Skip to Content
‏اخبار
السودان
الان
من
كل
المصادر‏
وفي برلين…كانت لنا أيام – صحيفة الراكوبة
اخبار السودان اخبار السودان / سبتمبر 20, 2020


منذ عودتي إلى برلين الغربية للمرة الثانية في سبعينيات القرن الماضي، كنت أجلس بداية في فترات متقاربة في مقهى «إشتاين بلاتس»Stein Platz الذي يرتاده بعض الطلاب والعاملين السودانيين وكذلك الطلاب السودانيين القادمين من أوروبا الشرقية أثناء العطلات الجامعية للتسوق والعمل، فالعمل كان وقتها ميسرا والراتب وفيرا.
يقع المقهى في منطقة «شارلتونبورغ» Charlottenburg المشهورة بمبانيها القديمة الضخمة والشقق ذات السقوف العالية وغرفها الواسعة، بجانب المحلات التجارية العديدة والبنوك والمقاهي والمنتديات الثقافية ويقطنها عادة أبناء الطبقة الوسطى من الألمان الميسورين نسبيا. المقهى لا يبتعد كثيرا عن محطة «بانهوف تسو» Bahnhof Zoo وهي شبكة المواصلات التي تمر بها القطارات ومترو الأنفاق و”الأس بان” S-Bahn والحافلات.
يفتح المقهى أبوابه الزجاجية العديدة على الكلية العليا للفنون الجميلة وكلية برلين التقنية. وبالطابق الأول دار سينما صغيرة تعرض أفلاما رائعة تتناول قضايا اجتماعية وسياسية من بلدان مختلفة.
كنت التقي بالسودانيين وبعضهم حديثي العهد بالمدينة، نتحدث عن حياة الغربة والمجتمع الجديد وتعليم اللغة الألمانية وامتحان المعادلة للشهادة السودانية كشرط لدخول الجامعات الألمانية.
اتسعت الحلقة بمرور الزمن والتي تبدأ أحيانا بعد منتصف النهار بقليل، وكنت عندما أحضر بعد الدوام وتكون المشروبات الروحية قد عبثت بالرؤوس ودخان السجائر يعقد سحبا فوق رؤوسنا، فيحتدم النقاش وتتعالى الأصوات فتجلب أنظار واستنكار الرواد الآخرين. كان النقاش يدور ويحتدم كالعادة حول السياسة – المرض السوداني المتوارث – لكنه لا يصل أبدا إلى عراك أو أذى جسدي.
بدأ توافد السودانيون إلي برلين الغربية في بداية ستينيات القرن المنصرم وتكونت رابطة الطلاب السودانيين في عام 1963وكانت اللجنة التنفيذية تتكون من ياسين أحمد الحاج، محمد نور سعد، يوسف بدر والفنان التشكيلي شبر. وتكّون في الثمانينيات اتحاد الطلاب والعاملين السودانيين.
تكونت الجالية السودانية برلين  براندنبورج في عام 1994 ثم النادي السوداني في عام 1999 ،كنتيجة للاستقطاب السياسي بعد الانقلاب العسكري الاِخواني في عام 1989. ويمكن القول عموماً بأن النادي السوداني هو تجمع لليسار والأخوة من جنوب السودان. كانت العلاقة مع الأخوة الجنوبيين جيدة مقارنة بأيام الدراسة في لايبزج، حيث كان يدرس معنا طالباً واحداً من جنوب السودان، ولسون اريمبا، الذي كان يتجنب العلاقة معنا وتخرج في كلية الحقوق وعمل قاضياً ثم سفيراً في وزارة الخارجية بالخرطوم. أما في برلين فقد ازداد بمرور الزمن عدد الجنوبيين وكنا نقيم ندوات مشتركة غالبيتها ذات طابع سياسي وكان الشعور السائد وقتها بأن الذي يجمعنا أكثر من الذي يفرقنا. وكونا الجمعية الأدبية، على منوال الجمعيات الأدبية في المدارس الثانوية في الوطن والتي كان لها صدىّ طيباً ومن خلالها كانت تتفتح وتنصقل المواهب. وكان لوجود عدد كبير من المبعوثين للدراسة فوق الجامعية من جامعة الخرطوم وجامعة الجزيرة والجامعة الإسلامية ومراكز الأبحاث، دوراً كبيراً في تفعيل نشاط الجمعية، نذكر منهم تمثيلاً لا حصرا، صديق حسين حمد، حسن مضوي، حسن منقوري، أبوبكر مختار، محمد زايد، الشيخ صالح عبدالرحمن، عبدالله كودي، حسن عباس، الضو محمد أحمد، عمر محمد خير، جعفر إبراهيم، كمال الصديق، سامي علي حامد، التيجاني الياس وهجو علي هجو، وكانوا يطلعونا علي الخطوط العريضة لأبحاثهم ونتائجها. وكنا نحن البرلينيين نشارك بنصوصنا الثقافية والأدبية شعراً ونثراً.
