شخصيات في محاكمة مُدبِّري انقلاب الإنقاذ



الخرطوم: أحمد طه الصديق

شملت محاكمة مدبري انقلاب نظام الإنقاذ 1989 عدداً كبيراً من الرموز السياسية على رأسهم الرئيس البشير وآخرين بيد أننا آثرنا هنا أن نسلط الضوء على ثلاثة من هؤلاء المتهمين وهم علي عثمان محمد طه الذي شغل منصب نائب رئيس الجمهورية في فترة سابقة من عمر النظام المدحور وتولى رئاسة الحركة الإسلامية التي تمثل عرّاب النظام قبل أن ينفرد البشير بالسلطة ويعمل على تهميش دورها، لكنه رغم ابتعاده عن المنصبين المهمين يعتبر أحد الشخصيات المؤثرة في سدة الحكم أما د. علي الحاج فقد تولى مناصب وزارية وكان من الرجال المقربين للدكتور حسن الترابي الذي كان بمثابة الدينمو الذي يحرك النظام حتى ضاق منه البشير حينما أراد أن ينفرد تماماً بدفة قيادة الدولة، بينما لا يمثل اللواء م. يوسف عبد الفتاح أي تأثير على خارطة الحكومة أو تنظيمها السياسي أو الإسلامي، بيد أنه تمتع في فترة الإنقاذ الأولى سيما في عامها الأول بشيء من الأضواء في الأجهزة الإعلامية خاصة التلفزيون عندما شغل منصب نائب والي الخرطوم حيث كان يقوم بجولات ميدانية شملت الأسواق.

