Skip to Content
‏اخبار
السودان
الان
من
كل
المصادر‏
في محاكمة انقلاب الإسلاميين بقلم:
اخبار السودان اخبار السودان / سبتمبر 25, 2020


 

  إن التداخل بين الحياة المدنية، والعسكرية اقتضه طبيعة نشأة وتكوين الأحزاب السياسية السودانية نفسها، فارتباط هذه الأحزاب بالحركات الدينية باعتبارها الحاضنة والداعمة السياسية لها، والتي تمثلت في ثنائية أنصار ختمية، أو كما قال: الدكتور الساعوري في كتابه “السودان الواقع وآفاق المستقبل”، (فالإرث السياسي الاجتماعي مرتبط دائما بالحركات الدينية على نحو ما، هذا الإرث سمح لرجال القوات المسلحة العمل بالسياسة، لهذا ظل التداخل بين السياسيين والعسكريين في الشأن العام السوداني مبررا كافيا للتدخل العسكري في الحياة السياسية السودانية منذ العام 1924،). انتهى الاقتباس.

هذا التداخل هو الذي سمح لقادة انقلاب 17 نوفمبر من تنفيذه ونجاحه، (تسليم وتسلم من حكومة رئيس الوزراء عبد الله خليل)، كما سمح لهم أيضا من الافلات من العقاب خوفا من تورط السياسيين المدنيين في جريمة تقويض الدستور إذا انعقدت محاكمة قادته.

 وكذا الحال في انقلاب 25 مايو 1969، الذي كان خلفه اليسار عموما. لم يحاكم قادة انقلاب مايو بتهمة تقويض الدستور لذات السبب، الأمر الذي شجع قادة الجبهة القومية الإسلامية من مدنيين وعسكريين من تنفيذ انقلابهم، في الـ 30 يونيو 1989، هم قيد المحاكمة الآن، وربما قادت حيثيات هذه المحاكمة إلى ضلوع السيد/ الامام الصادق المهدي، آخر رئيس وزراء منتخب، وذلك لعلمه بانقلاب الجبهة قبل وقت كاف، ولم يحرك ساكنا، إن لم تكن العملية برمتها  موضوع تسليم وتسلم كما فعل سلفة السيد/ عبد الله خليل.

 والغريب في الأمر إن الأعمال التحضيرية للانقلابات العسكرية، ومحاولة الشروع فيها، والانقلابات الفاشلة طوال تاريخ الصراع السياسي السوداني، كل هذه المحاولات الانقلابية تمت محاكمة قادتها سجنا وإعداما وتشريدا من الخدمة، كما تمت عمليات قمع وتضييق للأحزاب التي كانت تقف من خلفها وتدعمها.

 ومما لا جدال فيه فإن واقعة جريمة حدوث انقلاب الثلاثين من يونيو، لا يمكن دحضها، لأنها حدثت واكتملت أركانها واستمرت لأكثر من ثلاثين عاما حسوما. وأصبحت في علم الكافة وكأنها ظاهرة كونية كالشمس والقمر والكواكب، ومما يجدر ذكره إن هذه المحاكمة الجارية الآن تعتبر أول محاكمة في تاريخ السودان بتهمة جريمة تقويض الدستور.

 ومن جهة أخرى لا يمكن أن يدفع منفذو انقلاب الجبهة بالإنكار لأن معظمهم في غير ما مناسبة اكدوا ضلوعهم ومشاركتهم وتنفيذهم للانقلاب على رؤوس الأشهاد، وبطبيعة الحال أضف إلى ذلك مستندات الاتهام الأخرى التي تثبت تورط المتهمين بما لا يدع مجالا لظلال أي شك معقول، بحسب واقع حال التهمة الموصوفة بأركانها المكتملة.

 وهذا ما صعب مهمة البعض في هيئة الدفاع، وجعلهم يتخبطون كطفل بدأ خطواته الأولى في المشي، فتارة يتقدمون بطلبات غير منتجة أو متعلقة بالدعوى أمام محكمة الموضوع، وتارة يتقدمون بطلبات إدارية لا أساس قانوني لها، ولا تدخل في اختصاص المحكمة، إمعانا في التطويل والتسويف والمماطلة، مع علمهم سلفا رفض المحكمة لهذا النوع من الطلبات.

 ومنذ بدء المحاكمة وضحت نية هيئة الدفاع “وتكتيكاتها” في أن تستمر الجلسات الشكلية لأطول فترة ممكنة، يمارسون فيها اللعب القانوني الغامض، وتبادل الأدوار المكشوفة في انتظار فرج آت نجهله ويعلمه بعضهم، وإلا ما سبب المماطلة، وموكليهم خلف القطبان الحديدية بما هم عليه من كرب وعنت وذلة وهوان.

