لماذا لم يستقر الحكم في السودان؟


لماذا لم يستقر الحكم في السودان منذ الإستقلال قبل 64 عاماً، وبالتالي لم يتم استغلال ثرواته الطبيعية الضخمة في ظاهر الأرض وباطنها؟ ولماذا لم تتم زراعة المائة خمسة وسبعين مليون فدان صالحة للزراعة؟ واكتفى السودان بزراعة 44 مليون فدان فقط ، منها 40 مليون بالري المطري و4 ملايين بالري النهري، ولماذا لم يستغل السودان منذ توقيع اتفاقية مياه النيل في 1929 وتعديلها في 1959 حصته البالغة 18,5 مليار متر مكعب؟ مكتفياً بنصفها تقريباً، والنصف الآخر يذهب إلى مصر منذ ذلك التاريخ حتى اليوم، كزيادة على حصتها البالغة 55,5 مليار متر مكعب سنوياً، لماذا لم تتقدم التنمية المستدامة ولماذا تم تدمير كل المشاريع الزراعية التاريخية الكبيرة، مثل مشروع الجزيرة والمناقل، طوكر، جبال النوبة، أبو نعامة وغيرها.. لماذا يعيش الآن 60% من سكان السودان تحت خط الفقر المحدد عالمياً بما يعادل 2,9 دولار في اليوم، أي حوالي 250 جنيه في اليوم بسعر الدولار اليوم 80 جنيهاً أو ما يعادل 7000 جنيه في الشهر (7 مليون بالقديم)، وأخيراً لماذا تدهورت الخدمات الأساسية في المستشفيات والمدارس الحكومية وخدمات المواصلات والكهرباء والمياه المعالجة.

