Skip to Content
‏اخبار
السودان
الان
من
كل
المصادر‏
أهلاً حمدوك وداعاً حمدوك 1-2
اخبار السودان اخبار السودان / ديسمبر 11, 2021




جمال شيخ الدين برعي

عن نجاح المكون المدني في الحكومة الانتقالية

الصراع بين قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) والمكون العسكري، ليس جديداً، بل بدأ في الواقع مع لحظة إنتصار الثورة؛ وليس من مسوغات له غير الطبيعة الاستبدادية للمكون العسكري، وشهيته الجامحة لاختطاف الثورة، وتحويلها إلى مسخ مشوه كما هو الحال في العهود السابقة أو في دول الجوار. لقد قالها رأسا الإنقلاب، البرهان وحميدتي، وبكل وضوح، أن الجيش هو الوصي على البلاد والشعب حتى تسليم الأمور لحكومة منتخبة، وكأن الحكومات المنتخبة قد سلِمَت من قبل من ذات الوصاية! الجديد في الصراع، هو أن البرهان وحميدتي، تأكدا من خلال المسار الذي اختطته الثورة بأن كل العراقيل التي تخصصا في دفعها لم تفلح في ترويض قوى الثورة، لذا قررا الدخول في معادلة صفرية مع هذه القوى، أي الدخول في معركة حياة أو موت معها.

مع اعترافنا بوجود مثالب ليست بسيطة في أداء الحكومة المدنية، بيد أنها متوقعة وطبيعية، فإنها قد نجحت رغم مضايقات الإنقلابيين، في وضع اقتصاد البلاد في المسار السليم؛ حيث تم إيقاف التدهور في قيمة العملة الوطنية، لدرجة أن آخر مزاد للعملات الحرَّة أقامه البنك المركزي قبيل انقلاب 25 أكتوبر، لم يشهد تنافساً يذكر، فقد تحسَّنت بشكل ملموس موارد البلاد من النقد الأجنبي، سواء كان ذلك بارتفاع حصائل الصادر، أم بِمِنَح المؤسسات الدولية، أم بسبب الارتفاع في تدفق تحويلات المغتربين. من علامات العافية التي دبت في الاقتصاد الوطني أيضاً، انحسار معدلات التضخم وتوفر السلع الاستراتيجية، وخدمات الكهرباء، والتحسن الكبير في قطاع المواصلات العامة.

من أبرز علامات النجاح لحكومة الثورة أيضاً، ذلك الاختراق الكبير الذي حققته في جانب العلاقات الدولية، حيث استعاد السودان وجهه المشرق بعد عقود من المقاطعة التي تسبب فيها نظام البشير، وبدون أن يدفع مقابل هذا الاختراق ثمناً مقتطعا من كرامته. كما يكفي شهادة على ذلك النجاح، توقف رحلات التسول الروتينية لدول الخليج التي كان يقوم بها الرئيس المقبور البشير، وبصحبته بعض من يضعون الآن في العراقيل أمام الثورة. لقد وصل مستوى الحط من كرامة البلاد، مبلغ أن يباع الدم السوداني في اليمن بالمال، بزعم المساعدة في حماية الحرمين الشريفين من هجمات الحوثيين!

كما يقف شاهداً على نجاح الحكومة المدنية في أدائها، وصونها لكرامة وعزَّة ومكانة السودان وشعبه، ذلك الموقف الراكز للحكومة المدنية الرافض لربط رفع العقوبات عن السودان بالتطبيع مع إسرائيل، في تضاد واضح مع ما أبداه الانقلابيون من خنوع في بيعهم للمواقف بدون أثمان تستوجبها المصلحة الوطنية. وأخيراً وليس آخراً، نجاح الحكومة المدنية في تخليص البلاد من كوابيس الملاحقات القضائية الأمريكية بسبب مغامرات نظام البشير الطائشة، وذلك باكتساب السودان للحصانة السيادية من قِبَل الكونغرس الأمريكي، بما يعنيه ذلك من تجنيب السودان للملاحقات القضائية الناتجة عن أفعال ذلك النظام.

لقد أضعفت النجاحات أعلاه، مقرونة بالشعبية الكاسحة لقوى الثورة في الشارع، أضعفت فرص المكون العسكري في السيطرة، كما ضَيَّقَت المساحات المتاحة له للمناورة، ووضح له جليَّاً أن التعلل بفشل الحكومة المدنية سيصبح أصعب قبولاً للشارع السوداني والرأي العام العالمي مع كل صباح جديد لها في الحكم.