كما لم نهمل الجانب السياسي، فيقوم النادي السوداني والجالية السودانية باستضافة بعض السياسيين أو الكتاب من الداخل، منهم مهدي إبراهيم وشيخ المؤرخين بروفيسور يوسف فضل ووفد من مصلحة الآثار ولكن كانت تتم اللقاءات في الغالب في النادي السوداني أثناء فورة نشاطه، قبل أن يستسلم مثل الجالية. وتحدث في النادي الإمام الصادق المهدي، محجوب محمد صالح، الشفيع خضر، عبدالرحيم بلال، لام أكول، ياسر عرمان، عبدالعزيز الحلو ومن الفنانين التشكيلين خالد كودي قادماً من أمريكا، وعبدالحق دودو. ثم أحمد عبدالمجيد ومنصور يوسف العجب وعلى الحاج وعبدالله آدم خاطر وبدر الدين خليل ووفد من العدل والمساواة. ومن السيدات الفاضلات عائشة الكارب ونعمات مالك. كان بعض السياسيين يتحدثون بنرجسية وأسلوب تبريري، بعيداً عن الموضوعية والنظرة الشاملة وكأنهم يتحدثون في ليلة سياسية في أحدى المدن الصغيرة في السودان .
كما التقيت في برلين مع القطب الاِنقاذي يسين عمر الأمام، جاء مشاركا في مؤتمر اقتصادي لبنوك الاِدخار Sparkassen وعجبت لمشاركته في مؤتمر اقتصادي، وهكذا حكومة الإنقاذ، فالاعتماد أولاً على أهل الولاء والثقة قبل أهل الخبرة والتخصص، وهكذا كانت بداية الخراب.
كما أقامت الجالية السودانية والنادي السوداني بالاشتراك مع السفارة السودانية في عام 2011، ندوة ثقافية إحياء لذكري أديبنا الكبير الراحل الطيب صالح ضمت مجموعة كبيرة من الضيوف والأصدقاء العرب.
