جريدة لندنية : تعدد الفصائل المسلحة يعسّر مهمة توصل السلطة الانتقالية إلى تفاهمات حاسمة

اخبار السودان


دخلت السلطة الانتقالية السودانية، والجبهة الثورية الممثلة للحركات المسلحة، في حوارات على خمسة مسارات مضنية. يشمل كل منها منطقة محددة في البلاد. بعضها معروفة خطوطه التي يسير عليها التفاوض، وفقا لما جرت الموافقة عليه إقليميا ودوليا. والبعض الآخر لا يزال يتلمس معالمه السياسية والفنية. وهذا لا يعني أن الأول أكثر سهولة أو العكس. فالجميع يواجه تحديات متعاظمة، وأهمها عنصر الوقت الذي أصبح ضاغطا على سلطة وضعت السلام على قمة أولوياتها في الستة أشهر الأولى لحكمها.

مضى أكثر من نصف هذه المدة في الضجيج والصخب السياسي، والمفاوضات لم تضبط بوصلتها كي يتسنى الحديث بارتياح عن اقتراب موعد تحقيق السلام الشامل الذي أصبح مربوطا بالتقدم في قضايا أخرى، ليس أخطرها رفع اسم السودان من اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب. فهناك إجراء الانتخابات التشريعية، وحكام الولايات، والصيغة التي سوف يحكم بموجبها السودان، وحزمة كبيرة من الملفات يحتاج حسمها إلى سنوات طويلة.

يشفق الكثير من المتابعين على السلطة الانتقالية، لأنها مضطرة إلى إجراء حوارات حول قضايا متقاربة، وتكوين طواقم مختلفة للتفاوض، ربما هناك خصوصية لكل إقليم، لكن في النهاية تكاد الملفات وتشعباتها تكون واحدة. فشكل الدولة، فيدرالية أم كونفيدرالية، والعلاقة بين المركز والأطراف، وبين الدين والدولة، وتوزيع السلطة والثروة، والمحتوى الأساسي للدستور، واللغة، وملف اللاجئين والمشردين والتعويضات، وقواعد وقف العدائيات، والموقف من هضم العناصر المسلحة التي قاتلت على مدار سنوات، وغيرها من الموضوعات.

مسارات متعددة
تتقاسم المسارات الخمس هموم غالبية هذه القضايا، قد تتقدم أو تتأخر على مسار، غير أنها تتكرر، ويمكن أن تتم مناقشتها أكثر من مرة، لأن هناك خمسة فصائل مسلحة مندمجة في الجبهة الثورية، كغطاء رسمي، وأخرى خارجها وقريبة منها في التعاون والتنسيق، مثل الحركة الشعبية – قطاع الشمال، جناح عبدالعزيز الحلو، وثالثة بعيدة أصلا عن عملية المفاوضات، مثل حركة تحرير السودان، جناح عبدالواحد نور.

في ظل هذا الموزاييك، من الصعوبة أن تتوصل السلطة الانتقالية إلى تفاهمات حاسمة مع كل هذه الأطراف، وما يعتريها من تناقضات صريحة أو ضمنية. وإذا وصلت سوف تواجه مأزقا لتطبيقها على الأرض، لأن العناوين العريضة التي تم قبولها في اتفاق المبادئ في شهر سبتمبر بجوبا، حمّالة أوجه، وثمة جهات تفسرها بطريقة وأخرى بطريقة مختلفة، ولذلك غير مستبعد أن يغرق المتفاوضون في تفاصيل لا قبل لهم بها، وربما يعجزون عن إيجاد مخارج مناسبة، أو تكييف بعض القضايا بما يتواءم مع طبيعة كل منطقة.

تدور معركة أخرى بشأن المكان الذي يستضيف كل مسار. هناك عواصم استضافت مسار دارفور، وأخرى كردفان، فضلا عن العاصمة المركزية التي تجري فيها الحوارات الراهنة، وهي جوبا، حيث تريد بعض الحركات عقد المحادثات في دولة بعينها، دون أن تعبأ بمدى ما يمكن أن تمثله من معان سياسية لها أو للسلطة الانتقالية، وسط حالة استقطاب ساخنة.

ويمكن أن يفهم من عودة مسار دارفور للدوحة، كما تريد حركة العدل والمساواة وزعيمها جبريل إبراهيم، التمسك بتوجه الحركة الإسلامي. وإذا باركت الخرطوم هذه الخطوة يمكن الاستشفاف منها أنها تسير على طريق نظام الرئيس المعزول عمر حسن البشير في علاقته الوطيدة بقطر، ما يدخل المفاوضات نفقا مظلما.

ارتاحت غالبية الحركات المسلحة إلى جوبا، ووافقت السلطة الانتقالية على ذلك، فهي تبدو منبرا محايدا، أو على الأقل لن تثير قلقا وتوتّرا وأخذا وردّا، بين الخرطوم ودول عربية وأفريقية أكثر استعدادا من جنوب السودان، لكن المشكلة الرئيسية أن الحكم في جوبا نفسها يواجه أزمات مركبة في مسألة السلام، وعجز عن التوصل إليه خلال ست سنوات من اندلاع الحرب الأهلية، ما يجعل هذا المنبر أقل مصداقية في إنجازه على صعيد السودان.