أدركت القيادات الانقلابية للمكون العسكري، أن لا مناص أمامها غير أن تصطنع، أو تضخم، أو تشجع أحداثاً بعينها لتوتير الأجواء السياسية؛ لذا شاهد العالم كيف صعَّدت قيادة المكون العسكري من مسألة الإنقلاب العسكري المزعوم بسلاح المدرعات لتدين من خلاله المُكوِّن المدني بحجج واهية مثل القول بأن أحد الأعضاء المدنيين بمجلس السيادة طلب من الجماهير الخروج لحماية الثورة من الانقلابيين!

ثم تفجَّرت بعد ذلك مشكلة إغلاق الميناء بواسطة الناظر الانقاذي ترك الذي رفع مطالب لا علاقة لها بمشكلة الشرق، كمطالبته بحل الحكومة المدنية، وتصفية لجنة إزالة التمكين، إضافة لدعوته الصريحة للبرهان وحميدتي للاستيلاء على السلطة! لقد جعل قادة المكوِّن العسكري من حراك الناظر ترك، المريب هذا، سبباً لاتهام المكون المدني بالضعف والفشل في أداء دوره رغم أن عراب اتفاق سلام جوبا المغضوب عليه من تجمع الناظر ترك، كان نائب البرهان نفسه الفريق حميدتي، الذي نأى بنفسه قصداً عن اجراء أي تفاوض مع الناظر ترك بزعم أن الأمر يخص الحكومة المدنية، مع العلم بأنه هو ذاته من طلب من الناظر ترك تعليق عصيانهم الثاني المعلن يوم 4 ديسمبر الجاري، ووافق الناظر على ذلك؛ لذا يصبح لازماً معرفة لماذا لم يطلب حميدتي تعليق اضرابهم الأول!

انطلقت بعد ذلك هجمة إعلامية محمومة ضد المكون المدني وأحزابه، من قِبَل الأجهزة الاعلامية المساندة للمكون العسكري، شملت المستشاريين الاعلاميين بالقوات المسلحة، الذين طالبوا البرهان بالتحرك عاجلاً لوضع نهاية لفوضى الحكومة المدنية، في خروج واضح عن قواعد الانضباط العسكري الذي يفرض على القوات المسلحة بكل مكوناتها النأي بنفسها عن التدخل في القضايا السياسية.

 

فشل المكون العسكري في أداء دوره

مقابل ما عكسناه أعلاه من نجاحات باهرة تحسب للحكومة المدنية، نجد أن رصيد النجاحات للمكون العسكري ضئيلاً للغاية، يشهد عليه:

* تردي الأحوال الأمنية سواء داخل المدن من تكاثر عصابات السلب والنهب، أو بالريف والبادية كما هو حادث في دارفور من قتل وسلب ونهب. فوفقاً لما نقلته أجهزة الاعلام حتى تاريخ كتابة هذه المقالة، 10 ديسمبر 2021، لقي أكثر من 130 شخصاً مصرعهم في اشتباكات قبلية عنيفة بدارفور وكردفان، وفي مواقع تخللها الهدوء لسنوات عدة.

* تكاثر الجماعات المسلحة واحتفاظها بأسلحتها حتى الآن؛ ونشاطها المحموم في تضخيم أعداد منتسبيها واغداق الرتب العسكرية عليهم بدون رقيب أو حسيب، وذلك بغرض اقتطاع أكبر قدر ممكن من الوظائف العسكرية والمدنية بدون وجه حق. كل هذا يتم أمام ناظري المكون العسكري بدون أن يضع المعايير اللازمة لإدماج تلك الحركات، أو على الأقل وضع الجداول الزمنية لمعالجة مسألة استيعابها في المنظومة الأمنية.

* التوسع الهائل في قوات الدعم السريع، عُدَّةً وعتاداً، على حساب الجيش النظامي، وتعظيمه لقدراته المالية بوضع اليد على موارد البلاد بدون مسآلة أو حساب. معلوم لأيِّ قائد عسكري محترف أن وجود جهات مسلحة أخرى، بقيادة مستقلة، وعقيدة عسكرية مختلفة، وموارد غير معلومة، إنما يشكل خطراً بالغا على مستقبل البلاد.

* ضعف المهنية والاحترافية في أخص خصائص العمل الأمني بكل مفاصله، مثلما تجلَّى في السذاجة التي تم التعامل بها في إدارة الإنقلاب المزعوم، والبدائية التي وضحت في إدارة أحداث الخلية الارهابية بجبرة، والتصريحات الغير مدروسة لقادة إنقلاب 25 أكتوبر، والتدخل السافر لإعلام الجيش في الجدل السياسي وتبنيه لأفكار إنقلابية، بل دعوته الصريحة بأن يقلب الجيش نظام الحكم القائم.