 ان ممارسة هيئة الدفاع لسياسة الهروب إلى الأمام، لن يغير من واقع تورط موكليهم شيئا، بل سوف يزيد معاناتهم، قبل إطلاق رصاصة الرحمة عليهم جميعا، إلا من استثنته عدم كفاية الأدلة أو بارقة شك معقول من مقصلة الإدانة.

 وإمعانا في منهج التسويف والمماطلة، تعالت اصوات بعض الاساتذة في هيئة الدفاع بأن هذه المحاكمة سياسية، ولا يحق للمحكمة أن تنظر في قضايا سياسية، وبالتالي يتعين شطبها وإخلاء سبيل موكليهم، في تقديري المتواضع رغم غموض هذه الفكرة العبثية التي لا تنطوي إلا على وهمها الذاتي، وعدم وجود أساس قانوني لها، أو حتى منطق يبررها، دعنا نفترض حسن المقصد وصفاء النية، وإن هيئة الدفاع تعني أن تهمة الانقلاب هي جريمة سياسية لتميزها عن الجرائم العادية، كالقتل والسرقة والاحتيال.

  لا يسعني إلا أن اتفق شكلا وموضوعا مع هيئة الدفاع بأن تهمة تقويض الدستور والانقلاب على السلطة القائمة والاستيلاء على مؤسسات الدولة السيادية بهدف تغيير نظام الحكم القائم هي جريمة سياسية بامتياز، ولا ادري من الذي قال بغير ذلك في توصيف جريمة الانقلاب على السلطة وتكييفها القانوني؟.

  وكي لا يستشكل ويلتبس الأمر على البعض، لابد من تعريف الجريمة السياسية عموما، والفرق بينها وبين الجريمة التي يتداخل فيها عنصرا سياسيا، – كمن يتخلص من مرشح منافس له بالتصفية،-  وما هو معيار التمييز بينهما، وهل الباعث أو الدافع إذا كان دنيئا أو نبيلا له أثره في عقوبة الجريمة السياسية، وهل الجريمة السياسية فعل مباح ومبرر، وبالتالي لا يستوجب العقوبة الجنائية، كما يعتقد البعض في هيئة الدفاع قصدا أو جهلا أو تجهيلا؟.

 وبناء على هذا التصور الملتبس تقدمت هيئة الدفاع بطلب أمام محكمة الموضوع مضمونه أن هذه المحاكمة سياسية؟. وبالتالي تنطوي على انتقام وتشفي لتصفية خصومة سياسية، وبالنتيجة فإن سوح المحاكم غير معني أو مختص بالتدخل للفصل في هذه الخصومة.

 ولكي نكون  على بينة من أمرنا، دعنا نرى ماذا يقول فقهاء القانون الجنائي؟. كدأب هؤلاء، فقد اختلفوا في تعريف ومقومات الجريمة السياسية، فأصحاب المذهب الشخصي اعتمدوا الدافع السياسي، إذا كان سياسيا فالجريمة سياسية، وقال آخرون أن الدافع ليس ركنا من أركان الجرائم أيا كانت.

   أما أصحاب المذهب الموضوعي قالوا: ( كي تعتبر الجريمة سياسية يجب أن تقع على الحقوق أو المؤسسات السياسية التي تشكل دعائم وكيان بلد معين). د. مصطفى العوجي. القانون الجنائي.

  فالفرق بين الجريمة السياسية بصفة عامة والجريمة التي يدخل فيها عنصرا سياسيا هو الدافع فقط، إذا كان التحرك نحو قلب نظام الحكم هو دافع نبيل، ولأغراض المصلحة العامة، ومنعا للفوضى صنفت الجريمة سياسية، وكان لهذا الدافع النبيل تأثيرا على العقوبة فقط، ربما يخففها، ولكن ليس له تأثيرا في تغيير وصف الجريمة، إذ تظل الجريمة السياسية هي جريمة، يعاقب عليها القانون الجنائي، لأن الدافع ليس ركنا من اركانها. 

   أما إذا كان الدافع شخصيا، ولغرض دنيء وأناني ومصلحي، كانقلاب الجبهة القومية الإسلامية المشؤوم، والذي ظهرت نتائجه في الإبادة الجماعية، والقتل والتعذيب والتهجير والتنزيح وسياسة الفساد والتمكين طوال الثلاث عقود المنصرمة، برغم زعمهم أنهم قاموا بالانقلاب إنقاذا للبلاد من الفوضى والانهيار، والخلافات الحزبية، أي أن غرضهم نبيل، فإن جريمتهم في اعتقادي تظل جريمة سياسية، لأنها وقعت على مؤسسات الدولة الدستورية، دون التأثير على العقوبة المنصوص عليها في القانون الجنائي السوداني.

الصادق عيسى حمدين

[email protected]

Comments
No comments yet, take the initiative.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‏اخبار السودان الان من كل المصادر‏ © 2022