علي عثمان
نشأ المحامي علي عثمان محمد طه في أسرة عامل بسيط يعمل في حديقة الحيوان ربما كان دافعاً له لتفوقه فيما بعد حيث تخرج من كلية القانون بجامعة الخرطوم عام 1970 ثم محامياً لفترة من 1971 -1972 ثم التحق بالسلك القضائي متدرجاً إلى قاضي درجة أولى في عام 1976 و عرف العمل السياسي مبكراً عندما كان طالباً منتمياً الى الحركة الإسلامية فلم يكن غريباً أن يدخل مجلس الشعب إبان الحكم المايوي في أعقاب التقارب بين نميري والإسلاميين الذي بدأت إرهاصاته منذ نهاية السبعينيات فكان عضواً لثلاث دورات منذ عام 78 – 1985 حيث احتل منصب رائد مجلس الشعب عام 84 – 85 ولكن عندما استولى نميري على السلطة عام 1969 اعتقل في عام 1971 وحين أطيح بنظام النميري في 1985 دخل علي عثمان الجمعية التأسيسية عضواً ممثلاً للجبهة الإسلامية القومية عن دائرة امتداد الدرجة الثالثة بالخرطوم ثم زكاه الترابي كزعيم للمعارضة بالبرلمان في عام 1986 – 1988 ورغم أن هذا الاختيار لم يكن يلاقي إجماعاً آنذاك من بعض رموز الحركة الإسلامية التي تعتقد أن مجاهداتها أو سبقها يؤهلها لهذا المنصب إلا أن الترابي كان يثق في قدرات علي عثمان أو ربما لميوله البراغماتية في تنظيم اعتاد أن يقفز على المبادئ متى ما أراد، وقد ظهر هذا عندما أبرمت حكومة الإنقاذ اتفاقية نيفاشا مع الحركة لشعبية بزعامة جون قرنق فقد اعتبر بعض أعضاء الحركة الإسلامية أنها غيبت البعد الديني وانها اتكأت على الحلول البراغماتية على حساب المرجعيات والثوابت التي طالما نادت بها الانقاذ إلا أن طه رد على هذا الاتهام بطريقة غير مباشرة بقناة الجزيرة في ذلك الوقت بقوله ( إن اعتبار أن الاسلام لا ينجح الإ اذا كان الجميع مسلمون وإلا إذا كانت الدولة كلها موحدة العقيدة وإن الاسلام يصلح نظاماً سياسياً لمجتمع تعددي الثقافات والأعراق هذا فيه انتقاص للاسلام وقال ( نحن نريد أن نقدم نموذجاً يقوم على ان الاسلام يحترم الخصوصية الثقافية الاخرى ). وعندما سأله مقدم البرنامج عما اذا كانت القوات المسلحة ستقاتل بعد الاتفاقية بعقيدة علمانية قال ( ان الاتفاقية لم تقصِ الدين من الحياة العامة وإنما أفضت ترتيبات معينة للمناطق التي تسود فيها العقيدة الاسلامية ) وقال ( ان التلاقي بين الطرفين في الدفاع عن الوطن يمكن ان يكون منطلقه هو العقيدة الاسلامية وقد لا يكون كذلك ) ومع ذلك كان الخطاب الإنقاذي يشير أن حرب الجنوب هي حرب جهادية إسلامية .
تعسف وإقصاء
كذلك اتسم علي عثمان بالتشدد في الرأي والضيق بالحريات والميل للسياسة القابضة فقد أوقف آنذاك صدور صحيفة بحجة انها تجاوزت الخطوط الحمراء وكان طه ظاهرياً يبدو بالمرونة تجاه الخصوم وان كان دائماً يضمر وجهاً مغايراً يظهره في الوقت الذي يراه مناسباً ودرج طه أن يتقمص دور المحامي المترافع عن الحكومة تجاه النقد سواء أكان من المعارضة أو من بعض الصحف في بعض القضايا مثل قضية الفساد وغيرها لكن يبدو أن تركيبة طه كمحام وبما يملكه من قدرات في المصدات السياسية جعلته يميل إلى أسلوب المرافعات أكثر من كونه يميل الى أسلوب النقد والاعتراف الذاتي باخطاء التجربة الانقاذية التي اتسمت بالأخطاء طوال مسيرتها التي استمرت لثلاثة عقود .
سلوك دموي
الكثيرون يصفون علي عثمان بالقسوة تجاه الخصوم إلى درجة أنه لا يجد في أسلوب التصفيات الجسدية حرجاً بل مخرجاً لازماً لتأمين النظام وإخافة المتربصين به وقد بدا ذلك جلياً عبر التسريبات جلياً التي بثتها قناة العربية في وقت سابق حيث ألمح بوضوح إلى ضرورة إعدام المتهمين بالانقلاب ضد الإنقاذ الذي اتهم فيه عسكريون تابعون للحركة الإسلامية كما زجوا بسياسيين على رأسهم العضو البارز في التنظيم غازي صلاح الدين والذي شغل مناصب عديدة في الحكومة قبل أن يختلف مع المؤتمر الوطني عبر مذكرة (الإصلاح) في العام 2012.
علي الحاج محمد
عبر مكتبه المتواضع بمبنى الجبهة الإسلامية كان د. علي الحاج نائب الجبهة يصدر التصريحات الساخنة والتي ازدادت اشتعالاً في أعقاب خروج الجبهة الإسلامية من الحكومة الائتلافية ، لكن بالرغم من أن د. الحاج عرف سياسياً من أبناء دارفور لكنه لم يتمكن من الفوز في الانتخابات البرلمانية عام 1986 في إحدى دوائر نيالا بغرب السودان لكنه شغل في تلك الحكومة المؤتلفة منصب وزير التجارة.
ملف السلام
وفي عهد الانقاذ رأى الاسلاميون عند بداية الحكم أن دهاء د. علي الحاج وميوله البراغماتية تؤهله للامساك بملف التفاوض مع جنوب السودان باعتبار ان الحركة الشعبية كانت آنذاك في قمة صدودها عن العملية السلمية ، بيد أن الظروف الدولية كانت أقوى من هذه المحاولات كما أن حكومة الإنقاذ كانت أكثر رايداكالية في مواقفها وخطابها السياسي المتضخم بالشعارات الدينية الجهادية لكنها في النهاية لم تجد بداً من الانحناء للعاصفة الدولية والجلوس على طاولة المفاوضات.
القرب من د. الترابي