تقرير:عمر البكري أبو حراز

التحليل التالي يجيب على هذه الأسئلة وغيرها:
أولاً: في السياسة تفرقت جموع المواطنين الناشطة في عدد كبير من الأحزاب، لا يناسب الكثافة السكانية، إذ أصبح عدد الأحزاب السياسية في تزايد مستمر منذ الانتخابات الأولى عام 1953 إذ كانت أربعة أحزاب كبيرة هي الأمة، الوطني الاتحادي، الشعب الديمقراطي، والشيوعي.. وفي انتخابات 1958 زادت إلى 8 بإنشاء حزبين جنوبيين هما سانو وجبهة الجنوب، وأحزاب السوداني (جبال النوبة)، ومؤتمر البجا، وفي انتخابات 1965 زادت إلى 10 بدخول جبهة الميثاق الإسلامي والحزب الفدرالي، وفي انتخابات 1967 زادت بانقسام حزب الأمة إلى ثلاثة جناح الإمام، جناح الصادق، ومستقلون عن الجناحين، وزادت أحزاب جبال النوبة، وجنوب السودان حتى بلغت حوالي العشرين حزباً، بالرغم من توحيد الحزب الوطني الإتحادي وحزب الشعب الديمقراطي في الحزب الحالي الاتحادي الديمقراطي، وفي انتخابات 1986 زادت الأحزاب إلى ثلاثين حزباً، والآن أحزاب السودان قرابة المائة مثلاً الاتحادي الديمقراطي ستة أحزاب، حزب الأمة 5 أحزاب، إضافة إلى الحزب الناصري، المؤتمر السوداني، البعث العربي ثلاثة أحزاب، الجبهة القومية الإسلامية، وبعد 1986 حتى الآن وصلت إلى حوالي المائة حزب، بقيام أحزاب متشظية من أخرى مثل المؤتمر الوطني، المؤتمر الشعبي، الإصلاح الآن، وأحزاب دارفورية عديدة بعد اتفاقية الدوحة، والحزب الشيوعي نفسه تقسم إلى ثلاثة أبرزها حق المؤسف أن كل هذه الأحزاب ظهرت إما لأسباب شخصية أو جهوية أو خلافات الفصائل المسلحة في دارفور. معظم هذه الأحزاب تفتقر إلى فكر واحد يجمعها وبرامج تقودها.
هذه النزاعات الحزبية غير الموضوعية أدت إلى عدم استقرار الحكم في السودان، إذ أن الحكم الديمقراطي الحزبي في مجمله بلغ 9 سنوات-(1956- 1958)، (1965-1969)، (19986- 1989) زائداً سنتين انتقاليتين (1964-1965)، (1985- 1986)، أي كل فترة الحكم المدني الديمقراطي منذ الإستقلال (11) سنة تعادل 17% من عمر السودان بعد الإستقلال و83% حكم عسكري.
ثانياً: في الاقتصاد والتنمية ونتيجة لعدم استقرار الحكم المدني لم تحدث أي تنمية أو استقرار اقتصادي طوال الحكم الحزبي، بل كل التنمية تمت في العهود العسكرية على سبيل المثال لا الحصر إنشاء خزان الرصيرص، الخطوط الجوية، الخطوط البحرية، مصانع السكر في الجنيد والقربة تمت في عهد عبود، وبقية مصانع السكر في عهد حكم مايو.
كل التحديث في تقوية القوات المسلحة تم في العهود العسكرية مثل إنشاء سلاح الطيران والبحرية، ومصنع الذخيرة تم في عهد عبود، والطائرات الحربية الحديثة والمعدات الأخرى في عهد مايو والانقاذ، تم إنتاج وتصدير البترول والذهب في عهد الإنقاذ، ولكن في المقابل تم تدمير كافة المشاريع الزراعية الحكومية مثل الجزيرة والإنهيار الكامل للخطوط الجوية السودانية، والخطوط البحرية والنقل النهري، وتدهورت الخدمات الحكومية في التعليم والصحة بدرجة كبيرة جداً، وتحول عدد كبير من رجال المال والإعمال لاستثمار أموالهم في الخدمات الأساسية مثل المستشفيات الخاصة، المدارس من مرحلة الأساس حتى الثانوي والجامعات، وكلها برسوم مالية عالية فوق قدرة الغالبية العظمى من المواطنين، كل ذلك على حساب خدمات الدولة الأساسية في التعليم والصحة التي تدنى أداؤها كثيراً. انهار قطاع النقل تماماً في فترة حكم الإنقاذ، وفقد السودان أول أكبر خطوط جوية في أفريقيا، فقد الخطوط البحرية والنقل النهري، والسكة الحديد بكل بنياتها التحتية المتمثلة في ورش عطبرة العملاقة في كافة المجالات الهندسية، وتمت تصفية مصلحة النقل الميكانيكي التي كانت تشرف على كل مركبات الحكومة، بدءاً بتحديد معايير استيراد سيارات الحكومة والقطاع الخاص، وانتهاءً بالصيانة والعمرة الكاملة، وتمت تصفية النقل النهري العملاق الذي كان يربط السودان بدولة جنوب السودان، في نقل السلع من الشمال إلى الجنوب.
صرفت الإنقاذ أموالاً طائلة من العملات الحرة في حروب الجنوب ودارفور، جنوب كردفان، والنيل الأزرق، كانت تشكل 67% من ميزانية الدولة منذ العام 1989 على حساب الخدمات الأساسية والتنمية، تبنت وتمسكت الإنقاذ بسياسة السوق الحر، الأمر الذي أدى إلى اتساع الفجوة بين شرائح الشعب الثلاث، وذابت الطبقة الوسطى (الموظفين) في الطبقة الدنيا (العمال) وارتفع خط الفقر إلى 60%.