كما أصدرنا  في مايو عام 1980 “مجلة السودان” وهى مجلة غير دورية. جاء في كلمة الافتتاح ” يقدم اتحاد الطلاب والعاملين السودانيين العدد الأول من مجلة السودان. ان الهدف من إصدار هذه المجلة هو فتح المجال لكل أعضاء الاتحاد، للتعبير عن أفكارهم واهتماماتهم عبر السطور…ان وجودنا في مجتمع يختلف في تراثه وحضارته وتقدمه عن وطننا يدفعنا أكثر إلى التفكير العميق ومحاولة الاستفادة وجمع الخبرات التي تساعدنا في استيعاب وحل مشاكل وطننا”. من الأسماء التي كانت تشارك من الخارج: محمد محمود، وخالد المبارك، ومعاوية حسن يسن (بريطانيا)، وصلاح أحمد إبراهيم (باريس) وكان يصدر مجلة البديل في باريس ولكن لضيق الحال لم تعمر طويلاً، والسر سيد أحمد (السعودية)، وحسن عبد الوهاب (بون)، وعواطف سيد أحمد (أمريكا)، وصديق التجاني المرضي (أبو ظبي)، وعبد الرحيم بلال (الخرطوم). لقد كانوا كرماء معنا نحن البرلينيين، فالمقالات كانت تكتب خصيصا لمجلتنا تشجيعا لنا – ونحن في بداية الطريق – وليس مثل المقالات التي يتفضل بها كاتبوها بعد أن تكون قد نشرت في مجلات أخرى أكثر ذيوعا وانتشارا. كلنا في الغربة، سنوات وأبعاد تفصلنا ولكن عن طريق هذه الآلة العجيبة – التلفون ( الكلام بالخيوط – فرح ود تكتوك ) اِستطعتُ أن أرصد أماكنهم فجاءت أصواتهم عبر الأثير عميقة دافئة، ثم التقت أقلامهم على صفحات مجلة السودان، وعسى أن نلتقي قريبا في الوطن العزيز ليضمنا جميعا تحت ظلاله الوارفة بين أحبابنا وأهلنا الطيبين.

تعتبر مؤسسة فريدرش أبرت التابعة للحزب الاشتراكي الديمقراطي من أهم مؤسسات المجتمع المدني في ألمانيا. كان يشرف على إدارة مؤسستها في الخرطوم، عبد الرحيم بلال (وهو أول من نال هذه الوظيفة من السودانيين وبعد تقاعده عادت أدارة المؤسسة إلي الألمان). واكتسبت المنظمة في عهده زخماً شديداً وسمعة طيبة عن طريق البرامج الناجحة التي كانت تقدمها وبحكم علاقات بلال الواسعة ومعرفته بمشاكل السودان وخاصة في قضايا المجتمع المدني. وقد حصل بلال على وسام من جمهورية ألمانيا الاتحادية أثناء رئاسة يوهانز راو Johannes Rau تقديراً لعمله المميز، وتم توديعه في احتفال كبير نُظم خصيصاً لهذه المناسبة في مدينة بون.
وتستضيف المؤسسة في برلين بصورة منتظمة كثير من الكتاب والصحفيين والسياسيين من السودان وقد حصل عميد الصحفيين محجوب محمد صالح (محجوب الذهبي ــ كمال الجزولي)، والمحامي والسياسي ابيل الير على جائزة حقوق الإنسان التي تمنحها المؤسسة كل عام للشخصيات المتميزة قدمتْ الجائزة للفائزين في برلين بحضور جمهور عريض وألقت كلمة المدح Laudatio وزيرة التعاون والتنمية الاقتصادية السابقة في ألمانيا السيدة هيدامارى فيسورك- سويل.
الجالية السودانية والنادي السوداني لا يزالان على الساحة البرلينية مع نشاط محدود وغير مثمر قياسا إلى الماضي وقياساً إلى عدد الطلاب السودانيين في برلين وعدم الاستفادة من الأنشطة الثقافية والفكرية والفنية التي تتيحها العاصمة الألمانية.
ــ بدعوة كريمة من الحزب الشيوعي السوداني للمشاركة في الاحتفال (اغسطس 1996) بالذكري الخمسين لمولد الحزب 1946- 1996 في لندن .
