اتفاق الخزي.. وعار الأبد!! – صحيفة التغيير السودانية , اخبار السودان




اتفاق الخزي.. وعار الأبد!!

(وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار)ِ صدق الله العظيم

د. عمر القراي

التحية والتجلة، لأبنائنا وبناتنا الشهداء، صغار الأعمار، كبار الأحلام، الذين سطروا أروع ملاحم البطولة، وأضاءوا بدمائهم الزكيّة، قناديل الحرية، حين واجهوا رصاص الغدر والخيانة، بصدور عارية، وهم يهتفون بالحرية والكرامة، لهذا الوطن الجريح. والعار والشنار، على الجبناء، الذين لبسوا ثياب القوات النظامية، دون أن يستحقوا شرفها، وضربوا الشبان والشابات العزل بالرصاص، ورموا الغاز الخانق، المؤثر على الأعصاب، والمحرم دولياً، داخل البيوت، ليمنعوا الأمهات من البكاء على أبنائهم، وليختطفوا جثامين الشهداء، ليخفوا جرائمهم المنكرة!! ثم قاموا باقتحام المستشفيات، واعتقلوا الأطباء، ورموا بين أسرة المرضى الغاز الخانق. ولما فتحت بلاغات المصابين في قسم شرطة بحري، حتى تقبل المستشفى علاجهم، قاموا بحرق قسم الشرطة كله ليخفوا البلاغات التي تؤكد الإصابات القاتلة!! ونسبوا ذلك للثوار، فكشف الله أمرهم ورد كيدهم خسراناً.

إننا نريد أن نعرف من الذي قتل أبناءنا، بدم بارد، وهم يتظاهرون سلمياً؟! هل هم رجال الشرطة؟! هل هم قوات الدعم السريع؟! هل هم قوات الشعب المسلحة؟! وهل المحافظة على انقلاب الفريق برهان في 25 أكتوبر، يستحق التضحية بهذه الأرواح الطاهرة النقيّة؟! أما كان من الممكن أن يستمر الانقلاب وتفرق المظاهرات بالغاز دون قتل؟!

حين قام البرهان بانقلابه، أعاد كل فلول النظام السابق، إلى مواقعهم في الخدمة المدنية والعسكرية، ومكنكم من أموال الشعب التي كانوا يسرقونها، بإعادتهم لقيادة المؤسسات الاقتصادية. والذين كانوا في الأمن منهم، والذين مازالت لديهم أسلحتهم من الدفاع الشعبي، والشرطة الشعبية، وكتائب الظل التابعة لعلي عثمان، لبسوا زيهم العسكري، وشاركوا في قمع المظاهرات، ومارسوا القتل الذريع، لأنهم حاقدين على الشباب الذين أزاحوهم من السلطة. وكانوا قد فعلوا مثل ذلك في فض الاعصام. وهذه خصلة معروفة في الاخوان المسلمين، وعادة قديمة فيهم منذ عهد الجامعات، إذا سقطوا في انتخابات الاتحاد، قاموا بالاعتداء على الفائزين، وتخريب الحياة الجامعية. فإما أن يحكموا هم الطلاب، وإما أن يمنعوهم من حكم أنفسهم. وهذا ما ظلوا يفعلونه منذ أن سقط نظامهم في ثورة ديسمبر المجيدة، وظل المكون العسكري يساعدهم فيه حتى يضعف الحكومة المدنية.

إن الاتفاق الذي تم اليوم، بين حمدوك والبرهان، عمل مخزٍ، لأنه قفز فوق دماء الشهداء، ولم يطلب المحاسبة عليها، قبل التوافق على أي شيء. وكان التوقيع تجري مراسيمه، والمتظاهرون يضربون بالرصاص، وسقط واحد منهم مباشرة بعد توقيع الاتفاق!! ولم يمنع الاتفاق العسكر من اهراق دم الشباب، إذا كان هذا هو مبرر حمدوك للقبول بشروط اتفاقهم المهينة. كيف يظن حمدوك أن اتفاقه مع القتلة، سيوقف دماء الشباب، ما دام الشباب مستمر في المظاهرات، والعسكر مستمرون في مواجهتها بالرصاص الحي؟ فالاتفاق فرض على حمدوك أن يقبل به، دون الرجوع الى حاضنته السياسية التي أتت به، والتي وضعت الوثيقة الدستورية، التي اعتبرها الاتفاق السياسي المرجعية.

ولقد نص الاتفاق على اطلاق سراح المعتقلين السياسيين. ولكنهم لم يطلقوا بحجة أن بعضهم يواجهون تهماً جنائية!! وهذه بداية نقض العسكر للعهد قبل أن يجف مداده. إذ كان الواجب ان يطلق سراحهم، ثم تفتح بلاغات معينة، تنظر فيها النيابة، لتحدد تهم يحقق معهم فيها، إذا كان لها أساس. ثم الذين ليس لهم تهم جنائية واطلق سراحهم، من المسؤول عن حبسهم، وترويع أسرهم، خلال أيام حبسهم بدون جريرة؟

إن الاتفاق الذي وقع عليه د. عبد الله حمدوك، اتفاق خزي وعار، لأنه يعيد الإخوان المسلمين الى السلطة، ويطعن بذلك الثورة في ظهرها.  فقد نص الاتفاق على توسيع قاعدة المشاركة، ولم يستثن منها إلا أعضاء حزب المؤتمر الوطني المحلول. ولكن هناك الاخوان المسلمين في حزب المؤتمر الشعبي، وقد كانوا أتباع زعيم الحركة د. الترابي، وقد شاركوا في حكومة الإنقاذ في العشر سنين الأولى، التي قتل فيه المواطنون في جنوب السودان، وفي جبال النوبة، وفي النيل الازرق باسم الجهاد الإسلامي. وعذب فيها الشرفاء في بيوت الاشباح، وجلدت فيها النساء بموجب قانون النظام العام، وتم فيها التمكين، ونهبت فيها أموال الشعب، وبيعت مؤسساته للنافذين من الاخوان المسلمين.

إن الاتفاق السياسي اليوم، بين حمدوك والبرهان، قد ولد ميتاً، ولن تلبث شهادة وفاته أن تعلن قريباً. لأن المكون العسكري سينقض عهده، بمجرد ارجاع المكتسبات المالية التي قد يعيدها العالم الغربي، لمجرد عودة حمدوك!! ولا شك أن حمدوك شعر بغربة حين نظر في وجوه الحاضرين، فلم ير شباب لجان المقاومة الذين لولاهم لكان العسكر قد زجوا به في غياهب السجون، ولم ير أعضاء تجمع المهنيين، ولم ير أعضاء الحرية والتغيير، ولم ير من يعرفهم من السياسيين الشرفاء، والمثقفين الوطنيين، الذين وقفوا معه، حين جمع البرهان الفلول، واقام بهم اعتصام الموز. الشعب السوداني الذي كان يعرفه حمدوك لم يكن هناك. وبالمقابل رأى فرحة تِرك، والتوم هجو، ومبارك الفاضل، وغيرهم من الانتهازيين، وبعض المرتزقة من اشياخ الطرق الصوفية، والإدارة الأهلية.

إن الله هو ملهم هؤلاء الشباب، وهو وراعي ثورتهم. فإن كان للسياسيين والمثقفين خير لأنفسهم ولوطنهم، فليدعموا هؤلاء الشبان والشابات دون وصاية. وأن يصروا على اشراكهم في كافة مؤسسات حكم بلدهم، فهم أولى من غيرهم، ممن عاش على الوطن ولم يعش له.

21 نوفمبر 2021م



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

أضف تعليق