* تواضع مستوى الخطاب والفعل السياسي لقادة الانقلاب، وضعف مقدراتهم الفكرية، الذي تشهد عليه المئات من التصريحات المحرجة للإعلام المحلي والعالمي. من الأمثلة على ذلك تصريحات الرجل الثاني، الفريق حميدتي، في محاولته ابتزاز الغرب بقوله أن مساندة الغرب لإنقلابهم يعتبر ضرورة ليتجنب، هذا الغرب، تدفق اللاجئين؛ وتصريحه بأن سبب اعتقال حمدوك إنما كان لتخليصه من ضغوط زوجات الوزراء المعتقلين (!)؛ وتصريح آخر بوجوب تشكيل الحكومة الجديدة بتمثيل لكل ولايات السودان في ذات الوقت الذي يطلب فيه أن تكون الكفاءة هي المعيار في اختيار الوزراء، ومع العلم بأن عدد الولايات ربما يزيد على عدد الوزارات نفسها!

أما تصريحات الفريق البرهان، فليست بأفضل مستوىً من تصريحات نائبه؛ كأمثلة على ذلك، تأكيده للإعلام المحلي والعالمي، بأن رئيس الوزراء حمدوك ليس معتقلاً وإنما ضيفاً عليه في منزله لتوفير الأمن والسلامة له! وتصريحه الآخر بأن ما قاموا به لا يعتبر إنقلاباً وإنما تصحيحاً لمسار ثورة، وأنه سيصون مبادئ الثورة في تحقيق الديمقراطية، في الوقت الذي يعتقل مخالفيه بخشونة تفقده أيِّ مصداقية مُدَّعاة، ويكمم أفواه الصحف ومحطات الاذاعة المغضوب عليها من جانبه؛ أوتصريحه بأنه سيصفي الجيش من “الكيزان” كما قال بعظمة لسانه في الوقت الذي يرفض إعادة الضباط المفصولين الغير مسيّسيين، ويعمل على تمكين هؤلاء “الكيزان” في مفاصل الدولة جميعها! بل أنه، انحدر بالمستوى اللغوي في التواصل الذي يتطلبه موقعه كقائد للجيش، ورئيساً لمجلس السيادة، لدرجة أن يتهم رأس الدولة دبلوماسيين غربيين بقيامهم بدور “المديدة حرقتني”، وكلَّ هذا في مناسبة غير سياسية أصلاً، وهي الاحتفال بتخريج جنود من جنود الجيش !

بمقارنتنا بين أدائي المكون المدني والمكون العسكري يستبين لنا أن السبب الحقيقي للأزمة الراهنة ليس له علاقة بما يردده حلف البرهان وحميدتي من إدعاءات عن اشفاقهم على حال البلاد من عبث صغار الأحزاب، وعن كفاءتهم مقابل ضعف الحكومة المدنية؛ وإنما هو كراهية متجذرة لقادة المكون العسكري للحكم المدني، ولقيم الديمقراطية والحداثة، مصحوباً برغبة محمومة للاستيلاء على السلطة. تلعب جريمتهم الكبرى في فض اعتصام القيادة، الدور الأكبر، من وجهة نظرنا، في تعميق تشبثهم بالسلطة بأي شكل كان، حتى ولو باختلاق المشاكل والأحداث، بدون تفكير في عواقب ما تقترفه أيديهم كل صباح من مصائب لهذا الوطن الجريح.

مصداقية البرهان وحميدتي كما تراها العين المجرَّدة!

لقد مثَّل إنقلاب الخامس والعشرين من شهر أكتوبر دليلاً واضحاً وفاضحاً للنوايا الحقيقية لقادة المكون العسكري، حيث أن استمرار حالة نجاح حكومة قوى الحرية والتغيير في أداء ما عليها من واجبات، سيُصعِّب تحقيق هدف قادة الانقلاب في التحكم والسيطرة، كما أن استمرار هذه الحكومة سيضع، لا محالة، تقرير لجنة مجزرة فض الاعتصام على طاولة رئيس الوزراء.

