الأسبوع الماضي: أحداث لها ما بعدها

اخبار السودان


ثلاثة أحداث مهمة جرت الأسبوع الماضي لها ما بعدها، وترسل إشارات إيجابية وسلبية يجب التقاط الإيجابي منها والإستفادة منه وتفادي وتعديل السلبي.

تقرير:عمر البكري أبو حراز

الحدث الأول:
زيارة رئيس الوزراء د.حمدوك إلى أمريكا.. الإيجابي فيها ترفيع التمثيل الدبلوماسي بين أمريكا والسودان إلى درجة السفير، مما يعني أن أمريكا ترسل إشارات إيجابية للتطبيع الكامل لعلاقاتها مع السودان، بعد أن يستوفي السودان لشرطين فقط هما التحول الديمقراطي المدني الكامل في الحكم، ثم العمل على إزالة كل الآثار المتبقية الداعمة للإرهاب، وذلك بمحاربة والتحفظ على كل الإسلاميين المتطرفين، وإبعاد الأجانب من قادة وفصائل المنظمات الإسلامية الجهادية المتطرفة، والقضاء الكامل على كل معسكراتهم وأماكن تدريبهم، وبالطبع أمريكا لها كل المعلومات الدقيقة عن كل ذلك.. قبل حدوث تحقيق الشرطين لن يتم إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
قطعاً بعد خروج الإسلاميين في موكب الزحف الأخضر يوم السبت 14 ديسمبر، سوف تتحفظ أمريكا كثيراً وتبطيء الخطى في التطبيع الكامل وإزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.. أتوقع أن يؤدي موكب الزحف الأخضر إلى إعادة النظر في محور السعودية والإمارات، في سياسة الدعم المحدود القليل للحكومة الإنتقالية، إلى دعم كبير عاجل يساعد في وضع ميزانية 2020 حتى تزيل الأعباء الجسيمة عن المواطن السوداني، وتبعده عن شبح الإحباط وتعيد إليه الأمل والثقة في ثورة ديسمبر 2018 الظافرة، بدون ذلك سيفقد المحور كل مخططاته في السودان، وتصبح الإحتمالات المتوقعة مواجهات بين الحرية والتغيير والإسلاميين، تؤدي إلى انقلاب لا يعلم أو يتكهن أحد بتوجهاته، ولكن في كل الحالات سيكون عسكرياً اتوقراطياً، يقضي على التحول الديمقراطي المدني، ويعيد السودان إلى مربع العزلة الدولية، أو مربع الإنحياز الكامل لمحور أمريكا والإمارات والسعودية.
لكل ذلك نرى أن تحفظات أمريكا منطقية قائمة على معلومات وتحليلات دقيقة عن مآلات الوضع الهش في السودان، إذ أن قيام موكب الزحف الأخضر دون أن تعترضه جهات أمنية، يؤكد عمق الإنقسام، واختلاف التوجهات بين المكونين في عضوية المجلس السيادي- المكون المدني (قحت)، والمكون العسكري- المجلس العسكري الانتقالي المحلول. وبيان القوات المسلحة عشية الجمعة 13 ديسمبر يشير وسط سطوره إلى ذلك، خاصة عند فقرة سنكون على مسافة واحدة من جميع المكونات.
الحدث الثاني:
لقاء أصدقاء السودان في الخرطوم لدعم الحكومة الإنتقالية وتحسين موازنة 2020 .. اجتمع 23 ممثلاً من 23 دولة بينها أمريكا والنرويج- التي تشكل مركز الثقل في الإتحاد الأوروبي- أمّن تجمع أصدقاء السودان على قصر الدعم العاجل للموازنة على الجوانب الإجتماعية والخدمية، مثل دعم التعليم والصحة، والمياه النظيفة المعالجة، والكهرباء، وتحمل كافة الأعباء المالية المترتبة على الوصول إلى إحقاق سلام شامل، مثل إعادة النازحين والتعويضات المالية، وتأهيل مناطق عودتهم التي تأثرت بالحروب.
