Skip to Content
‏اخبار
السودان
الان
من
كل
المصادر‏
حول ضرورة التسامي السياسي والنضج الثوري
اخبار السودان اخبار السودان / ديسمبر 21, 2021




بكري الجاك

بكري الجاك

ينسب الي ولتر سيسولو Walter Sisulu، السكرتير العام و نائب رئيس المؤتمر الوطني الافريقي بجنوب افريقيا، و هو الرجل الذي قضي أكثر من 25 عاما في السجن بجزيرة روبن برفقة مانديلا كما يعرف بأنه صاحب ثاني أطول الاحكام سجنا بعد مانديلا، قوله علي لسان ابنته ليندوي سيسولو Lindiwe Sisulu ” أنه في زمن اللحظات الثورية التاريخية العصيبة ليس من المهم معرفة من قد نام مع من”. هذا القول ورد في حوار اجرته ليندوي مع والدها حور شائعة أن أمها كانت تعاشر رجلا آخر ابان تواجد أباها ولتر في السجن. الحكمة في رد ولتر سيسولو علي مخاوف ابنته حول مدي اخلاص أمها لابيها ابان سجنه، غير انها ملحمة ثورية في ذاتها، هي ايضا دالة شاملة علي النضج الثوري للمناضل ولتر سيسولو الذي تعلم باكرا أن يتغاضي عن صغائر الأمور(من شاكلة علي من يقع اللوم) في خضم المسألة الثورية و قضايا المصير الشائكة.

بالأمس سمح لي التاريخ والارادة الانسانية أن أعفر قدماي مع الديسمبريون (نساءا و رجالا من كل حدب و صوب) في موكبنا الذي لم يكن فقط محض ذكري و تذكار لثورة ديسمبر المجيدة بل كان محطة هامة في مسيرة التحرر و الانعتاق من القهر الظلم و التسلط و الاستبداد. أهمية وصولنا الي القصر كانت في تحقيق هدف ثوري معلن من قبل كل التشكيلات الثورية في الرمزية السياسية التي انهت اي قدسية عن هذا المكان، حيث هتف الثور و رقصوا علي اهازيج ثورتنا المجيدة و اتحفني أن انظر الي صديقات لي و هن يتسلقن نافورة القصر، وقتها جالت بخاطر ي الايام التي كنت فيها طالبا يافعا في جامعة الخرطوم حين كنت احاول التمشي في شارع النيل الي أن تداهمني صورة العكسريين في كامل حلتهم الذهبية البهية، و لم اكن أعلم أنه لا يسمح للعربات بالتوقف عند المرور بهذا المكان الا لاحقا. بالأمس كان هذا المكان عاديا و محض محطة ينادي عندها كمساري الثورة السودانية ” القصر نفر”. انتهت رمزية القصر و يجب أن يبدأ تحدي التفكير في المآل الثوري.