لا تقل أزمة المنابر صعوبة عن المسارات، حيث تجتهد السلطة الانتقالية والحركات المسلحة في التوصل إلى صيغة تهتدي بها العواصم، تضم كل منها مسارا محددا. وقبلوا بالأمر الواقع (جوبا)، بعد الفشل في اختيار بديل آخر.

هواجس حيال المركز
تجاهل الجميع اختيار الخرطوم التي من المفترض أن تصبح المكان المناسب والعاصمة القومية التي يجب أن تجتمع تحت مظلتها جميع الأطياف والألوان السياسية، كرمز معنوي مهم، ودلالة على التغير في المشهد العام، فاستبعاد الخرطوم يحمل في طياته مضامين سلبية، تؤكد أن شيئا لم يتغير بعد في السودان، والحراك الثوري أخفق في جمع الشمل.

يوحي أيضا الحوار خارجها بعدم الثقة في السلطة الجديدة، ما يهيّئ المجال للشد أكثر من الجذب، ويعيد إنتاج مشكلات سابقة تتعلق بغلبة التفكير الشخصي والحركي على الوطني. فإذا كانت الحركات المسلحة لديها هواجس معينة حيال المركز، فمخاوف الأخير لا تقل حجما وعمقا في الولاءات، وتستلزم رفع الكثير من الالتباسات السياسية في بعض القضايا الحيوية التي يمكن أن تجرّ البلاد إلى حلقة غامضة لا تجدي معها تفاهمات أو اتفاقيات أو حتى سلام.

يمكن تجاوز أزمة المسارات باختيار الخرطوم كمكان للحوار، بعيدا عن ترديد الشعارات القديمة الخاصة بإشكاليات المركز والهامش والأطراف والغبن والجور ونقض العهود والوعود، وما جره كل ذلك من تجاذبات سياسية ومعارك عسكرية، وتداعيات إنسانية لن تندمل بسهولة.

كما أن هذا الفضاء يقطع الطريق على المتلاعبين بالعقول ومن يسعون إلى الدوران في الحلقة المفرغة ذاتها التي جلبت للسودان الكثير من الويلات وكبّدته خسائر فادحة. فالعزف على بعض الأوتار يعزز القناعات بأن السودان لن يتطور، ويرسخ الأفكار المناطقية ويجعلها سابقة على نظيرتها الوطنية.

يمنح هذا المجال من يطربون لحالة الانسداد السياسي فرصة لمواصلة تغذيتها بغرض عدم وقف الحروب والعدائيات نهائيا. ونجحت الحركات المسلحة حتى الآن في عبور مجموعة كبيرة من المطبات، ولم تثنها هفوات سياسية في بداية المرحلة الانتقالية عن بدء صفحة جديدة مع الحكومة، وتخطّي العقبات التي وضعها البعض في طريق العلاقة مع قوى الحرية والتغيير. يتبقى فقط التوافق على أن تصبح الخرطوم المكان الجامع المانع للحوارات.

قد يكون الحديث عن وضع المسارات المتعددة في سلّة واحدة مرفوضا بالنسبة إلى الفصائل المسلحة، وربما تجد فيه السلطة الانتقالية مخرجا يعفيها من التشتت، أو مأزقا يضطرها

لتقديم تنازلات وتضحيات جماعية. تتوقف النظرة الإيجابية أو السلبية على زاوية الرؤية لدى كلّ طرف، وحسن النوايا في التوصل إلى اتفاق سلام شامل، ودرجة المرونة التي يمتلكها كل جانب، والشكوك التي يحملها حيال الآخر.

وضع المسارات في بوتقة واحدة للحل سوف يكون مجديا، لأن المشاكل متقاربة والتسويات والمخرجات يجب أن تصبح كذلك. لا يمكن منح حكم ذاتي لإقليم ومنعه عن الآخرين. كما أن علمانية الدولة يصعب الأخذ بها في منطقة وحرمانها في أخرى.

وتكرّ السلسلة حباتها إلى آخر الملفات الشائكة. وهو المحك الرئيسي الذي يحدد قدرة قيادات الجبهة الثورية على وضع رؤية شاملة بالمطالب للحل وليس التعقيد. فقد بدأت تنتشر تكهنات ذهبت إلى تفضيل منهج المحاصصة في السلطة والثروة وكل القضايا العالقة. والخطر أن هذه الصيغة يمكن أن تجنب السودان بعض المشكلات المؤقتة، لكن قد تفتح الباب على مصراعيه لنوعيات أكثر ضراوة في المستقبل. يحتاج تحقيق السلام في السودان رؤية واحدة لا رؤى متعارضة، كي يشق طريقه في المسار الصحيح.

تقرير : محمد أبوالفضل
المصدر : جريدة العرب اللندنية

اخبار السودان

أضف تعليق