي تمتلك كافة المستندات حول هذه الخطوة، بيد أن البشير وإن وافق على عمليات الإقصاء والإحلال لكنه لم يوافق على حل المنظومة العسكرية ربما باعتباره جزءاً من القوات المسلحة وانتمى لها من شبابه الباكر فضلاً عن أنها تشكل حماية له وهذا ما حدث بعد المفاصلة الشهيرة حيث حدث الخلاف بين الترابي والبشير وانشق على إثرها الترابي من المؤتمر الوطني مكوناً حزب المؤتمر الشعبي وتطورت الخلافات بين الطرفين حتى تم لاحقاً حبس الترابي وملاحقة وسجن أنصاره من قبل أمن النظام .
لكن نظام البشير حتى بعد انشقاق الترابي من منظومته الحاكمة لم يتوقف عن عمليات الإقصاء والإحلال سواء داخل القوات النظامية أو الخدمة المدنية التي شهدت عمليات تطهير واسعة شملت في كثير من الاحيان حتى المستقلين بغرض إفساح خانات وظيفية لانصار النظام لاستيعابهم في الخدمة .
أما فترة الرئيس نميري التي سبقت نظام البشير في الفترة من مايو 1969 وحتى ابريل 1985 لم تشهد كثيراً من عمليات الإحلال والإبدال في الخدمة المدنية أو القوات النظامية فقد كان النميري يعين الوزراء بمعايير غير سياسية ويقوم بإعفائهم أيضاً دون استشارة مستشاريه أو قادة تنظيمه الاتحاد الاشتراكي .
بيد انه عندما نجحت الانتفاضة الجماهيرية بالإطاحة بنظامه الاستبدادي رفعت النخب الحاكمة شعار كنس آثار مايو واطلق على مناصري نظامه مصطلح السدنة .
وعند نجاح ثورة اكتوبر الشعبية رفع ثوارها شعار ( التطهير واجب وطني) ويقصد به إقصاء أنصار النظام العسكري السابق برئاسة الفريق إبراهيم عبود ولكن ربما لم تنشغل كثيراً الحكومة الانتقالية بعد سقوط النظام في عمليات الإحلال والإبدال في الخدمة المدنية باعتبار ان نظام عبود لم يكن يرتكز على عقيدة ايدلوجية ولهذا لم يكن له مؤيدون متعصبون حيث تم تنظيم الانتخابات في ظل وضع انتقالي مستقر تتوفر فيه الحريات العامة ولم يدم سوى عام واحد فقط.
الإحلال والإقصاء في ثورة ديسمبر
حرصت جماهير الثورة والنخب السياسية متمثلة في منظومة الحرية والتغيير وتجمع المهنيين منذ نجاح تفجير الثورة بإقصاء نظام الجبهة الإسلامية والمؤتمر الوطني من الحكم برئاسة عمر حسن البشير بضرورة إقصاء عناصر النظام السابق سيما البارزين والمؤثرين الذين يحتلون وظائف حساسة من شأنها ان تعيق مسار الثورة فكان ان إنشأت لجنة إزالة تمكين نظام الثلاثين من يونيو 1989 التي اثارت قلق عناصر النظام السابق فشنوا هجوماً ممنهجاً ضدها بعد أن تمكنت من إقصاء عناصر النظام المؤثرين داخل الخدمة المدنية ووضع يدها على مكامن فساد رموز النظام البشير فقامت بمصادرة العديد من الأموال والشركات والعقارات والأصول ولم يكن الهجوم يستهدف إصلاح اخطاء تجربة اللجنة بل سعوا إلى تصفيتها وهو هجوم انطلق من عدة منصات عبر كتاب في الصحف وسياسيين موالين للنظام السابق وعبر وسائل التواصل الاجتماعي غير أن الهجوم شارك فيه أيضاً رموز داخل الحكومة منتسبون للحركات المسلحة الموقعة على سلام جوبا كما انتقد أداءها قادة عسكريون بارزون في المجلس السيادي .
هل حانت تصفية آثار الثورة ؟
بعد انقضاض الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان على الحكومة المدنية بحلها واعتقال رموزها بمن فيهم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك بتحديد إقامته في منزله وإعلان تكوين حكومة كفاءات مستقلة وفشل المفاوضات مع رئيس الوزراء بتكوين حكومة كفاءات بعيدة عن منظومة الحرية والتغيير أصر البرهان على المضي في خطوات التغيير وفق المنفستو الذي يحمله مسنوداً بالمنظومة العسكرية ومؤيديه من جماعة الميثاق حتى نهاية الفترة الانتقالية رغم الضغوط الدولية والداخلية المتمثلة في المواكب الشعبية وإعلان العصيان المدني وإغلاق الطرق بواسطة المتظاهرين، مما جعله يقوم بعمليات إحلال وإبدال لبعض كوادر الخدمة المدنية شملت الاجهزة الإعلامية ومديري الشركات الحكومية والزراعية وبعض المؤسسات المهمة مثل النيابات والطيران المدني كما طال التغيير العديد من الولايات حيث أشارت بعض المصادر ان بعض الولايات اعادت عناصر من النظام السابق ربما بعضهم كانوا من الذين اطاحت بهم لجان إزالة التمكين ويرى المراقبون ان الخطوة قصد بها عدة أهداف بعضها مرحلي يتعلق بالتقليل من آثار إعلان الإضرابات والاعتصامات التي تقوم بها قوى الثورة ومنها استراتيجي يتعلق بالتمكين السياسي لفترة ما بعد الانتخابات حيث من المتوقع أن تنشأ فيها تحالفات من القوى المؤيدة الآن لبيان الخامس والعشرين من اكتوبر العسكري ورموز من النظام السابق من كوادر وسيطة لخوض المعتركات الانتخابية في ظل أجواء في الساحة السياسية تبدو مواتية لذلك الحراك مما يعني فعلياً في حالة إتمامه تشييع ثورة ديسمبر المجيدة من ناحية وجود فيزيائي لكنها بحسب المراقبين ستظل جذوتها مشتعلة تمثل خميرة عكننة للقوى المضادة لها حتى يتم تحقيق النصر لها طال الزمن أم قصر .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب





مصدر الخبر موقع الانتباهه

أضف تعليق