حتي يستقيم المعني و المبني المقدمة التي أوردتها القصد بها هو القول أنه ليس من المهم لي أن اتذكر أن الاستاذ يوسف صديق قد تبادل التحايا و السلام و الضحكات مع محمد حمدان دقلو ابان محاولة الثورة تلمس طريقها في يوليو 2019، كما لست معنيا ما اذا كان ابراهيم الشيخ في صراخه و رفع علامة النصر في وجه البرهان في ميدان الاعتصام كان محض تمثيلية و انهم يعرفون بعضهم البعض، كما انني لست معنيا بمعني و دلالة أن يتوكأ رفيق زمان لي في جامعة الخرطوم علي كتفين و قميصه مفتوح الزراير، كما أنني لست معنيا بما فعل حمدوك في 21 نوفمبر أو ما قبله و ما سيفعل بعده أو ما فعلت لجنة مقاومة أم الطيور و غيرها من اللجان أو من ادعوا الحديث باسمها. انا هنا معني بالثائرة التي وقفت في وجه رئيس لجنة التحقيق في فض الاعتصام نبيل اديب، بغض النظر عن مدي مقبولية الطريقة التي فعلت بها تلك الوقفة، وأنا ايضا معني بكل طالبي الحقوق في المشهد السياسي السوداني منذ 30 يونيو 1989 الي حوادث الاغتصابات التي حصلت في بالأمس و ما يليها، فقضايا الحقوق ليس لها اطار زمني محدد و ليس لها سياق تاريخي و من حق كل صاحب حق أن يسعي بكافة السبل السياسية و الطرق القانونية للحصول علي حقه هذا مع يقيني التام اننا في وضعية تاريخية لا تسمح بتجزئة هذه الحقوق حيث لابد لنا من مدخل جماعي لفكرة العدالة و الحقوق و هذا هو جوهر فكرة العدالة الانتقالية التي لا تلغي العدالة الاجرائية و الحق في التقاضي لكنها تفتح المجال لتعافي اجتماعي يسمح بشراء المستقبل في مقابل مرارات الماضي. هذا جوهر قول ولتر سيسولو انه في اللحظات التاريخية المهمة ليس من المهم معرفة من نام مع من بل التفكير في النتائج الكلية التي تعود بالنفع علي الغالبية العظمي من الناس، فالثورة عملية تطهير ضميري و تطوير ادوات نضالية و بناء معرفي بشكل دائم و لن ينجو من هذه التمارين و الخلاصات اي من كائناتها الثورية. هذا ليس بالضرورة دعوة الي قول من شاكلة عفي الله عما سلف أو “باركوها يا جماعة” أو ما شابه ذلك، بل هي دعوة الي كل اصحاب المصلحة في التغيير الاجتماعي من قوي الحراك الثوري الي الدخول في عصف ذهني جماعي مفتوح و الاعتراف بأن “سوء التقديرات” التي تبين لاحقا انها اخطاء كبيرة والتوقف عن اضاعة الوقت في “من نام مع من” و البحث جهة ما للومها الي ما نحن فيه والتركيز في القضايا الجوهرية ، أعني رؤية ثوريةكلية من آليات المقاومة و برنامج عمل الي مشروع الدستور الدائم. هذا يشمل التوقف عن لوم لجان المقاومة و غيرها من القوي السياسية في التمسك بالمطالب الجذرية للتغيير فليس هنالك اي مقترحات مقدمة من قبل القوي الشمولية سوي الخنوع و القبول بالاستبداد حتي دون مقابل له من استقرار سياسي كما تفعل قوي الاستبداد عادة.

في الجانب الآخر ما كنت أعلم ورأيت و أري أن ظاهرة تلاشي مشروع الدولة القومية، التي هي قيد التكوين منذ 19 ديسمبر 1955، في مرحلة متقدمة وأن استعادة شرعية الدولة السودانية في منظور العديد من مكوناتها سيظل أمر في غاية التعقيد. ايضا أعلم بكل يقين اننا نتعامل مع دولة مختطفة بواسطة كارتيلات تحالف السلطة و المال التي توظف جهاز الدولة كواجهة لاضفاء شرعية اجتماعية و سياسية علي فسادها بدءا من تجنيب أموال و وصولا للاستمرار في البقاء كدولة موازية، و أنه ليس لدينا حكومة تدير أبسط مقاليد الأمور في هذه اللحظة. علينا نحن معشر الثوار أن نعي أننا نقشر في بصلة التعفّن و كلما تخلصنا من قشرة تكشفت لنا قشرة أخري، البرهان ليس سوي الا احدي هذه القشرات و سيمضي لا محالة الا أن البصلة باقية. ما يجب أن تعيه قوي المصالح و شبكات المافيا التي تقف خلف البرهان أن التاريخ قد قال كلمته من قبل و ها هو يقولها الآن أن المصالح ( رأسمالية كانت ام خلافه) عبر التاريخ تسعي الي توظيف اجهزة السلطة لخدمة اجندتها و أن عملية بناء الدول و الانتقال الي الديمقراطية كنظام حكم قد تمت عبر تسويات سياسية و اجتماعية استوعبت فيها قوي المصالح كيفية تكييف طرق اشتغالها وفق منظومة حكم ديمقراطي يتيح تعدد المصالح لا الوقوف ضد التعدد. هذه دعوة لتحالف المال و المصالح التي تقف خلف كارتيلات الجيش (اسم الدلع منظومة الصناعات الدفاعية) و الدعم السريع بأن تستوعب أن افضل سبيل للمستقبل هو تكييف مصالحها وفق اطار يقبل باراداة الشعوب السودانية في حكم مدني ديمقراطي يكفل المواطنة المتساوية و يؤسس لنظام و مؤسسات تكفل تحقيق العدالة الاجتماعية و العدالة النوعية.