بالرغم من أن د. الترابي زعيم الحركة الإسلامية وعراب نظام الإنقاذ ولد في شرق السودان لكن كانت له اهتمامات بدارفور وحراكها السياسي لكن لم يكن هو سبب التقارب الوحيد فالترابي يقول إنه التقى بدكتور علي الحاج فيما يعرف بكيان نهضة دارفور والتي لم يكن د. الترابي عضواً فيها كما التقى به في مدرسة خور طقت الثانوية التي لم يدرس بها الترابي لكن د. علي الحاج فصل منها لأسباب سياسية ثم واصل بعد ذلك تعليمه لاحقاً وكان ارتباطه بالحركة الإسلامية مبكراً منذ المرحلة الثانوية و درس الطب وتخصص في طب النساء والتوليد وتوطدت صلته مبكراً مع د. الترابي فعقب وصول الإنقاذ للسلطة تولى عدة مناصب مهمة منصب وزارة الصناعة ثم الاستثمار ثم وزارة العلاقات الاتحادية في الأعوام 1996 – 1999 لكن بعض المراقبين يقولون إن د. علي الحاج كان يطمع في منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية حيث قام صديقه وزعيم الحركة الاسلامية د. الترابي بترشيحه مع الأستاذ علي عثمان لتولي هذا المنصب غير أن الرئيس البشير فضل اختيار علي عثمان ، غير أن د. الحاج نفى وجود غيرة أو مرارات تولدت في نفسه بعد ذهاب المنصب الرفيع لعلي عثمان لكن بعض السياسيين يشككون في حقيقة موقفه من خلال التصريحات التي أطلقها لاحقاً .
يوسف عبدالفتاح ( رامبو)
(( الزبير الزيو منو) عبارة كررها أكثر من مرة بصوة عال ضارباً المنضدة بقبضة يدية بقوة والواضح إنه كان يعبر عن رأيه السلبي بطريقة غير مباشرة في علي عثمان نائب البشير آنذاك .
قبل حوالى أربع سنوات فتحت الهيئة القومية للغابات بلاغاً في نيابة حماية المستهلك ضد هيئة السلوك الحضري التي يترأسها العميد (م ) يوسف عبد الفتاح وذلك لقطعها الجائر للأشجار والنخيل بعدد من محليات الخرطوم حسبما أوردت الزميلة صحيفة (الوطن) آنذاك وقالت إن رئيس جمعية حماية المستهلك د. شلقامي وعضو جمعية حماية البيئة قد هدد باللجوء للقضاء لوقف ما أسماه بالحملات الجائرة التي يقودها يوسف عبد الفتاح مستشار والي الخرطوم ورئيس ترقية السلوك الحضري التي نتج عنها ما وصفه بمذبحة الأشجار وحرمان المواطن من الظل الظليل .
ولعل هذا الحدث الذي أشارت إليه الصحيفة وقتها أعاد إلى الأذهان الصورة الذهنية التي رسمتها حملات العميد يوسف عبد الفتاح الميدانية في أرجاء العاصمة المختلفة ولتقريب الصورة ففي بداية الإنقاذ هبط العقيد آنذاك يوسف عبد الفتاح من طائرة مروحية لتفقد المتأثرين بالسيول وعندما شاهده أحد المواطنين وهو يقفز إلى الأرض بطريقة رياضية قال ( عامل زي رامبو ) الطرفة رواها أكثر من مرة العميد عبد الفتاح للوسائط الإعلامية المختلفة فاصبحت لقباً طريفاً لم يتضجر منه بل ربما كان سعيداً به , ففي تلك الفترة حيث كان يوسف عبد الفتاح نائباً لوالي الخرطوم اتسم بالعمل الميداني في معظم ساعات اليوم يتفقد الأفران لضبط المخالفات المتمثلة في الوزن أو عدم صلاحية الصواني المستخدمة كما يقود حملات تجميل العاصمة والعديد من الخدمات وفي كل هذه المهام كانت الكاميرا التلفزيونية تصحبه ومغرماً بها حتى النخاع.
وفي تلك الأجواء الثورية ذات الطابع الراديكالي في تلك الفترة المبكرة من عمر الانقاذ أخذ العقيد يوسف بصلاحية الوالي ان يتخذ بعض القرارات الإيجازية على طريقة المحاكم الميدانية فصادر بعض السيارات وأغلق بعض المخابز متوعداً المخالفين بالويل والثبور لكن عندما سئل لاحقاً بعد سنوات طويلة من الحدث قال ان طبيعة المرحلة اقتضت ذلك فقد كانت البلاد تواجه أزمات في البنزين والدقيق بعد أن ورثت وضعاً صعباً من الحكومة الحزبية التعددية بيد أنه أكد أن القرارات كانت للتخويف وأن كل السيارات تم ارجاعها لأصحابها وأن تصديق الأفران المتوقفة عاد إليها , لكن لعل ما يستحق التوقف ان تلك الحملات الميدانية التي شنها العقيد عبد الفتاح آنذاك اتسمت بالأداء الفردي في حركة التغيير ولم نسمع بأن الولاية في تلك الفترة كانت لها استرايجية محددة.
محاكمة رامبو
يمثل هذه الأيام يوسف عبد الفتاح في قضية مدبري انقلاب الإنقاذ وكان البعض يتهمه بضلوعه في تجاوزات أراضي المدينة الرياضية لكنه نفى ذلك فهل ينجح في الإفلات هذه المرة من تهمة تقويض النظام الديقمراطي والاشتراك في انقلاب الإنقاذ .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب




شاهد أيضاً

عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي علي سعيد حول التطبيع لـ(الانتباهة):التطبيع مدبر من بدري بين أمريكا وعملائها في السودان

حوار : ندى محمد أحمد لعل قوى الإجماع الوطني لا سيما الحزب …

السودان: استشهاد ثائر متأثراً بإصابته في مواكب 21 اكتوبر

الخرطوم: الانتباهة أون لاينأعلنت لجنة أطباء السودان المركزية استشهاد الثائر حسين عبد …

التطبيع .. صراع قوى الثورة

الخرطوم: آدم محمد أحمد  كانت أول ردة فعل لقرار التطبيع مع إسرائيل …

اترك تعليق