لقد برر قادة الانقلاب ما فعلوه بأنه تصحيح لمسار الثورة وتوسيعاً لمواعينها، وهم كاذبون لأخمص قدميهم، والسوابق على ضعف مستواهم الأخلاقي على قفا من يشيل، صوتاً وصورة. وعندما صدَّرنا مقالتنا هذه بعبارة “العين المجرَّدة”، فلأننا نقصد أن ما سوف نقدمه من نماذج أدناه، ليس مبنياً على استنتاجات أو قراءة لما بين سطور تصريحات البرهان ونائبه، بقدر ماهي أقوال وأفعال مُثبَتة صوتاً وصورة:

* لقد حوت تصريحاتهم وتطميناتهم إلى ما قبل أيام معدودة من فض الاعتصام بأنه ليس لديهم نية لفضه. ما حدث أنهم لم يكتفوا بفض الاعتصام فقط، بل أمعنوا تقتيلاً وإغتصاباً وتعذيباً للمعتصمين.

* أنكروا علاقتهم بمذبحة القيادة العامة، رغم أن الجنين في أحشاء أمه يعلم بأنه لا يمكن أن يتم حدث شارك فيه آلآلاف من الضباط والجند بأزيائهم الرسمية ويمتطون مئات السيارات بدون أن يكون معلوماً لأهم مؤسسات حفظ القانون والنظام، وبكل ما تمتلكه من قدرات استخبارية هائلة. استخفاف كامل بعقولنا وعقول مئات الملايين من البشر في جميع أرجاء المعمورة، وكأنهم يريدون القول بأن هناك قوات غير مرئية أتت من السماء لتفعل ما فعلت.

* يزعمون بأن هناك قوى صغيرة العدد اختطفت الثورة، بدون أن يوضحوا لنا كيف يتسنى لمجموعة صغيرة، محدودة الشعبية، من الناس خداع الملايين من أكثر فئات الشعب وعياً واستنارة وشجاعة، ويجعلوهم أسرى لهم، وذلك أمام مئات الملايين من البشر الواعين المتناثرين في أصقاع هذا الكوكب. ليس هذا فحسب، بل أن تكرر هذه الملايين من فئات الشعب نفس الحراك عشرات المرات بدون أن تصدق ما تقوله قيادة جيشها بأن من يخرجون استجابة لندائها إنما هي مجموعة من عشاق اختطاف الثورات؟

صحيح أن الانتخابات هي الأداة المثلى لتقييم الفرق بين شعبية هذا وذاك، لكن الصحيح أكثر هو أنه في غيابها وغياب مؤسساتها يصبح الشارع هو المقياس، فهو الذي أجبر قيادة القوات المسلحة على إزالة البشير وأبنعوف، وهو أمر لم يكن في نيتها، ولم تبذل جهداً في سبيل تحقيقه. ثم من بعد ذلك يدَّعي قادة الانقلاب بأنهم هم من قاموا بالتغيير!

* يدَّعون أن الحكومة ضيقة التمثيل، وأن هناك قوى أخرى مُستَبْعَدَة عن المشاركة، بينما يؤكِّد الواقع أن وزن مجموع هذه القوى المُستبعدة التي تخرج الى الشارع بضع آلاف في أحسن الأحوال، وقد رأى العالم عياناً بياناً، هؤلاء البضعة آلاف من المُسْتَبْعَدين المُفْتَرَضِين يتكونون من صبية الخلاوي ومن أولئك المدفوعة أجورهم مقدماً، كما هو مثبت صوتاً وصورة. يشهد على خواء زعم الإنقلابيين أيضاً، أن الحزب الأهم، من تلك الأحزاب التي سلبها المكون المدني من حقها في المشاركة، ونقصد هنا المؤتمر الشعبي، أعلن وبكل قوة إدانته للإنقلاب الذي يتحجج العسكر بموجبه، ضمهم لقائمة الشركاء!

* يزعمون أن هذه الحكومة غير منتخبة وبالتالي لا تملك الشرعية اللازمة، وأنهم أوصياء على البلاد إلى أن تجرى انتخابات نزيهة، بدون أن يوضحوا لنا مصدر شرعيتهم هم أنفسهم!

لقد شهد العالم بأجمعه ضآلة شعبية قادة المكوِّن العسكري، من خلال ما دار بُعَيد انتصار الثورة عندما جلبوا مئات الحافلات أمام القصر الجمهوري رافعين صور البرهان وحميدتي ومطالبين بأن يستلم الجيش السلطة يشاركهم في ذلك زواحف الإنقاذ. أو ما دار قبل أسابيع قليلة، حين أقاموا اعتصامهم أمام القصر الرئاسي مطالبين باقصاء الحكومة المدنية، وشاهد العالم بأجمعه أن هؤلاء البضعة آلاف من المجلوبين بالمال، إنما كان الأمر لديهم لا يتعد ملء البطون، واستلام مصروفات الجيب! وليت الأمر وقف عند ذلك الحد، إذ أدان حوالي 150 رجل وامرأة من أقارب البرهان ومواطني بلدته “قندتو” في بيان واضح ذيلوه بأسمائهم الرباعية، أدانوا بأشد العبارات نكوصه عن العهود وحمَّلوه مسئولية كل ما حدث من مجازر وتقتيل وتعدي على حقوق الشعب.