أما في معسكر قوي الثورة لابد لنا من ادار حوار عميق و بناء حول تقييم ما جري منذ 30 يونيو 2019 بما في ذلك محاولة البعض منا من تبسيط و اختزال كل الخيارات السياسية التي اتخذت منذ ذلك الوقت الي حينه. سوف لن أمضي في القول، مع بعض المعلّقين السياسيين، عن وجود فراغ سياسي و عن غياب قيادة للحراك الثوري و غياب للقوي السياسية التي آثرت لعب دور المعلق الرياضي بدلا من صناعة الاحداث، فهذا توصيف و ليس تحليل، بل سأمضي الي القول أن الواجب الثوري الآن يستدعي الانتباه الي حقيقة أنه ربما يكون ممكنا احداث تجاوزر تكنولوجي من شاكلة حرق المراحل التطورية التي تمكن من الانتقال من التيليغرام الي الهاتف النقّال دون المرور بالتلفون الأرضي لكن ليس هنالك فرصة موضوعية لتجاوزر سيسولوجي في أمور الوعي و التراكم المعرفي، أنه ربما من الأفضل الذهاب الي اعلان دستوري اولا كأساس لبناء تحالفات قاعدية و من ثم تطوير ادوات مقاومة تشمل برنامج عمل لصياغة رؤية لاستلام السلطة بما يضمن تشكيل هياكل حكم انتقالية مدنية كاملة.

لا يوجد حل سحري لمشكلة غياب القيادة و ليس هنالك امكانية لبناء قاعدي بتمثيل ديموقراطي و قواعد يمكن أن تتم عاجلا، لكن ما هو بامكاننا أن نفتح قنوات الحوار و أن نسمع بعضنا البعض و أن نرسل رسائل سياسية مفادها أن فعل المقاومة أصبح أمر باقيٍ في هذه الارض مثله مثل صلاة الجمعة و أنه من الأجدي للقوي المعادية للتغيير في القبول بأن ارادة الشعب لا تقهر كما كان بائنا في مليونيات البارحة بدلا من اضاعة الوقت في اثارة الشكوك في صفوف القوي الثورية و عدم وحدتها و تبايناتها، السودانييون الآن أمام تحدي وجودي و ليس من خياراتهم القبول بالتسلط القهر الاستبداد، فهم هذا عاجلا بواسطة قوي المصالح المتآمرة أمر فيه خير للجميع لأنه يفتح الأفق السياسي لتحقيق المطالب الثورية بالقبول بمنطق التاريخ و الارادة الثورية بدلا من لومها في مقاومة الاستبداد.

خارح النص:

شكري و امتناني الجزيل للكنداكات اللائي شرحن لي كيفية الاعداد للموكب بدءا من تجهيز الخل و قطعة القماش ” وأن لم يتيسر القماش فمناديل ورق”، و بقية الكنداكات اللائي ما فتئن أن يكن في كل منحني و منعطف اثناء الموكب في كل تعرجاته الثورية.

و بالمناسبة لما تكتم و البمبان يكثر (من واقع تجربة قصيرة جدا) الخل بيشتغل و الكربونات بتشتغل في مكافحة البمبان و مافي اي سبب القصة دي تبقي هلا مريخ، و المؤكد أن “البلد دي حقتنننننننننننننننننننننا و مدنية حكومتنا”.



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

Comments
No comments yet, take the initiative.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‏اخبار السودان الان من كل المصادر‏ © 2022