جاء من ضمن كلمتي التي قدمتها أمام أعضاء الحزب وضيوفهم : “أنني لا اريد أن أتحدث عن تاريخ الحزب الشيوعي السوداني وبدون أي احساس بتواضع زائف لا أستطيع ذلك، ولكني أستطيع أن أقول كمتابع ومشارك للأحداث الوطنية بقدر ما تسمح به ظروف المغترب بأن الحزب أحيانا يفتقد الوضوح النظري والتحليل للقضايا والاكتفاء بالوصف فقط وعدم الالتفات الى موضوع الدين ودوره الروحي في حياة الفرد وفي تأصيل القيّم الانسانية الرفيعة مثل حب الخير والتسامح والتضامن في المجتمع وكذلك عدم الانفتاح على الثقافة العربية الاسلامية الا مؤخرا (مثال الاستشهاد بالآيات القرآنية التيجاني الطيب – الهوية السودانية محصلة التنوّع والتعدّد – الشفيع خضر سعيد) وأقول في نفس الوقت بأن الحزب نما من داخل التربة السودانية وشرب من ماء النيل وترعرع وشبّ عن الطوق وشارك مثل سائر الأحزاب السياسية السودانية والمنظمات المهنية والنقابية والطلابية في النضال ضد الاستعمار وجاد بالدم والشهادة وان الشيوعي السوداني ليس شخصية ملائكية أو اسطورية وخصاله من خصال الشخصية السودانية المترسبة في نفوسنا مع حساسية مرهفة للوقوف بجانب المهمشيّن والبسطاء من أهلنا الطيبين. انني أعتبر نفسي صديقا للشيوعيين السودانيين – هم لم يطالبوا بذلك ولم يطلبوا مني شيئا، انما أنا الذي أسعى اليهم – أختلف معهم أحيانا في الرؤية والتفسير وأجادلهم في ذلك. أشاركهم فرحة الانتصار وأتضامن معهم وقت الصعاب. والصديق وقت الضيق – والصديق من صَدَقكَ القول لا من صدَّقكَ.
الذي تنبأ بنهاية هذا الحزب العريق، الذي بلغ السبعين (1946ــ 2016 ) عاماً من النضال المتواصل، لعله لم يشاهد الجماهير التي خرجت لتشييع محمد إبراهيم نقد والمبدعين الرائعين محمد الحسن سالم (حميد) ومحجوب شريف.
* حاشية: أثناء القاء كلمتي، صعد شخص الى المنصة وسحب الميكروفون ومنعني من مواصلة الحديث. لقد كنت قد ذكرت في فقرة لا تزيد عن بعض كلمات، تجربة اتحادنا في جمهورية المانيا الدمقراطية، وكيف ان خلافاتنا السياسية وسيطرة الجبهة الديمقراطية على الاتحاد لعدة دورات بتمسكها بأغلبيتها الميكانيكية، مما أدي الى ضعف اتحادنا وتفرقنا، حتى هل علينا خالد المبارك (الحزب الشيوعي)، وقتها كان عضوا في اللجنة التنفيذية لاتحاد الجامعة، التي تم فصل جميع اعضائها من الجامعة، بسبب مناهضتهم للحكم العسكري الأول. استطاع خالد في فترة وجيزة توحيدنا، واثبت في سن مبكرة فهمه الواسع لمعني الديمقراطية. ربما يكون ذكر اسم خالد، السبب في دفعه لهذا السلوك المشين، فخالد كان وقتها قد غادر الحزب الشيوعي. لقد تناسَى الزميل الغاضب، بانني اتحدث في الفترة، التي كان فيها خالد قائدا طلابيا مرموقا وممثلا للحزب الشيوعي، فتصرف خالد لتوحيدنا يحسب ليس لشخصه فحسب، بل للحزب أيضا. وربما تكون جملة “وفهمه الواسع لمعني الدمقراطية”، هي التي استفزته بعنف، واراد ان يبرهن مفهومها له، بسلوكه المعاكس.
ولكنني علمت مؤخرا بان الغاضب الثائر ــ وهو كبير في السن ــ  ليس عضوا في الحزب الشيوعي، ولكنه وطني غيور، وغيور كذلك على الحزب الشيوعي، وكان يقوم بإخفاء بعض قيادات الحزب (التيجاني الطيب وأخرين …) في منزله، من أعين أجهزة الأمن، معرضا نفسة وأسرته لخطر كبير. سعدتُ للدعوة الكريمة ووقوفي امام ذلك الجمع النبيل.

Comments
No comments yet, take the initiative.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‏اخبار السودان الان من كل المصادر‏ © 2022