* يزعمون بأنهم ليسوا بسياسيين، وليس في نيتهم الحكم، بينما يرى القاصي والداني مئات الملايين من الدولارات ومئات السيارات العالية القيمة مثل اللاندكروزر والهايلكس مزدوجة الكابينة تتدفق من قادة المكوِّن العسكري كرشاوي لنظار القبائل والادارات الأهلية. شخص لا يريد نفوذاً سياسياً وزاهداً في الحكم، ما الذي يضطره لذلك الانفاق غير تصميمه على إنشاء قاعدة اجتماعية لأسباب متعلقة بالحكم والسيطرة؟ شخص لا يرمي للبقاء في منصبه، الذي سيسلمه بعد عامين، ما الذي يدفعه للتكالب على المصالحة مع إسرائيل، رغماً عن عدم وجود مصلحة وطنية مباشرة تبرر هذا التكالب؟

* أشار مِنَّي مناوي، في حديث له مع قناة الحدث بأن هناك اتفاقات “تحت التربيزة” بين الحركات، وقيادة الجيش، يتم بموجبها عرقلة صدور نتائج لجنة التحقيق في مجزرة القيادة العامة، إضافة لإجراء ترتيبات تضمن بقاء البرهان رئيساً لمجلس السيادة حتى نهاية الفترة الانتقالية، في تجاوز واضح لتعهدات المكون العسكري في الوثيقة الدستورية التي تمت أمام انظار العالم بأجمعه.

* لماذا يفرض البرهان وحميدتي إبقاء جبريل، كمثال، في منصبه بحجة الوفاء باستحقاقات اتفاقية سلام جوبا، وهو الرجل، أي جبريل، الذي سحقته قوات الدعم السريع ولم يعد لديه نفوذ لا في الميدان ولا في الشارع؛ ثم في ذات الوقت يصر البرهان على إقالة الوزراء الذين أختيروا وفقاً لمرجعية أهم من اتفاقية جوبا، وهي الوثيقة الدستورية، رغماً عن أنهم يمثلون الأغلبية الساحقة من الشارع، تلك الأغلبية التي ألزمته هو ذاته، بوضع البشير وقادة حزبه في السجن؟

* وأيِّ مصداقية يمتلكها البرهان وحميدتي، وهما يتجاوزان، بانقلابهما الذميم، مجلس شركاء الحكم الانتقالي الذي تأسس وفقاً لما أراداه من صيغة، وذلك بغرض حل الخلافات التي ربما تطرأ بين الشركاء العسكريين والمدنيين؟ لماذا لم يطرحا تحفظاتهما على أداء الحكومة المدنية داخل ذلك المجلس الذي فرضاه على الناس، وهو مجلس يضم بالمناسبة حركات اتفاق سلام جوبا؟

* لقد بلغت درجة الكذب واللف والدوران لدى قادة الانقلاب، حد أن يخرج المبعوث الأمريكي للسودان عن التقاليد الدبلوماسية الرصينة لدى الدول المتحضرة، عندما اتهم البرهان بالكذب البواح، حيث أن البرهان تنكر لتعهده للمبعوث بعدم الانقلاب على الحكومة المدنية، وما هي إلا سويعات، فإذا بالفريق البرهان يذيع بيان انقلابه.

والحال كذلك، ومع هذا القدر من الأكاذيب ونقض العهود التي لا يحتاج المرء معها لمايكروسكوب لإدراكها، يصبح من خفة العقل أن يقتنع سياسي في هذا العالم، بأن هؤلاء الانقلابيين يعنون فعلاً ما يقولون، من أنهم زاهدون في السلطة وأن الهدف من انقلابهم إنما هو حماية للبلاد والديمقراطية حتى يسلموها للحكومة المنتخبة. إنه لمن بؤس أقدار هذا البلد المنكوب أن يكون مثل هؤلاء قادة له.



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

Comments
No comments yet, take the initiative.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‏اخبار السودان الان من كل المصادر‏ © 2022