لم تنعم غالبية الشعب السوداني بخيرات البترول والذهب، والمُقدرة بقرابة المائة مليار دولار منذ العام 1999 ، وزاد الأمر سوءا بعد انفصال الجنوب المدمر والذي تم بتدابير وتخطيط بالغ الدقة والذكاء تحت شعار: (إزالة الدغمسة وتطبيق الشريعة)، والذي حدث أن زادت (الدغمسة) وعم الانهيار الاجتماعي العديد من الأسر وتفشت ظاهرة تعاطيا لمخدرات وممارسة الرذيلة في الشقق المفروشة بصورة غير مسبوقة.
ثالثاً: في السياسة الخارجية لم تنجح كل الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال والنظم العسكرية في تحديد سياسة خارجية مستدامة ومتوازنة.. الحكم الوحيد الذي ظل ثابتاً في سياسة عدم الإنحياز وكسب احترام كل الدول كان نظام عبود (1958- 1964)، وبهذا الثبات تمكن نظام عبود في ست سنوات من إحداث طفرة تنموية هائلة في البلاد في الزراعة والسدود وقطاع النقل، الذي أنشأ فيه الخطوط الجوية والخطوط البحرية، والسكة الحديد، والطرق البرية، والصناعات التحويلية مثل السكر والنسيج، والخضر والفاكهة والألبان في توزيع متوازن على مناطق السودان، وفي القوات المسلحة أنشأ سلاح الطيران والبحرية ومصنع الذخيرة وغيرها.
خلاصة:
أولاً: أنظمة الحكم في العهود الديمقراطية بممارساتها وافتقارها إلى الفكر والبرامج واختلافات قادتها لأسباب شخصية حرمت السودان من إحداث طفرة في التنمية، وشجعت القوات المسلحة على التدخل والإستيلاء على السلطة.. الأحزاب الآن بهذا العدد يؤدي إلى استمرار عدم الاستقرار السياسي مما يرجح تدخلاً عسكرياً رابعاً.
ثانياً: الانقلابات العسكرية العقائدية الإثنين- مايو والإنقاذ- مارستا سياسات اقصائية وتمكينية حادة جداً، أضرت كثيراً بالوطن وأفرزت كل الحروب الأهلية في الجنوب والغرب بسبب التهميش.. انقلاب مايو وتحت شعار التطهير واجب وطني أضر كثيراً بالخدمة المدنية وأضعفها، وجاءت الإنقاذ بشعارات التمكين وأكملت دمار الخدمة المدنية وأحالت مئات الآلاف من الرجال والنساء إلى التقاعد بكل مؤهلاتهم الرفيعة وخبرتهم الطويلة، وأبدلتهم بمنسوبيها الإسلاميين ومعظمهم ضعيفي التأهيل قليلي التجربة، إضافة إلى اتباع سياسة خارجية منحازة لمعسكر الحركة الإسلامية العالمية الداعمة للأرهاب، أبرز الأحداث المؤثرة كانت في استضافة المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي ثلاث مرات في السودان في الأعوام 1993-1995 والذي حضره قادة الحركات الإسلامية المتطرفة في العالم، أمثال أسامة بن لادن، قلب الدين حكمتيار، الظواهري، راشد الغنوشي، بلحاج، الزنداني، القرضاوي وغيرهم، وحتى كارلوس الإرهاب الدولي كان مقيماً في السودان، أدى ذلك إلى وضع السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب في عام 1993، وفرض عقوبات أمريكية اقتصادية على السودان 1997.
كل ذلك إضافة إلى انفصال الجنوب في يوليو 2011 أدى إلى انهيار الاقتصاد بوتائر متسارعة في ظل كبت رهيب سياسياً واجتماعياً (النظام العام)، أذل الشعب السوداني حتى تكوّن العقل الجمعي، وتبلور حتى وصل مرحلة الكراهية، ووصل الشباب المتعطل إلى الحالة النفسية الخطيرة (ليس لدي ما أفقده)، وقدموا أرواحهم بإصرار في ثورة ديسمبر 2018 السلمية، التي نالت إعجاب وتقارير العالم، وصارت رمزاً ومنهجاً لثورات أعقبتها في لبنان والعراق وحتى في إيران.
ثالثاً: فشلت كل محاولات التوصل إلى سلام دائم بسبب الصراع على السلطة، خصماً على حل ومخاطبة معاناة النازحين والمواطنين في المناطق المتأثرة بالحروب.
التوصيات:
أولاً: التفكير الوطني المتجرد في تقليص كل الأحزاب السياسية إلى ثلاثة، مثل ما هو حادث في كل العالم، حزب السودان الوطني ويضم كل الأحزاب والتنظيمات ذات الآيدلوجية الإسلامية السياسية مثل حزب الأمة، والختمية، والحركة الإسلامية السودانية.. حزب السودان الديمقراطي، ويضم أحزاب وفصائل اليسار، ثم حزب الوسط السوداني، ويضم أعضاء الحزب الوطني الإتحادي القديم، وكل الشباب والشابات غير المنظمين آيدلوجياً.
ثانياً: التوصل إلى السلام الدائم بحوار وطني داخل السودان تكون أولى أهدافه مخاطبة معاناة المواطنين النازحين والمتأثرين بالحرب.
ثالثاً: كل من الأحزاب الثلاثة يعمل على وضع نظام سياسي مناسب يحكمها، وبرامج واضحة تحدد سياساتها في الاقتصاد والتنمية والخدمات والسياسة الخارجية، وتجري انتخابات وكل حزب يقدم فكره وسياساته، وجعل الانتخابات هي الفيصل في حل معضلة توزيع السلطة، والتي ظلت وسوف تظل العقبة الأساسية في الوصول إلى السلام المستدام.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة آخر لحظة



Source link

أضف تعليق