لن يكون هناك دعم سلعي أو دعم لمشاريع تنمية.. مندوبة النرويج ذكرت أن على السودان عدم الإعتماد الكامل على المساعدات، لأنها ليست دائمة، وفي ذلك إشارة واضحة بأن تقوم حكومة السودان الإنتقالية بالتخطيط المستقبلي القائم على دراسات الجدوى موثوقة ومعدة بمواصفات عالمية لمشاريع تنموية، عمادها ثروات السودان الهائلة في باطن الأرض وسطحها، بمعنى آخر إعداد دراسات تنموية لإضافة قيمة كبيرة على خامات السودان في الزراعة، والثروة الحيوانية والتعدين، وإيقاف تصدير أي خام دون إضافة قيمة معتبرة له، وكذلك ترقية البنيات التحتية التي تجلب عملات أجنبية هائلة مثل تحديث وإنشاء موانئ متطورة في ساحل البحر الأحمر، وإنشاء مطار دولي ضخم يناسب موقع السودان الجغرافي المميز في قلب أفريقيا والشرق الأوسط والقرن الأفريقي.. يقدر العائد المادي من العملات الحرة من إنشاء المطار وتحديث موانئ البحر الأحمر بما لا يقل عن عشرين مليار دولار سنوياً.
لذلك- وكما أشرت في مقال سابق- يجب على الحكومة الإنتقالية الإسراع بإعداد دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية للمشاريع العشرين، التي تقدمت بها إلى أصدقاء السودان، وعرضها على الشركات متعددة الجنسيات في دول أصدقاء السودان، حتى يتم تمويلها بنظام البوت (Boot) البيع الإيجاري، وهي الطريقة الوحيدة المتاحة في ظل التدهور الاقتصادي الحالي، للنهوض باقتصاد السودان، وإعادته إلى قوته خلال العشر سنوات القادمة.. لذلك لو أنجزت الحكومة الإنتقالية إعداد هذه الدراسات لكفى، إذ ستصير هذه الدراسات خارطة طريق مقبولة واجبة التنفيذ لأية حكومة منتخبة قادمة، وستوفر لها جهداً ووقتاً وتردداً في التنفيذ، خاصة إذا شرعت الشركات في التنفيذ..
أكرر أن واجب الحكومة الإنتقالية الوحيد العاجل هو الإسراع بإعداد الدراسات هذه، ولكسب الوقت يجب أن تقوم بتكليف أكثر من عشرين مكتباً أو شركة استشارية محلية وعالمية، وتوزيع مهام إعداد الدراسات لها.
الحدث الثالث:
هو بداية الجولة الثانية للسلام في جوبا.. نذكر ونؤكد أن كل الذي ذكرناه في هذا المقال لن يتحقق بأي نسبة، إذا لم يعم السلام السودان عبر إتفاقية شاملة كاملة مستدامة، إذ لن يقدم أي مستثمر فرداً كان أو شركة على دخول السودان والأمن والسلام غير متوفرين.. محادثات السلام الحالية وطريقتها لن تفضيا إلى هذا السلام الشامل، أكبر عقبات التوصل إلى سلام شامل ثلاث، أولها عدم وجود أو وضوح رؤية واحدة وبرنامج وأهداف من جانب الحكومة، ثانيها تعدد منابر التفاوض في توزيع مُخل مع فصائل الحركات، وثالثها عدم الشفافية في سير مراحل ومداولات التفاوض.. كل فصيل لا يعلم ما دار ويدور مع الفصيل الآخر، الرأي عندي إيقاف كل التفاوض بطريقته الحالية التي تكرر خطأ النظام المباد في تبني نظرية فرق تسد.
يجب أن يتحول التفاوض إلى مؤتمر حوار مفتوح علني داخل السودان، مثل مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965 الذي حضرته كل فصائل الجنوبيين، وتم فيه الإستبعاد الكامل لفكرة ودعوة الإنفصال، ولولا تعنت وقصر نظر قيادات الأحزاب الشمالية- خاصة الوطني الاتحادي- في رفض قبول كل أحزاب وفصائل المجموعات الجنوبية بالحكم الفدرالي للجنوب في ظل سودان واحد، ما عدا فصيل واحد بقيادة أقري جادين طالب بالانفصال- لولا ذلك التعنت لانتهت مشكلة الجنوب تماماً منذ عام 1965 ولم تنشأ حركة الأنانيا عام 1967 بقيادة اللواء جوزيف لاقو، ولم تتمرد حامية بور عام 1983 بقيادة العقيد جون قرنق، ولم تتكون الحركة الشعبية لتحرير السودان.
الحركتان ساهمتا بقدر كبير في عدم استقرار السودان وتدهور اقتصاده، ذلك باستنزاف الخزينة دعماً للحرب وخصماً على التنمية وتقوية الاقتصاد المؤدي لرفاهية المواطن السوداني.
التفكير والسلوك الوطني المتجرد من كل مصالح شخصية لكل القيادات الحالية والقادمة، هو المخرج الوحيد الآمن لتماسك ونهضة السودان.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة آخر لحظة

اخبار السودان

أضف تعليق