Skip to Content
‏اخبار
السودان
الان
من
كل
المصادر‏
رسالة أبوية إلى شباب وكنداكات ثورة ديسمبر المجيدة
اخبار السودان اخبار السودان / يناير 10, 2022




رسالة أبوية إلى شباب وكنداكات ثورة ديسمبر المجيدة

بقلم: بروفيسور مهدي أمين التوم

حياكم الله وأبقاكم وسدد خطاكم.

أنتم تملكون الحاضر بجدارة وبسالة، وأنتم قادرون على التنظيم وعلى التخطيط المتقن لمستقبل وطن نعتز كلنا بالانتماء إليه، ونفتخر ونحتفي بتاريخه الحضاري الذي لا يزال يدهش الباحثين.. سيروا في طريق الثورة بعون الله وحفظه، ولا شك أنكم ستصلون إلى ما تبتغون، وستحققون لوطنكم ما تحلمون.. لكنكم من وجهة نظر أبوية  تحتاجون وقفة مع النفس لمراجعة قوائم الرفض التي تمتلئ بها جوانحكم، من أجل أن تمسحوا صفحات كَرَاهية غير مبررة وُضِعَت بخبث في طريق بعثكم الثوري المجيد..

ليتكم تبدأوا بأن لا تَبخَسُوا للأجيال السابقة أشياءَهم. فلقد عاشت تلك الأجيال ظروفاً لم تعيشوها، وتحكَّمت في حركاتهم وتوجهاتهم مُحَدِّدَات لا قِبَل لكم بها في وقتكم الحالي. ورغماً عن تلك الظروف والمُحَدِّدَات كان لتلك الأجيال كَسْبُها السياسي والوطني الذي يجب أن لا يجد منكم إنكاراً أو تنكراً لأنه مسجَّل في تاريخ أمتنا، ويأتي على رأسه ما يشهد به علم الاستقلال ثلاثي الألوان الذي جاء معلناً عن إزاحة حكم إستعماري بغيض، ومبشّراً بميلاد أول دولة أفريقية مستقلة جنوبي الصحراء. وتوالى لتلك الأجيال كسبها النضالي دفاعاً متكرراً ومستميتاً عن الديمقراطية والحكم المدني مما تشهد به سجون نواقيشوط وشالا وسواكن وكوبر والأبيض وكسلا وغيرها، وتسجله معتقلات موقف شندي وقلاع الأمن في الخرطوم وأم درمان وعطبرة ومدني، مثالاً  لا حصراً، وبيوت أشباح كريهة هنا وهناك شهدت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من صنوف القتل والتعذيب والإذلال..

وبجانب هذا وذاك فإن لتلك الأجيال كسب آخر تَمَثَّل في صمود خرافي لحركة تشريد وظيفي وتهجير ليس له مثيل في التاريخ، بقيت آثاره الجسدية والنفسية في كل زوايا المجتمع، وتمثّلت في تشتت غير مسبوق لأبناء وبنات شرفاء وأسر شريفة ظلت تعج بهم الدروب في كل أركان الأرض، وابتلعت بعضهم البحار والمحيطات والصحارى..

إنه كسب نضالي دفع ثمن بعضه عظماء صعدت أرواحهم الطاهرة في المشانق والدِروات وفي وادي الحمار وفي ودنوباوي والجزيرة أبا ومعسكر العيلفون، وفي ربوع دارفور وجنوبي كردفان والنيل الأزرق، في بورتسودان والشمالية ونهر النيل وفي جنوبنا الذي ذهب مبكياً عليه بعد أن روت أرضه دماء أجيال من العسكريين والمدنيين دفاعاً عن وحدة وطنية نشدوها، كما سالت دماء عسكريين آخرين قدموا أرواحهم في الحرب العالمية الثانية مساهمة في تمهيد الطريق ليكسب السودان حريته واستقلاله.

إن بناء الأوطان عمل تراكمي للأجيال المتلاحقة والمتجايلة تتحكم فيه ظروف متباينة ويتطلب آليات تختلف باختلاف تلك الظروف. لهذا ليس من الحكمة أو العدل تبعيضه بشطب بعضه، أو إنكاره ككسب وطني لبعضه الآخر دون تمحيص وفهم عقلاني للظروف المحيطة، وكمجرد استجابة آلية غير عقلانية لعمليات غسيل مخ مقصودة تستهدف وضع حواجز وهمية بين جيلكم الثائر والأجيال السابقة  التي لا ينكر عاقل أن لها أخطاء وعيوب تستوجب الإبراز والتحليل على ضوء الظروف المحيطة آنذاك، لأن معرفة الخطأ هي مكسب في حدِّ ذاته، ما دمنا نؤمن في تراثنا القومي بأن (العترة بتصلح الدرب) وتفتح العيون لمواضع الخلل، ولكنها حتماً لا تلغي التاريخ ولا تحاكمه بالإشاعات.

فيا أيها الديسمبريون الأماجد لا تبخسوا الأجيال السابقة أشياءهم، ولا تنكروا مكاسبهم، ولا تستهينوا بتجاربهم، فأنتم جزء من عقد فريد، ومن متوالية زمنية مجيدة تمتد لآلاف السنين، فلا تجعلوها وليدة شهور ومنقطعة جذور.. ذلك جُرم لا يليق بالثوار بناة السودان الجديد، حملة رايات ثورة ديسمبر المجيدة، أحفاد ترهاقا وبعنخي والكنداكات والمهدي والميرغني وعلي دينار والمك نمر والأزهري والمحجوب وعبد الخالق وقرنق وفاطمة والسارة وبلقيس… إنكم أبناء وبنات وطن عظيم ممتد تاريخاً وكسباً وطنياً، فلا تُقَزِّمُوه، ولا تنكروا لأجياله المتعاقبة كسبها، مع الاحتفاظ بحقكم كاملاً لنقدها، ففي ذلك سبيل لتجلية الرؤى وتصحيح  المسار والقفز بثقة نحو وطن جديد تستحقونه بجدارة. تذكروا دائماً أن الأمم لا تُبنَى بالجحود، والهدم، والنكران غير العقلاني لكافة جهود آخرين سابقين أو متجايلين، فلكل جيل كسبه وموقعه في تاريخ أمته.

حفظكم الله وحقق لكم ما تتمنون.

8 يناير 2022م



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

Comments
No comments yet, take the initiative.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‏اخبار السودان الان من كل المصادر‏ © 2022